واشنطن قلقة من تقدم تركي نحو منبج

عبّرت عدة دول عن قلقها إزاء إصرار تركيا على المضي قدما في عملية غصن الزيتون وقصف مواقع وحدات حماية الشعب الكردية في شمال سوريا تدعمها في ذلك بشكل علني قطر، وبشكل صامت روسيا التي تأتي العملية في وقت مناسب بالنسبة إليها وإلى نظام الأسد، بينما استؤنفت أعمال العنف في سوريا مع القصف الذي نفذته القوات السورية على منطقة الغوطة الشرقية في شرق دمشق وفي إدلب بشمال غرب البلاد، فيما حذرت واشنطن من أن المعارك المفتوحة على جبهات مختلفة قد تزعزع الاستقرار في منطقة كانت بمنأى نسبيا عن النزاع السوري داعية إلى ضبط النفس.
الأربعاء 2018/01/24
مغامرة مصيرية لأردوغان

واشنطن - تواصل تركيا قصف أهداف منطقة عفرين في شمال محافظة حلب ضمن حملة تشنها قواتها وحلفاء من المعارضة السورية المسلحة ضد وحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها أنقرة حليفة لحزب العمال الكردستاني. تأتي هذه الحملة العسكرية التي أطلق عليها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اسم “غصن الزيتون” لتعيد خلط أوراق الملف السوري. تحوّل الوضع في سوريا إلى حرب بين النظام السوري (وداعميه) وبين المعارضة من جهة، وحرب بين روسيا والولايات المتحدة من جهة أخرى، وحرب ثالثة بين تركيا والأكراد. وتعتبر الحرب الأخيرة في الوقت الحالي المحدد لتطور مسار الحربين الأوليين.

تدخل تركيا بثقلها في حملة غضن الزيتون من منطلق قومي يصنف الأكراد كتهديد للدولة التركية، وهو منطلق يشترك فيه الرئيس أردوغان مع كل من سبقه، والحملة العسكرية التي بدأتها أنقرة منذ يوم السبت كانت يمكن أن يقدم عليها أي رئيس تركي آخر، مهما كانت خلفيته وأيديولوجيته، في حال كانت هي الحل الوحيد لوقف أي محاولة لمنح الأكراد حكما ذاتيا أو تمكينهم من أي فرصة يمكن أن تكون حافزا لأكراد تركيا في المستقبل. ويشكّل تاريخ تركيا الدامي الطويل مع حزب العمال الكردستاني رافدا لجزء كبير من السياسة الوطنية المتعلقة بالمسألة الكردية.

وبينما لطّف حزب العمال مطالبه مع مرور الوقت من الاستقلال إلى الحكم الذاتي والحقوق الثقافية، والتزم بشكل كبير وقفا لإطلاق النار أحادي الجانب على مدى السنوات الماضية، مازال الكثير من الأتراك يعتبرونه تنظيما إرهابيا يسعى إلى تقسيم بلدهم، وهو ما يعطي دفعا للرئيس التركي ليخوض هذه العسكرية في عفرين وعينه على المشهد السياسي المضطرب في بلاده منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في صيف 2016 وتصاعد نسبة الرافضين له ولنظامه منذ الاستفتاء على التعديل الدستوري.

وكتبت هانا لوسيندا سميث، المحللة المختصة في الشأن التركي في صحيفة التايمز البريطانية، تحت عنوان “أردوغان يبحث عن جائزة أكبر” مشيرة إلى أن أردوغان يعلم أن بلاده لن تكون من الفائزين الكبار في حرب سوريا، ولكنه عاقد العزم على ألا يكون الأكراد أيضا من الفائزين.

وتوضح سميث أن الحيلولة دون إقامة دولة كردية على طول الحدود مع سوريا ستجلب للرئيس التركي الكثير من الثناء في الداخل في وقت أصبحت فيه أنقرة معزولة دبلوماسيا وأصبح أردوغان منبوذا بصورة متزايدة بسبب رفض تركيا التخلي عن المعارضة السورية، حتى بعد تغلغل الإسلاميين المتشددين فيها ودورها في تشظي المعارضة السورية وانقسام الفصائل بما يعقد أي مسعى للحوار أو التهدئة.

ويقول فهد الرداوي، الأمين العام لتيار التغيير الوطني السوري، “تركيا التي أطلقت غصن الزيتون على العملية التي يخوضها جيشها بكامل جاهزيته من عدة وعتاد وغرفة عمليات تتبع لإدارة مباشرة لرئيس هيئة أركانها في أنقرة هي نفسها تركيا التي حاربت حزب العمال الكردستاني لعقود من الزمن والرافضة لنشوء أي كيان كردي في خاصرتها الجنوبية”.

غونول تول: إقناع رجب طيب أردوغان بعدم التحرك ضد منبج قد يكون بالغ الصعوبة

ويجد أردوغان في الحملة العسكرية في عفرين، وهي أحد التجمعات الكردية الثلاثة الكبرى في شمال سوريا، والأخرى هي عين العرب كوباني والحسكة التي يرتبط سكانها مع أكراد تركيا على الجانب الآخر من الحدود بعلاقات تاريخية، مسوغات ضرورية ليلملم شتات المشهد السياسي الذي يتسرب من يديه. وحقق خطاب التصعيد ضد الأكراد ثم الحملة العسكرية جزءا كبيرا من هذا الهدف باستقطاب المحافظين من حزب الحركة القومية المعارض الذي تحدث بخطاب مشابه لخطاب الرئيس التركي في ما يتعلق بـ”خيانة” الحلفاء الأميركيين.

وأثار دعم الولايات المتحدة لوحدات حماية الشعب الكردية غضب أنقرة التي تعتبر الوحدات تهديدا أمنيا لها. وهذا الدعم أحد عدة ملفات، منها تسليم فتح الله غولن، أدت إلى توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وحليفتها تركيا.

وقال رئيس حزب الحركة القومية، دولت باهتشلي، إن بلاده “تناضل ضد التنظيمات الإرهابية وداعميها على حد سواء”. وأضاف في كلمة ألقاها أمام الكتلة البرلمانية لحزبه في مقر البرلمان، بالتزامن مع اليوم الرابع لعملية غصن الزيتون، “الظالمون يستخدمون التنظيمات الإرهابية في تنفيذ مخططات الخيانة والقتل”، لافتا إلى أن “الولايات المتحدة تقيم علاقة غير مشروعة مع حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي”.

ودعا باهتشلي بلاده إلى التحرك بكافة عناصر القوة التي تملكها للقضاء على مصدر الإرهاب في منطقة عفرين، فيما أكد أردوغان خلال اجتماع أمني الثلاثاء بحضور كبار المسؤولين للاطلاع على تطورات عملية عفرين أن “العملية تمضي بنجاح كما هو مخطط لها وستنتهي عندما تحقق أهدافها، في رسالة توحي بأن العملية يمكن أن تتمدد إلى خارج حدود عفرين وتطال المنبج حيث توجد قوات أميركية وحلفاء لها في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية”.

وتصريحات الرئيس التركي بشأن عفرين ومنبج لم تكن الأولى، فقد سبقها بتصريح في نوفمبر الماضي بأن بلاده “ستكمل عملية إدلب لتحرير عفرين وتسليم منبج لأصحابها وتطهير باقي المناطق الأخرى من بقية المنظمات الإرهابية”. ولا يبدو أن الرئيس التركي سيتراجع عن هذه العملية التي ضمنت له هدوءا مؤقتا في الداخل وورقة يلعب بها مع الروس أساسا، وفي إشراك فصائل الجيش الحر التي دعمتها ومازالت تدعمها لوجستيا رسالة ضمنية لروسيا وللولايات المتحدة والقوى الدولية المعنية بالملف الروسي، سواء من خلال المفاوضات أو من خلال التواجد الميداني، بالحضور التركي في الملف السوري.

لكن، هل ستبقى واشنطن مكتوفة الأيدي وهي تشاهد القوة التي عملت على بنائها وراهنت عليها في الملف السوري تُسحق من قبل تركيا حليفتها في الناتو التي تطلق طائراتها على الأكراد في سوريا من نفس القاعدة التركية التي تنطلق منها الطائرات الأميركية حاملة المساعدات العسكرية للأكراد فيما تصر أنقرة على أن هذه الأسلحة ستستخدم ضد الأتراك؟

موقف واشنطن

تقول سميث إن الجائزة الحقيقية لأردوغان ليست عفرين، ولكن هدفه الرئيسي هو أن يشب الخلاف بين الولايات المتحدة ووحدات حماية الشعب الكردية، مشيرة إلى أن تركيا لا يمكنها تقبل فكرة أن تعطي الولايات المتحدة أسلحة لجماعة تصفها بـ”الإرهابية” ومسؤولة عن مقتل المئات من المدنيين في إسطنبول وأنقرة وغيرها من المدن التركية.

وتضيف أن تركيا تخشى أن يمتد دعم الولايات المتحدة للأكراد إلى ما بعد قتال تنظيم الدولة الإسلامية، إلى الصراع بشأن مستقبل سوريا، لذلك يمكن أن لا تبقى العملية محصورة في عفرين. ومنبج جزء من منطقة أكبر بكثير في شمال سوريا خاضعة لسيطرة قوات معظمها قوات كردية. وعلى عكس عفرين، حيث لا تتمركز أي قوات أميركية، يبلغ عدد القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة الشرقية والممتدة 400 كيلومتر على طول حدود تركيا ألفي جندي.

التأثير الوحيد الذي تملكه الولايات المتحدة في سوريا هو من خلال الأكراد، لذلك تأمل واشنطن في استغلال سيطرة وحدات حماية الشعب في المنطقة لتمنحها النفوذ الدبلوماسي الذي تحتاجه واشنطن لإحياء المحادثات التي تقودها الأمم المتحدة في جنيف من أجل اتفاق ينهي الحرب ويؤدي إلى الإطاحة بالرئيس بشار الأسد.

غير أن المصالح متباينة في الحرب الأهلية السورية بين تركيا والولايات المتحدة. تركز واشنطن على هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية بينما تحرص أنقرة على منع الأكراد من الحصول على الحكم الذاتي ودعم الأكراد في تركيا. وقال مسؤولون أميركيون إن منع الرئيس التركي من تنفيذ تهديد بطرد قوات سوريا الديمقراطية، وهي تحالف فصائل مسلحة تمثل وحدات حماية الشعب المكون الرئيسي فيه، من منبج أمر محوري بالنسبة لواشنطن.

ونقلت وكالة رويترز عن مسؤول أميركي، طلب عدم نشر اسمه، أن “منبج حررها التحالف الذي يقاتل الدولة الإسلامية وهذا سينظر إليه بشكل مختلف إذا ما بدأت تركيا التحرك في ذلك الاتجاه”. وأضاف “تحدث الأتراك بشأنها، لكن ليست هناك دلالة على أنهم سيواصلون التحرك شرقا حيث توجد قواتنا. في المرحلة الحالية، في عفرين معركة مختلفة جدا ووضع مختلف للغاية عما إذا تقدموا شرقا”.

لكن، وفي حديث معاكس لما قاله المسؤول الأميركي، ذكرت صحيفة خبر ترك التركية أن وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو حذر نظيره الأميركي ريكس تيلرسون من أن العملية التي تدور في عفرين ستمتد إلى بلدة منبج المجاورة، والتي يسيطر عليها أيضا المسلحون الأكراد. ونقلت الصحيفة عن جاويش أوغلو قوله إن على الولايات المتحدة التوقف عن “دعم الإرهابيين” ودعم حليفتها أنقرة.

محادثات مع تركيا

من المرجح أن تواجه أي عملية تركية في منبج مخاوف أميركية شديدة حيث يوجد عدد من الجنود الأميركيين في المدينة وحولها. وجرى نشر القوات في مارس 2017 لمنع القوات التركية والمعارضة المسلحة المدعومة من الولايات المتحدة من مهاجمة بعضها بعضا. وتنفذ القوات أيضا مهام تدريب ومشورة في منبج.

وقال مسؤول أميركي ثان، طالبا عدم نشر اسمه، “سيكون هذا مبعثا للقلق ونحن نراقبه عن كثب. حماية قواتنا أولوية قصوى”. وأضاف المسؤول أنه لا يوجد أي تأثير على العمليات الأميركية من قاعدة إنجيرليك الجوية في تركيا.

ورغم أن أغلب القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية انتقل إلى الجيوب الصغيرة فإن الولايات المتحدة ستظل بحاجة إلى وحدات حماية الشعب للسيطرة على الأرض لضمان عدم عودة ظهور التنظيم المتشدد. وكان وزير الخارجية الأميركي قال لدى وصوله إلى باريس، بالتزامن مع تصعيد الضربات التركية، إن الولايات المتحدة تجري محادثات مع تركيا وتأمل في إيجاد سبيل لإقامة “منطقة أمنية” لتلبية احتياجات تركيا الأمنية “المشروعة”.

وأكّد الميجر أدريان رانكين جالوي، المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) لرويترز، إن مسؤولين في الوزارة موجودون حاليا في أنقرة ضمن وفد أميركي لبحث القضايا الأمنية ومنها الوضع في عفرين. وقال إن “الجماعات الكردية المسلحة في عفرين” ليست جزءا من التحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

وأضاف رانكين جالوي “زيادة العنف في عفرين يصرف الانتباه عن الجهود الرامية لضمان الهزيمة النهائية تنظيم الدولة الإسلامية. “هناك أيضا احتمال كبير أن يؤدي إلى زيادة نزوح المدنيين وتدفقات اللاجئين والقتلى والجرحى”.

حتى إذا لم تهاجم القوات التركية منبج فإن سقوط عفرين سيضعف الأكراد، وهذا سيضعف النفوذ الأميركي في سوريا

وتعتمد استراتيجية إدارة ترامب في سوريا بشكل شبه كامل على الحفاظ على وحدات حماية الشعب التي تضم 30 ألف مقاتل كقوة قتالية. وتهدف الاستراتيجية إلى سحق بقايا الدولة الإسلامية وإحياء محادثات جنيف للسلام التي تقودها الأمم المتحدة لإنهاء الحرب الأهلية السورية.

وترى غونول تول، مدير برنامج تركيا لدى معهد الشرق الأوسط، أن إقناع أردوغان بعدم التحرك ضد منبج قد يكون بالغ الصعوبة. وأضافت أن الاستراتيجية الأميركية برمتها تعتمد على الأكراد. حتى إذا لم تهاجم تركيا منبج، فإن سقوط عفرين سيضعف الأكراد وهذا سيضعف النفوذ الأميركي على الأكراد.

وإذا سقطت منبج، فستكون الرقة مهددة وهذا مهم بالنسبة للولايات المتحدة وللتحالف الدولي وللقوى الدولية التي ضمت صوتها إلى الدعوات الأميركية مطالبة الأتراك بضبط النفس. وكان الاتحاد الأوروبي عبر عن “قلقه الشديد” إزاء الهجوم التركي فيما أيدت قطر المقربة من تركيا تأييدها للعملية.

وعبّر السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة فرنسوا دولاتر عن “قلق عميق حيال الوضع في شمال سوريا وسط التصعيد المستمر”. وقال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان “رغم أننا نتفهم قلق تركيا إزاء أمن الحدود، لا يسعنا سوى أن ندعو تركيا للتحلي بأقصى درجات ضبط النفس في ما يتعلق بهذا هذا الهجوم الذي يقلقنا”.

ومنذ بدء العملية قتل نحو 60 عنصرا من وحدات حماية الشعب الكردية والفصائل السورية المعارضة المدعومة من أنقرة وكذلك 24 مدنيا غالبيتهم في القصف التركي، كما أفاد بذلك المرصد السوري لحقوق الإنسان الذي يستند في معلوماته إلى شبكة واسعة من المصادر على الأرض، لكن أنقرة نفت أن تكون أصابت مدنيين في القصف.

وتصر أنقرة على تحميل واشنطن مسؤولية هذا التصعيد من خلال دعمها للأكراد. وكان جاويش أوغلو أكد في رده على الدعوات الأميركية للتهدئة أن “مستقبل علاقاتنا مع واشنطن يعتمد على الخطوة التالية التي ستتخذها الولايات المتحدة”. وأضاف “سواء منبج أو عفرين أو شرقي الفرات أو حتى تهديدات من شمال العراق، لا يهم… إذا كان هناك إرهابيون على الجانب الآخر من حدودنا فسيمثل ذلك تهديدا لنا”.

وتعلق غونول تول على ذلك بقولها إن الولايات “ستبذل قصارى جهدها لتهدئة التوتر مع تركيا. لكن لا أعرف ما الذي سيقدمونه. عليهم أن يكونوا إبداعيين للغاية”، خاصة وأن موسكو تبدو إلى حد الآن أكبر المستفيدين من الجدل الدائر بين أنقرة وواشنطن ومن الخطة العسكرية التركية ضد الأكراد في سوريا.

6