واشنطن.. فشل دبلوماسية الاستعراض العسكري

يكمن جزء من المشكلة في أنه لا توجد هناك معرفة كافية بمنطقة الشرق الأوسط في البيت الأبيض، وقد تكون أجهزة الإنذار تلك تقرع أجراسها فعليا في وزارة الخارجية، إلا أنها ترن في مكاتب خاوية.
السبت 2018/03/24
الفرصة سانحة

عملت الجهود المتضافرة لكل من الرئيسين الأميركيين باراك أوباما ودونالد ترامب، وكذلك غياب سياسة خارجية شاملة، على نقل موقف الولايات المتحدة القيادي في منطقة الشرق الأوسط إلى روسيا.

في الواقع يتحمل كل من أوباما وترامب مسؤولية إزاحة الولايات المتحدة وراء موسكو لتحتل المرتبة الثانية من حيث النفوذ السياسي في الشرق الأوسط.

وعلى الرغم من الوجود العسكري المستمر في العديد من دول المنطقة، إلا أن الولايات المتحدة تشهد الآن عصر ضعفها السياسي، بينما يبرز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بوصفه القيصر الجديد لجميع مناطق نفوذ روسيا في العالم العربي.

وتمتلك واشنطن قواعد جوية وبحرية أميركية ذات أهمية كبرى في العديد من دول المنطقة، إلى جانب 55 ألف عميل عسكري ومدني بحسب ما صرحت به مؤسسة “كارنيغي للسلام الدولي”.

وعلى الرغم من ذلك، يتلاشى تأثير واشنطن في العالم العربي تدريجيا، ولا سيما في ظل غياب إطار توجيهي مناسب للدبلوماسيين الأميركيين العاملين بالمنطقة.

وحتى إسرائيل، التي لم تكن موجودة لولا الدعم العسكري والمالي للولايات المتحدة، تتخذ الآن دورها في موسكو من خلال الزيارات المتكررة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لبوتين. هذا رغم إعلان ترامب مؤخرا نقل مقر السفارة الأميركية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس.

وتمتلك الولايات المتحدة واحدة من أهم القواعد الجوية في قطر على الرغم من اتهام الدولة القطرية بدعم الإرهاب، وكذلك تتخذ من البحرين مقرا إقليميا للأسطول الأميركي البحري الخامس.

وبالإضافة إلى ذلك تمتلك الولايات المتحدة بؤرا استيطانية في العراق وسوريا وأفغانستان.

وبينما فشلت الولايات المتحدة في فهم أهمية سوريا في العالم العربي، قفز بوتين مستغلا هذا الموقف وحصل على ما أراده: إتاحة الفرصة أمام البحرية الروسية للوصول إلى الموانئ العربية على مدار السنة.

لقد تغيرت الخارطة الجيوسياسية للمنطقة، انتهزت روسيا ذلك التغير وأخذت واشنطن على حين غرة.

وقد اعتادت القوى الغربية على دعوة قواتها العسكرية لدعم مبادراتها الدبلوماسية والسياسية، وهكذا نشأ مصطلح “دبلوماسية استعراض القوى العسكرية”. لكن في السنوات الأخيرة يبدو أن هذه الدبلوماسية لم تحقق نجاحا يذكر، وبدلا من ذلك، يبدو أن الغرب يحتاج إلى سياسة عكسية يدعم فيها السياسيون والدبلوماسيون الجيش بدلا من العكس.

الولايات المتحدة تشهد الآن عصر ضعفها السياسي، بينما يبرز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بوصفه القيصر الجديد لجميع مناطق نفوذ روسيا في العالم العربي

هذا ما فعلته موسكو في الشرق الأوسط، بعد أن تعلمت في أفغانستان أن دبلوماسية استعراض القوى العسكرية قد عفّى عليها الزمن. بدأ استعداد موسكو لاتخاذ مكانتها بشكل جاد خلال فترة حكم الإدارة الأميركية السابقة، لكنها سارعت في اقتناص الفرصة واتخذت مكانتها فعليا أثناء حركة تغيير الإدارة في البيت الأبيض. فالأجواء الفوضوية التي اصطحبت إدارة ترامب لم تساعد الدبلوماسية الأميركية في نهاية المطاف.

فضلا عن ذلك، تفتقر وزارة الخارجية الأميركية إلى العديد من الوظائف الهامة التي ظلت شاغرة لمدة أكثر من عام في فترة حكم ترامب الأولى. وفي هذه الأثناء، يعيد بوتين تأسيس روابط وثيقة مع العملاء السوفييت السابقين من خلال تقديم حوافز تجارية جديدة.

لذلك يجب لهذا الحدث؛ تدخل النفوذ الروسي في الشرق الأوسط، أن يدق كل جرس إنذار في الولايات المتحدة من البيت الأبيض إلى وزارة الخارجية وحتى البنتاغون.

يكمن جزء من المشكلة في أنه لا توجد هناك معرفة كافية بمنطقة الشرق الأوسط في البيت الأبيض، وقد تكون أجهزة الإنذار تلك تقرع أجراسها فعليا في وزارة الخارجية، إلا أنها ترن في مكاتب خاوية، مثلها مثل بعض مكاتب السفارات الخاوية في بعض الدول الأخرى مثل قطر والسعودية وسوريا وتركيا وإيران.

انخرطت الولايات المتحدة في لفت الانتباه إليها في المنطقة من خلال تنفيذ العمليات العسكرية باستخدام الطائرات ذاتية القيادة والطائرات الحربية، في حين أثبت بوتين أنه مفاوض فطن حين أقام علاقات ودية مع كل دول الشرق الأوسط تقريبا، بما في ذلك إسرائيل وتركيا وإيران. وباستثناء سوريا، لم يكن الجيش الروسي بحاجة إلى نشر قواته العسكرية.

نجح بوتين في ما فشل فيه السوفييت، ورفع المكانة الروسية إلى مستويات لم تكن لتصل إليها في ما سبق. ولكن واشنطن ما زالت تبحث عن طريق للعودة.

ومن الناحية السياسية، غمر ترامب نفسه في غياهب السبعينات والثمانينات راغبا في تخصيص مبالغ هائلة من المال لبناء القوات الأميركية في الوقت الذي يتعين عليه التركيز أكثر على الدبلوماسية.

ونقلا عن الرئيس الأميركي السابق، ثيودور روزفلت، قوله “تحدث بهدوء ولكن احمل عصا غليظة”، نجد هنا أن ترامب يركز على بناء عصا أكبر متجاهلا الحاجة إلى الحوار.

وقالت جيسيكا ماثيوز، باحثة بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، “نحن لا نتصرف كدولة ذات مسؤوليات ومصالح دولية. نبني دبابات لن نحتاجها أبدا، وطائرات لا يمكنها العمل في المجال الجوي القتالي الحديث. لم يتم بناء أي أمة عظيمة بناء على قوتها العسكرية. لقد حاول الاتحاد السوفييتي من قبلنا، لكنه ترك شعبه في النهاية يتهافت في طوابير للحصول على احتياجات معيشته الأساسية”.

8