واشنطن والقاهرة: بحث عن دفء تفرضه المصالح

بالرغم من الفتور الذي طبع العلاقات المصرية الأميركية في السنوات الأخيرة التي أعقبت ثورة يونيو 2013 ضد الإخوان المسلمين، فإن السلوك الدبلوماسي المصري في المنطقة وتمكن مصر من إيجاد مزودين آخرين بأنواع متطورة من السلاح أجبرا الولايات المتحدة على إعادة قراءة موقفها من العلاقات مع مصر، خاصة وأن الرئيس الأميركي الآن يعيش أيامه الأخيرة في البيت الأبيض ولا يريد ترك إشكالات مع دول محورية تكون مادة لخصومه الجمهوريين.
الثلاثاء 2016/05/31

القاهرة - لم تثن تصريحات سفيرة الولايات المتحدة الأميركية في مجلس الأمن، سامنثا باور، التي انتقدت فيها السلطات المصرية بشدة حول الأحداث الأخيرة المتعلقة بالأزمة مع الصحافيين، تواصل الأجهزة الأمنية والعسكرية بين مصر وأميركا التشاور وتنشيط العلاقات في سياق التسليح والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وفي حين يرى البعض أن تواصل العلاقات بين البلدين يدل على الاتفاق التام حول القضايا الأمنية والعسكرية والملف الفلسطيني إلا أن البعض الآخر يؤكد أن أميركا تتعامل ببراغماتية مرحلية مع النظام المصري الحالي خاصة وأن الدبلوماسية المصرية في هذه الأثناء تقوم بجهود ملفتة حول الملف الفلسطيني.

وتوقع مراقبون أن تشهد العلاقات العسكرية بين مصر والولايات المتحدة حالة من الدفء النسبي بعد حوالي عامين ونصف العام من التوتر، على خلفية تكثيف الزيارات المتبادلة لوفود عسكرية بين البلدين. فقد اختتم الفريق محمود حجازي، رئيس أركان الجيش المصري، زيارة للولايات المتحدة، الأحد، عقب زيارة قام بها وفد أميركي بقيادة الفريق بحري جوزيف ريكسي، مدير وكالة التعاون والدفاع الأمني، منتصف مايو حيث التقى الوفد الرئيس عبدالفتاح السيسي.

وأكد خبراء لـ”العرب” أن زيارة رئيس الأركان المصري كانت تهدف إلى التجهيز لعودة المناورات العسكرية بين البلدين، والتي توقفت عام 2013 عقب الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي إثر ثورة شعبية في الثلاثين من يونيو 2013.

فقد أصدرت وزارة الدفاع الأميركية بعد أيام من نجاح ثورة يونيو بيانا أكدت فيه إلغاءها لمناورات النجم الساطع التي كانت تجري بين الجيشين المصري والأميركي وذلك ردا من أميركا، التي كانت حليفة الإخوان المسلمين، على إزاحتهم من الحكم.

وقد أكد مراقبون أن ذلك كان عقابا للشعب المصري على ثورته لأن الأمر لم يتوقف عند إلغاء النجم الساطع كعملية عسكرية تعاونية بل أعقبه تهديد على لسان النائب جون ماكين بقطع المساعدات حيث قال “إن التالي لوقف المناورة هو قطع المعونة وإلغاء أي اتفاقيات دولية وغلق السفارة في مصر نهائيا”.

علاء عزالدين: التبادل المكثف للزيارات لا يعنى أن العلاقة قد عادت كما كانت عليه من قبل

تنسيق لا أكثر

الجانب السياسي كان حاضرا في الزيارة الأخيرة والمتعلق بالتنسيق المصري الأميركي في ما يخص القضية الفلسطينية، تحديدا بعد الدعوة التي وجهها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى استئناف عملية السلام، ومؤتمر جنيف المنتظر انعقاده في الثالث من يونيو المقبل بموجب المبادرة الفرنسية، كذلك البحث عن حلول سياسية وعسكرية للأوضاع في ليبيا.

فقد تمكنت مصر خلال السنوات الثلاث الماضية من اتخاذ مواقف إقليمية أقرب ما يكون إلى النزوع نحو التهدئة وعدم إثارة الأوضاع، حتى وإن كان ذلك في سياق التأكيد على أنها قوة ردع، خاصة في ما يتعلق بليبيا.

أما عن الملف الفلسطيني، فإن الزيارات المكثفة لوفود حركة حماس للقاهرة قد أتت بنتائج في ما يخص التهدئة في القطاع ولعل الزيارة الأخيرة للرئيس الفلسطيني، محمود عباس، تؤكد أن الدور المصري في عملية السلام لا يمكن تجاوزه بأي شكل من الأشكال.

هذه القوة الإقليمية أجبرت الولايات المتحدة على ألا تقطع علاقاتها بمصر أو تزيد من برودة التواصل بين الجانبين، خاصة في المجال العسكري والأمني في ظل النجاحات المتواصلة للمصريين في الحرب على الإرهاب في شبه جزيرة سيناء.

اللواء علاء عز الدين، مساعد وزير الدفاع المصري الأسبق، قال لـ”العرب” إن التبادل المكثف للزيارات لا يعني أن العلاقة قد عادت كما كانت عليه من قبل، لأن التحفظ ما زال قائما من الطرفين.

وأضاف أن الزيارة الحالية أقرب ما تكون لعادة سنوية، فدائما يقوم رئيس الأركان المصري بزيارة سنوية للولايات المتحدة، كما ترسل واشنطن مسؤولين عسكريين إلى مصر بهدف تنسيق المواقف في قضايا الشرق الأوسط.

حسابات داخلية

أرجع علاء عزالدين، مساعد وزير الدفاع المصري الأسبق، الرغبة الأميركية الواضحة في التقارب مع مصر إلى تغير خارطة التعاون العسكري المصري خلال العامين الماضيين وتحديدا التقارب مع روسيا وفرنسا، وقرب نهاية الولاية الثانية للرئيس باراك أوباما ورغبة الحزب الديمقراطي في تجميد أي توترات داخلية أو خارجية يمكن استغلالها ضد الحزب في الانتخابات.

فقد تسلمت مصر 6 طائرات رافال على دفعتين من أصل 24 طائرة تم الاتفاق عليها، وتمتاز الرافال الفرنسية بقدرة عالية على المراوغة والبقاء في الجو لفترات طويلة وحمل أسلحة ثقيلة مقارنة بالمقاتلة الأميركية إف 16، كما تتمتع هذه المقاتلة الفرنسية برادار آيسا بمدى أكثر من 200 كم، وتبلغ حمولة التسليح 9500 كلغ على 14 نقطة.

كما تمتاز الرافال بالقدرة على حمل صواريخ جو أرض وجو سطح وقنابل موجهة، وتتمتع بقدرات اعتراضية ومهاجمة الأهداف البرية والبحرية. وتعد هذه الصفقة أهم نقطة استفزت الولايات المتحدة مطلع هذا العام لتعيد قراءة موقفها تجاه مصر.

زيارات تعكس رغبة أميركية في ترطيب العلاقة مع القاهرة

كما تستمر المفاوضات بين مصر وروسيا لتزويدها بـ 50 مقاتلة مروحية من طراز كا 52 البحرية، وهي أخطر المروحيات في الوقت الحالي، من أجل استخدامها على متن حاملتي المروحيات الفرنسيتين “الميسترال”. وتمتاز هذه المروحية بمدفع عيار 30 ملم، ويمكنها حمل صواريخ جو بحر وجو جو.

وبهذه التطورات العسكرية، أصبحت الولايات المتحدة في حساباتها شبه خاسرة من موقفها الداعم للإخوان المسلمين، وإذا واصلت على ذلك النحو فسوف تخسر حليفا استراتيجيا في المنطقة هو مصر.

شراكة ضد الإرهاب

بحسب عسكريين فإن العلاقات بين واشنطن والقاهرة تحمل قدرا كبيرا من التجاذب، حيث لا تستطيع مصر الاستغناء عن التعاون مع الولايات المتحدة بالرغم من توجهها شرقا وغربا في سبيل خطتها لتنويع مصادر السلاح، وذلك بسبب نوعية السلاح داخل الجيش الذي كان مصدره حتى وقت قريب في أغلبه من الولايات المتحدة، وبالتالي فإن طرق التدريب تقوم بالأساس على هذا السلاح.

في المقابل، لا تستطيع واشنطن أيضا الاستغناء عن القاهرة كعاصمة محورية في الشرق الأوسط، حتى وإن تعرضت لبعض المشكلات السياسية والاقتصادية، لكن تبقى خيوط العديد من الملفات الإقليمية بيدها.

اللواء نبيل ثروت الخبير العسكري، قال لـ”العرب”، “إن المشترك بين البلدين في الوقت الحالي يتمثل في مواجهة العناصر الإرهابية الهاربة من سوريا والعراق إلى ليبيا، وبعض البلدان الأوروبية التي تعاني أوضاعا أمنية هشة”.

ولكن في مقابل ذلك لا تزال هناك بعض الخلافات في الرؤى تسعى مصر لحلها، منها وضع حد للمماطلة الدولية في تسليح الحكومة الليبية الجديدة، ووضع خطة لمواجهة الإرهاب هناك من خلال عمل عسكري أممي أو عربي.

ورغم التوتر في العلاقات الثنائية بين الطرفين في أعقاب تعليق واشنطن لجزء من المساعدات العسكرية لمصر، إلا أن التعاون الأمني والاستخباراتي لم يتوقف، ما جعل البعض يؤكد أن العلاقة تديرها وزارتا الدفاع في البلدين.

وتعد مصر ثاني أكبر متلق للمساعدات الخارجية الأميركية، وتبلغ قيمة المساعدات العسكرية التي تتلقاها مصر كل عام 1.3 مليار دولار. واعتمد الكونغرس في نوفمبر الماضي، المساعدات العسكرية لمصر لعام 2016 دون أي تعديلات، رغم المخاوف التي عبر عنها بعض المشرّعين بسبب ما وصفوه “بالتضييق على المعارضين الذي تقوم به القاهرة”.

الدور الإقليمي لمصر أجبر الولايات المتحدة على ألا تقطع معها العلاقات أو تزيد من برودة التواصل معها

منذ بداية العام الجاري التقى الرئيس المصري عددا من الوفود العسكرية الأميركية، في زيارات أكدت في مجملها التزام واشنطن بدعم استقرار مصر ومساندتها في التغلب على ما تواجهه من تحديات أمنية واقتصادية.

كما استضافت مصر وفودا عسكرية من 6 دول مختلفة، كان آخرها لقاء الرئيس عبدالفتاح السيسي مع وفد عسكري أميركي بقيادة الفريق بحري جوزيف ريكسي، مدير وكالة التعاون والدفاع الأمني الأميركي، منتصف الشهر الجاري.

ولفتت مصادر أمنية لـ”العرب” إلى أن ما يحفز على عودة العلاقات العسكرية النجاحات المتتالية التي حققها الجيش المصري في محاربة الإرهاب في سيناء، وهو ما يجعله مؤهلا لخوض معارك ربما تمتد خارج الحدود ضد الإرهاب، وتحديدا في ليبيا.

وكشفت المصادر نفسها أن مصر تسلمت عددا من العربات المصفحة لاستخدامها في مكافحة الإرهاب، وتسعى أيضا للحصول على قطع غيار، تأخر وصوله، لطائرات الأباتشي التي تمثل أهمية قصوى بالنسبة إلى القوات المسلحة المصرية، حيث تستخدمها في غاراتها الجوية على الإرهابيين.

وقال الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية لـ”العرب”، “إن الزيارة شهدت توقيع عدد من الاتفاقات العسكرية، أهمها إمداد الجيش المصري في سيناء بالعربات المضادة للألغام، التي كان يستخدمها الجيش الأميركي أثناء حربه ضد الإرهاب في العراق وأفغانستان”.

ويرى سياسيون أن الظروف الإقليمية وسعي واشنطن لتخفيف حدة العديد من الملفات قبل نهاية الولاية الثانية لأوباما، يحدان من انتقاداتها للقاهرة في ما يتعلق بالحريات وحقوق الإنسان، ما يفتح الباب أمام المزيد من التعاون العسكري والاستراتيجي بين الطرفين.

7