واشنطن وطهران: لا عداء بينهما إلا في الكلام

الثلاثاء 2014/04/15
هل يؤثر الخلاف الديبلوماسي بين واشنطن وطهران على مسار المفاوضات النووية

طهران - تسبب حميد أبو طالبي الديبلوماسي الإيراني في أزمة دبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران بعد رفض السلطات الأميركية، التي تتهمه بتورطه في عملية احتجاز رهائن في سفارتها في طهران عام 1979، دخوله أراضيها، وسط مخاوف من أن يلقي هذا الخلاف بظلاله على المباحثات النووية.

ساهمت الأزمة الدبلوماسية الجديدة في توتر العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران بعد انفراج محدود وهدوء متبادل بين البلدين، فقد ظلت العلاقة في حالة صعود وهبوط يسيطر عليها مدى التقدم والتعثر في المفاوضات بشأن الملف النووي الإيراني، وتمثلت تلك الأزمة في الحرج الدبلوماسي الذي سببته واشنطن لسفير إيران الجديد لدى الأمم المتحدة حميد أبو طالبي بعدم منحه تأشيرة دخول لأراضيها للقيام بمهامه كمبعوث لبلاده لدى الأمم المتحدة، لتورطه في عملية احتجاز رهائن في السفارة الأميركية بطهران عام 1979 استنادا إلى مشروع قانون أقرّه مجلس الشيوخ الأميركي يرمي إلى منع أبي طالبي من دخول الأراضي الأميركية.

في المقابل رفضت طهران ما اعتبرته ممارسة ضغوط عليها متمسكة بـأبي طالبي ورافضة التقدم بأي بديل خلفا له، مما أثار تكهنات بأن تلقي مثل تلك الإجراءات بظلالها على الملف النووي الإيراني، خاصة وأن طهران تؤكد عدم تورط الرجل بل كان أحد المفاوضين.


الضغط على إيران


ويرى خبراء سياسيون أن أميركا تحاول الضغط على إيران في كافة المحافل الدبلوماسية حتى تشرع في تفكيك برنامجها النووي تماما، ورغم اتفاق القوى العالمية “5+1″ مع طهران على خفض أنشطتها النووية، إلا أن هذا لم يشفع لها عند أميركا لتخفيض العقوبات أو السماح للجمهورية الإسلامية بممارسة سيادتها في المحافل الدولية.

واعتبر هؤلاء أن الأزمة الدبلوماسية بين إيران وأميركا، لن تنتهي بمجرد سحب طهران السفير حميد أبو طالبي من الأمم المتحدة، خاصة وأن واشنطن تدرك أن أي تراجع في نوايا طهران حول اختيار الرجل، سيكون بمثابة تبعية إيرانية لأميركا، وهو ما سترفضه الجمهورية الإسلامية، مشيرين إلى أن واشنطن تحاول الضغط على طهران ومحاصرتها خارجيا بكافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة لتفكيك طهران برنامجها النووي، نظرا إلى أن إيران لم تلتزم بعد بالاتفاق الدولي الذي يقضي بخفض إنتاج اليورانيوم.

بعد ثلاثة أشهر من مفاوضات بالغة التعقيد بين إيران ومجموعة دول “5+1″ في فيينا حول البرنامج النووي الإيراني، يبدو أن الحذر بين الولايات المتحدة وإيران سيد الموقف وقد انعكس في الكلمات التي اختار الدبلوماسيون من الجهتين استخدامها، فقد تأكد أن البيت الأبيض لن يصدر تأشيرة دخول لسفير إيران الجديد إلى الأمم المتحدة، رغم أنه من النادر أن ترفض أميركا منح تأشيرات دخول المرشحين الدبلوماسيين أو سفراء الأمم المتحدة أو رؤساء الدول الأجنبية الذين يرغبون في حضور فعاليات داخل الولايات المتحدة الأميركية، و يأتي هذا القرار على خلفية احتجاز أبي طالبي 52 أميركيا لمدة 444 يوما.

وتصاعد الجدل حول الأزمة الدبلوماسية بين الطرفين، وانقسمت الآراء بخصوصها، وقد أشار بعض المتتبعين لمسار العلاقات الإميركية الإيرانية إلى أن رفض أميركا دخول سفير إيران بمثابة انتصار سياسي جديد للدبلوماسية الأميركية على إيران، نظرا إلى أن الجمهورية الإسلامية تحاول التلكؤ في المفاوضات النووية مع القوى الدولية التي باتت على وشك الانتهاء والتوصل إلى اتفاق نهائي، وتريد إحداث صدع سياسي إلى حين إنتاج السلاح النووي، مما جعل النوايا الإيرانية مكشوفة أمام واشنطن، التي تعاملت مع الأزمة من خلال إصدار مشروع قانون يمنع دخول الرجل، حتى لا تقابل باعتراضات حقوقية أو دولية على إثر منع شخصية دبلوماسية من دخول الأمم المتحدة.


انعكاس سلبي


رغم تأكيد الولايات المتحدة أن القرار الذي اتخذته بخصوص الطالبي لن يؤثر على سير المحادثات النووية إلا أن ذلك لم يبدد مخاوف من انعكاس ذلك القرار سلبيا على مسار تقدم المفاوضات، وفي هذا السياق قال عبدالله الأشعل الخبير في العلاقات الدولية إن قانون الولايات المتحدة الأميركية يحظر دخول أي شخص شارك في أية أنشطة إرهابية حول العالم، ويحدد القانون بعض العناصر مثل احتجاز رهائن، أو من قام بهجمات عنيفة على الأشخاص المحميين دوليا مثل الدبلوماسيين، وهذه المادة تمسكت بها أميركا في قرارها بمنع دخول أبي طالبي إلى الولايات المتحدة للمشاركة في أعمال دبلوماسية تخص الأمم المتحدة.

جاي كارني: "لن يؤثر الخلاف بين طهران وواشنطن حول السفير الإيراني على المفاوضات"

وتابع الأشعل: “الأزمة الدبلوماسية ستجعل القوى الدولية تبدأ من الصفر مع طهران مجددا، لكن يظل تخوّف الجمهورية الإسلامية من استعداد الكونغرس لفرض عقوبات اقتصادية إضافية، في حال جمدت تعاونها مع القوى الدولية بشأن برنامجها النووي”.

وقد وضعت الضغوط السياسية القوية من الكونغرس، الذي أقر بغالبية ساحقة قانونا يمنع أبا طالبي من دخول أراضيها إضافة إلى تزايد الشكوك بشأن سياسة أوباما حيال الملف النووي الإيراني، البيت الأبيض في موقف صعب، حيث يدرس محامو البيت الأبيض التبعات الدستورية للقانون الذي وصل إلى مكتب أوباما الذي لم يوقع عليه بعد، ولم يوضح المتحدث باسم البيت الأبيض جاي كارني ما إذا كان الرئيس سيوقعه، لكنه أضاف “نحن بالتأكيد موافقون على مضمون القانون الذي أقره الكونغرس″، مضيفا “ليس هناك أي سبب يدفعنا إلى الاعتقاد بأن هذا الخلاف بين طهران وواشنطن حول السفير الإيراني سيؤثر على تقدم المفاوضات بين إيران والقوى الكبرى”.


مستقبل المفاوضات


وكان الموقف المعلن من البيت الأبيض، هو ما يراه الشق الآخر من المتتبعين لمسار العلاقات الأميركية الإيرانية الوليدة رغم أنها تأتي وسط مفاوضات حساسة حول برنامج التطوير النووي للجمهورية الإسلامية، والذين يرون أن القرار الأميركي برفض دخول أبي طالبي، لن يؤثر على المحادثات النووية مع إيران، نظرا إلى العديد من المعطيات أهمها وجود قوى دولية أخرى مثل روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، التي ستعمل على استكمال المباحثات.

كما أن موقف الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي يختلف مع الكونغرس خاصة في الملف الإيراني، سيؤثر في مسار دفع المفاوضات إلى الأمام، خاصة أن أوباما هو من خطا الخطوة لذلك سابقا عندما أجرى اتصالا هاتفيا مع نظيره الإيراني حسن روحاني، عندما كان الأخير في نيويورك العام الماضي في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وكان هذا أول اتصال مباشر بين قادة الولايات المتحدة وإيران منذ عقود، أسفر عن انفراجة دبلوماسية بين البلدين.

من هذا المنطلق أوضح عمرو الشوبكي الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن أحد الأهداف الرئيسية لسياسة أوباما الخارجية، هي الحصول على اتفاق من شأنه كبح البرنامج النووي الإيراني، خاصة وأن الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءها الدوليين يؤكدان أن إيران تتجه نحو القدرة على صنع سلاح نووي، وهو ما تنفيه طهران دائما، لذلك فإن الأزمة الدبلوماسية حول منع أبي طالبي مجرد ورقة ضغط من واشنطن على طهران، والتي تود أن توصل إليها رسالة مفادها أنها مازالت تحت مقصلة أميركا، حتى تسرع في المفاوضات الجارية حول برنامجها النووي.

وأوضح الشوبكي أنه كان من المتوقع تحقيق انفراجة دبلوماسية بين أميركا وإيران بعد عقود من عدم الثقة بين البلدين، ويستبعد أن يؤثر القرار الأميركي سلبا على استكمال إجراء محادثات دولية تهدف إلى كبح أنشطة إيران النووية، بعد أن أحرز المجتمع الدولي تقدما كبيرا فيها، منذ أن بدأت في أواخر العام الماضي، مع رغبة القوى الغربية تفادي تصعيد التوترات في الشرق الأوسط سواء في صورة حرب جديدة أو سباق تسلح نووي.

6