واشنطن وباريس تسعيان إلى تعزيز جهود ردع أطماع تركيا في شرق المتوسط

الوجود الفرنسي والأميركي في منتدى غاز شرق المتوسط رسالة طمأنة لشركات الطاقة القلقة من تحركات أنقرة الاستفزازية.
الجمعة 2020/01/17
تحديد العدوّ

تقدمت باريس رسميا بطلب للانضمام إلى منتدى غاز شرق المتوسط الذي عقد، الخميس، في مصر بهدف منع الخروقات التي تقوم بها أنقرة من خلال التنقيب بشكل غير قانوني قبالة السواحل القبرصية وغيرها بينما أعربت واشنطن عن رغبتها في الانضمام إلى هذا التحالف الجديد.

القاهرة – في رسالة ردع جديدة إلى تركيا المصرة على استفزاز المجتمع الدولي وتهديد الأمن والاستقرار في منطقة شرق البحر المتوسط من خلال التنقيب بشكل غير قانوني عن الغاز في المياه الإقليمية القبرصية، تقدمت فرنسا رسميا بطلب للانضمام إلى منتدى غاز شرق المتوسط، وأعرب نائب مساعد وزير الطاقة الأميركي عن رغبة بلاده في الانضمام للمنتدى كمراقب بصفة دائمة.

وجاء ذلك خلال الاجتماع الوزاري الثالث للمنتدى بالقاهرة، الخميس، والذي شارك فيه وزراء البترول والطاقة في كلّ من مصر وقبرص واليونان وإسرائيل وفلسطين، ووكيلة وزارة التنمية الاقتصادية الإيطالية، وممثل وزيرة الطاقة بالأردن، بصفتهم رؤساء وفود الأعضاء المؤسسين للمنتدى، وحضر الاجتماع ممثلو الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي والولايات المتحدة وفرنسا كضيوف.

وسيتم إقرار هذه الطلبات من الأعضاء المؤسسين وفقا للنظام الأساسي للمنتدى، والذي تم الانتهاء من مناقشته للارتقاء بالمنتدى إلى مستوى منظمة دولية حكومية، مقرها في القاهرة، وقبول فرنسا كعضو، والولايات المتحدة كمراقب دائم في المنتدى مجرد مسألة وقت فقط.

ومتوقع أن يحدث ذلك بمجرد توقيع الإطار التأسيسي من قبل الأعضاء المؤسسين بعد مراجعته من جانب المفوضية الأوروبية لضمان التوافق مع قانون الاتحاد الأوروبي، حيث يوجد ثلاثة أعضاء في المنتدى كأعضاء أيضا في الاتحاد الأوروبي، وهم إيطاليا واليونان وقبرص.

وتضم عضوية المنتدى الذي تأسس في يناير 2019، إلى جانب الدول الأوروبية الثلاث، مصر وإسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية. ويمكن لأي من الدول المنتجة أو المستهلكة للغاز أو دول العبور، الانضمام لعضوية المنتدى.

كبح جماح أردوغان
كبح جماح أردوغان 

ويعتبر انضمام فرنسا والولايات المتحدة نقطة تحول مهمة في مسيرة المنتدى الذي يهدف إلى تعزيز العلاقات بين الدول المصدرة والمستوردة والعابرة للغاز الطبيعي في منطقة شرق البحر المتوسط، ومنصة لتقليص الخلافات بينها عبر الاتفاق على التعاون في مشروعات مشتركة ذات فائدة للأطراف المعنية.

والقاعدة المعتمدة في هذا التعاون هي أن الغاز المتوفر للتصدير عند كل دولة ضئيل نسبيا بعد تزويد الأسواق المحلية، كما توجد ضرورة للتعاون بين هذه الدول في التصدير نظرا إلى الكلفة العالية لمشاريع التصدير، بينما الحقول التي تم اكتشافها حتى الآن تبقى صغيرة نسبيا، ما يجعلها غير مجدية اقتصاديا للتصدير بمفردها.

وتجري المحاولات لربط الحقول الصغيرة في مصر وقبرص وإسرائيل بمحطات تسييل الغاز في مصر، والتصدير من خلالها، حيث تعتبر مصر هي الجهة الوحيدة التي لديها جاهزية من البنية الأساسية لإعادة التصدير للدول الأخرى.

ويمثل انضمام باريس وواشنطن لمنتدى غاز شرق المتوسط دعما قويا لأعضائه، لأنه يعد رسالة إلى البنك الدولي وغيره من مؤسسات التمويل الدولية بأن هناك دعما سياسيا من هاتين العاصمتين لضخ استثمارات جديدة في مشروعات تطوير وتصدير الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، وبالتالي تقديم التسهيلات وتمويل هذه المشروعات.

ولم يكن غريبا أن يؤكد المهندس طارق الملا وزير البترول المصري، الخميس، أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي تدعم فكرة منتدى غاز شرق المتوسط، لأهميته في تحقيق فوائد كبرى للمنطقة بأكملها وللعالم، من خلال التعاون الاقتصادي والإقليمي والتكامل بين دول المنتدى.

ويستند الدعم الأميركي والفرنسي للمنتدى على تحقيق مصالح مهمة للجانبين، في مقدمتها تحقيق مصالح شركات الطاقة الأميركية والفرنسية في شرق البحر المتوسط، وتقليص الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي، ودعم إسرائيل واليونان وقبرص ومصر لبناء كيان إقليمي ضاغط ورادع للقوى المزعزعة للاستقرار والأمن في المنطقة، وفي مقدمتها تركيا.

كما أن التواجد الفرنسي والأميركي يعكس رسالة طمأنة لشركات الطاقة العملاقة العاملة في شرق المتوسط، والتي شعرت بقلق بالغ على استثماراتها الضخمة في المنطقة نتيجة تحركات أنقرة الاستفزازية والمهددة لها.

ويبعث انضمامهما أيضا بعدد من الرسائل على الصعيد السياسي، يتصدرها الحفاظ على توازن القوى في منطقة شرق المتوسط، والرد بشكل عملي على التواجد التركي المزعزع للاستقرار في المنطقة.

وما يزيد الأمور تعقيدا مع تركيا، إصرارها على امتلاك المنظومة الروسية المتقدمة للدفاع الجوي أس-400، وتدخلها العسكري في ليبيا، ومعارضتها لكافة الحلول المطروحة دوليا لحل الأزمة القبرصية، وتهديدها بشكل مستمر باتخاذ كافة الإجراءات الضرورية، بما في ذلك الخيار العسكري في مواجهة المشروعات القبرصية للتنقيب عن الغاز، والتي أصبحت تشارك فيها عدة شركات أميركية وأوروبية.

وتعد مشاركة واشنطن وباريس في المنتدى في إطار إعادة تشكيل الاستراتيجية الغربية في منطقة شرق البحر المتوسط التي تشهد نشاطا عسكريا واقتصاديا روسيا. وهما ينظران بقلق شديد إلى تزايد نفوذ موسكو في المنطقة بشكل مطرد على مدار العقد الماضي.

وعززت موسكو من علاقاتها العسكرية والاقتصادية مع دول كثيرة في المنطقة، مثل تركيا واليونان وقبرص ومصر وحتى إسرائيل. وزاد التواجد العسكري الروسي في المنطقة بشكل غير مسبوق منذ عام 2015 نتيجة تدخلها في الحرب الأهلية السورية، ما يمثل مصدر قلق شديدا للمخططين الأميركيين وحلفائهم في العواصم الأوروبية الرئيسية، مع توقع أن يستمر الوجود العسكري الروسي في قاعدتي (طرطوس وحميميم) السوريتين لفترة طويلة قادمة، بعدما يتم تمديد الاتفاقات التي تحكم هاتين القاعدتين لمدة 49 سنة، قابلة للتجديد لـ25 سنة أخرى.

عنوان الصراع
عنوان الصراع 

ومرجح أن تنهي عضوية فرنسا والولايات المتحدة حلم تركيا في أن تكون مركزا إقليميا لعبور الطاقة، وتفقد الأمل في إقناع إسرائيل بالفكرة القديمة الخاصة بمد خط الغاز من حقولها عبر “أضنة” التركية في اتجاه أوروبا، وتوجه ضربة لمصالح قطر وإيران، لأن المنتدى يؤسس لقوة منافسة بالسوق الأوروبية. وفي حالة اختيار تركيا التصعيد العسكري، ستواجه بردع جماعي من أعضاء المنتدى، وإدانة كبيرة من المجتمع الدولي.

وسيكون انضمام باريس وواشنطن بمثابة قوة دافعة جديدة وتعزيز قوي لدور المنتدى في المستقبل. ويؤدي ذلك إلى إحاطة الغموض بمستقبل خط نقل الغاز الإسرائيلي لأوروبا “إيست ميد”، في ظل تراجع الجدوى الاقتصادية له في ضوء العديد من التطورات المهمة، من أبرزها، توقيع قبرص اتفاقا مع مصر، في سبتمبر 2018، لمد خط أنابيب لنقل غاز “أفروديت” لمحطة الإسالة بـ”إدكو”، قبل تصديره لأوروبا.

وكشف وزير الطاقة الإسرائيلي، عن تعاقد شركة الكهرباء الأردنية على 45 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي المسال، وتعاقد شركة دولفينوس مصر على استيراد 89 مليار مترمكعب.

 هذه التعاقدات تمتد لـ15 عاما، مما يعني أن فائض إنتاج إسرائيل وحدها، بعد استيفاء استهلاكها الداخلي، قد لا يوفر الجدوى الاقتصادية لتشغيل “إيست ميد”.

ناهيك عن أن المنتدى يمنح مصر حق المشاركة في المداولات حول الخط، ما يفرض دمج المشروعين المصري والإسرائيلي لتوفير الجدوى الاقتصادية.

ويمكن القول إن تعزيز دور منتدى غاز شرق المتوسط وتوسيع عضويته، يمثل نواة لتحالف جديد في المنطقة، ويؤكد أن العالم يشهد المزيد من التحالفات التي يخرج بعضها عن إطار التحالفات العسكرية التقليدية إلى نوع جديد من التحالفات التي ترتبط بالمصالح الاقتصادية والتجارية، ومنها ما يعرف بتحالفات الطاقة.

وكي ينجح التحالف الجديد في تحقيق أهدافه، من الضروري أن يكون معنيا بتطوير التعاون الإقليمي الاستراتيجي في المدى البعيد، بما يجسد أهدافا أخرى لسيادة السلام في المنطقة.

5