واصل بن عطاء فيلسوف الاعتزال الذي كان أشد تكفيرا من السلفيين

السبت 2014/09/13
بن عطاء ومدرسة العقل التائهة

مدرسة العقل في التاريخ العربي والإسلامي، هي أول احتجاج على النقل الأعمى والتقليد المباشر والعقل القياسي الذي بدأ رجال مثقفون في القرن الأول الهجري بإدراك خطره على الأمّة، وعلى المشروع الحضاري، حين اكتشفوا أن التجديد ضرورة وليس خياراً ممكناً وحسب، وأن الثبات على ما جاء به السلف، لا يفعل أكثر من محاولة إعادة العصور الماضية إلى الحاضر والمستقبل ومن ثمّ قتل الأفق.

كان واصل بن عطاء في المسجد الذي كان جامعة ومركزاً ثقافياً في ذلك الزمان، معلّمه هو الإمام الحسن البصري، وكانت الحوارات في البصرة في ذلك الزمان على أشدّها بين أهل العقل وأهل النقل، وكان واصل ممن يؤمنون بالعقل، فقرّر كما يروي التاريخ أن يبتعد عن حلقة الحسن البصري، ويتخذ لنفسه مجلساً خاصاً في المجلس، فقال حينها الحسن: “اعتزلنا واصل” فالتصقت تلك الكلمة بأهل العقل من بعد، وصاروا يسمّون بالمعتزلة.


الغزال ينسج الفكر


كان واصل المولود في المدينة (يثرب) في العام 80 للهجرة، في القرن الثامن الميلادي، كثير التردّد على مجالس العلم المختلفة، ولم يكن يقبل بمعلّم واحد يأخذه برياجه حيث يشاء، فكان يسمع في البصرة من علماء المثنوية واليهود، كنّى نفسه بأبي حذيفة الغزّال، وكان من موالي بني مخزوم، وكانت كلمة مولى تعني أنه مملوك محرّر، أي أن واصل ولد من أصول العبودية والرق ولكنه تاق إلى الحرية، وعمل غزّالاً ينسج للناس، وورّث احترام العمل لكبار قادة المعتزلة فيما بعد، الذين مضوا خلفه وارتبطت أسماؤهم بأسماء الحرف، كالعلاف والنظّام والفوطي والإسكافي، ولكن المؤرخ الكبير ابن المبرّد قال عنه في الكامل في التاريخ: “ولم يكن غزالاً، ولكنه كان يلقب بذلك لأنه كان يلزم الغزالين، ليعرف المتعفّفات من النساء، فيجعل صدقته لهنّ”.

وهذا “الجرم” في العمل الحرفي، رأى فيه التقليديون نقطة ضعف عند المعتزلة وعلى رأسهم واصل، فقالوا كيف يتحدّث هؤلاء الحرفيون في علوم الدين والعقل وهم مجرد أصحاب مهن وحرف يدوية! ولكن واصل كان إضافة إلى ذلك ممن ابتلاهم زمانهم بعلّة لفظية، فكان ألثغ يفوته حرف الراء، قال عنه ابن المبرّد أيضاً: “وكان واصل بن عطاء أحد الأعاجيب، وذلك أنه كان ألثغ، قبيح اللثغة في الراء، فكان يخلّص كلامه من الراء”،

ويقول الجاحظ عن هذه اللثغة: “ولما علم واصل أنه ألثغ، فاحش اللثغ، وأن مخرج ذلك منه شنيع، وأنه إذا كان داعية مقالة، ورئيس نحلة، وأنه يريد الاحتجاج على أرباب النحل، وزعماء الملل… رام أبو حذيفة إسقاط الراء من كلامه، وإخراجها من حروف منطقه”.

عانى واصل بن عطاء من علتين الأولى جذور عبوديته والثانية حرف الراء الذي أرّق حياته فكانت تلك الراء بابا له في البحث عن العقل بدلا من التزام الشكل، فكان رفاقه وطلاب العلم من حوله يتحدّونه بأن يقرأ أول سورة التوبة: "براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر" يريدون إحراجه، ولكنه كان يقرأ: "عهد من الله ونبيه إلى الذين عاهدتهم من الفاسقين فسيحوا في البسيطة هلالين هلالين"

فتحدى واصل علّته، وكان يتحدث في كل حديثه من غير استخدام الراء، كما في خطبته الشهيرة التي جاء فيها: “الحمد لله القديم بلا غاية، والباقي بلا نهاية، الذي علا في دنوه، ودنا في علوه، فلا يحويه زمان، ولا يحيط به مكان، ولايؤوده حفظ ما خلق، ولم يخلقه على مثال سبق، بل أنشأه ابتداعاً، وعد له اصطناعاً، فأحسن كل شيء خلقه وتمم مشيئته، وأوضح حكمته، فدل على ألوهيته، فسبحانه لا معقب لحكمه، ولا دافع لقضائه، تواضع كل شيء لعظمته، وذل كل شيء لسلطانه، ووسع كل شيء فضله، لا يعزب عنه مثقال حبة وهو السميع العليم، وأشهد أن لا إله إلا وحده لا مثيل له، إلهاً تقدست أسماؤه وعظمت آلاؤه”، ومن تلك الراء بدأ واصل في البحث عن العقل بدلا عن التزام الشكل، فكان رفاقه وطلاب العلم من حوله يتحدّونه بأن يقرأ أول سورة التوبة: “براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر” يريدون إحراجه، ولكنه كان يقرأ : “عهدٌ من الله ونبيه إلى الذين عاهدتهم من الفاسقين فسيحوا في البسيطة هلالين هلالين”. مفتتحاً بذلك عهد القراءة بالمعنى وليس بالشكل، وهو ما رفضه ويرفضه غالبية علماء المسلمين التقليديين حتى اليوم.


عالم البصرة الغني


غادر واصل المدينة، بعد معاناة طويلة كابدها مع المحيطين به، بسبب أصوله وعلّة لسانه، وذهب يطلب العلم في البصرة حيث الحسن البصري، وتتفق غالبية المصادر على أن واصل كان قد تلقى العلم قبل الحسن البصري على يد محمد بن الحنفية “ابن علي أبي طالب” كما أورد نشوان الحميري: “كان واصل بن عطاء من أهل المدينة، رباه محمد بن الحنفية، وعلمه، وكان مع ابنه أبي هاشم في الكتّاب، ثم صحبه بعد موت أبيه صحبة طويلة، وحكي عن بعض العلماء أنه قيل له: كيف كان علم محمد بن علي؟ قال: إذا أردت أن تعلم ذلك، فانظر إلى أثره في واصل”، وحتى هذه الصحبة تم الهجوم عليها طويلاً من قبل السلفيين، فأنكروا علاقة واصل بمحمد بن علي وبابنه عبدالله كي يقطعوا عليه روافد التعلّم.

في البصرة، تعلّم واصل على يد الحسن البصري لخمس سنين، ولكن مما يروى عنه أنه في السنوات الأربع الأولى منها كان قد التزم الصمت حتى ظنّه الناس أخرس لا يتكلم، فسألوا الحسن البصري عن ذلك، فقال: “إما أن يكون أجهل الناس، أو أعلم الناس”، و ذكر أبو الفرج الأصفهاني: “أنه كان بالبصرة ستة من أصحاب الكلام: عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، وبشار الأعمى، وصالح بن عبدالقدوس، وعبدالكريم بن أبي العوجاء، ورجل من الأزد، قال أبو أحمد جرير بن حازم، فكانوا يجتمعون في منزل الأزدي، ويختصمون عنده، فأما عمرو، وواصل، فصارا إلى الاعتزال، وأما عبدالكريم، وصالح، فصححا التوبة، وأما بشار، فبقي متحيراً مخلطاً، وأما الأزدي، فمال إلى قول السمنية؛ وهو مذهب من مذاهب الهند، وبقي ظاهره على ما كان عليه”.

كان فكر الاعتزال جذاباً، لأنه يوافق المنطق والعلم، في مقابل تدهور الفكر السلفي الذي حاول إبقاء الأمور كما هي على الدوام باعتماده الثبات في النقل، فكانت النخب العربية والإسلامية في الأزمنة المتعاقبة تنشدّ إلى المعتزلة وأفكارهم

رأى المؤرخون واصل بن عطاء من خلال نية مبيّتة، وعقل اتهامي مسبق، فكتب المفكر والباحث أنور الجندي أن جماعة من اليهود الذين أظهروا الإسلام اندسوا بين المسلمين بالبصرة، “وقد تعرف إليهم واصل بن عطاء، وجعل يتردد عليهم، ومن قولهم إن الخير من الله، والشر من أفعال البشر، وإن القرآن مخلوق محدث، ليس بقديم، وإن الله غير مرئي يوم القيامة، وإن المؤمن إذا ارتكب الذنب، فشرب الخمر، وغيره يكون في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمناً، ولا كافراً”.

تردد واصل على الجهم بن صفوان، فقد ورد أن بعض الناس ناقشوا الجهم فقالوا له: “هل يخرج المعروف عن المشاعر الخمسة؟ قال: لا، قالوا: فحدثنا عن معبودك، هل عرفته بأي منها؟ قال: لا، قالوا: فهو إذا مجهول، فسكت، وكتب إلى واصل، فأجاب، وقال كان يشترط وجهٌ سادس؛ وهو الدليل، فنقول: لا يخرج عن المشاعر أو الدليل، فاسألهم: هل يفرقون بين الحي والميت، والعاقل والمجنون، فلا بد من نعم، وهذا عرف بالدليل، فلما أجابهم الجهم بذلك، قالوا: ليس هذا من كلامك، فأخبرهم؛ فخرجوا إلى واصل، وكلموه، وأجابوه إلى الإسلام”.


الأصول الخمسة


كانت حادثة الحسن البصري مع واصل الشرارة التي أطلقت التيار الفكري الجديد، حين اختلف مع شيخه حول الحكم على مرتكب الكبيرة، وكان حكم الحسن أنه ليس بكافر، ولكن واصل بن عطاء لم يوافق على هذا بل قال “هو في منزلة بين منزلتين”، أي لا مؤمن ولا كافر، وكانت البصرة حينها عاصمة فكرية حضارية، تخالطت فيها الشعوب والثقافات، وكان الحياة الحديثة التي أقبل عليه العرب تتطلب وجود إجابات كثيرة على أسئلة لم يجب عنها صدر الإسلام، فبدأ واصل حين تكاثرت أسئلته الفكرية، في إرسال أصحابه في الآفاق، لنشر الفكر وطرح المناقشات، حتى تحوّل ذلك التيار العقلاني إلى منظومة فكرية، والتي كان في مقدمتها الأصول الخمسة الشهيرة التي لا يعد معتزلياً من لم يقرّ بها، وهي أولاً، التوحيد لله ونفي المثل عنه، وثانياً، العدل وهو قياس أحكام الله على ما يقتضيه العقل والحكمة، وبناء على ذلك نفوا أمورا وأوجبوا أخرى، فنفوا أن يكون الله خالقاً لأفعال عباده، وقالوا إن العباد هم الخالقون لأفعال أنفسهم إن كان خيراً أو شراً.

وقال ابن حزم: “قالت المعتزلة إن جميع أفعال العباد من حركاتهم وسكونهم في أقوالهم وأفعالهم وعقودهم لم يخلقها الله عز وجل”. وأوجبوا على الخالق الله فعل الأصلح لعباده، قال الشهرستاني:”اتفقوا على أن الله لا يفعل إلا الصلاح والخير، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد وأما الأصلح واللطف ففي وجوبه عندهم خلاف وسموا هذا النمط عدلا”، أما المبدأ الثالث فهو المنزلة بين المنزلتين، وهو يوضح حكم الفاسق في الدنيا عند المعتزلة، ورابعاً الوعد والوعيد وهو إنفاذ الوعيد في الآخرة على أصحاب الكبائر وأن الله لا يقبل فيهم شفاعة، ولا يخرج أحدا منهم من النار، فهم كفار خارجون عن الملة مخلدون في نار جهنم، والمبدأ الخامس هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو جوهر موقف المعتزلة من أصحاب الكبائر سواء كانوا حكاما أم محكومين، قال الإمام الأشعري في المقالات: “وأجمعت المعتزلة إلا الأصم على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مع الإمكان والقدرة باللسان واليد والسيف كيف قدروا على ذلك” فهم يرون قتال أئمة الجور لمجرد فسقهم، ووجوب الخروج عليهم عند القدرة على ذلك وغلبة الظن بحصول الغلبة وإزالة المنكر.

القرآن و ابن حنبل

كانت حادثة الحسن البصري مع واصل الشرارة التي أطلقت التيار الفكري الجديد، حين اختلف مع شيخه حول الحكم على مرتكب الكبيرة

دفع المعتزلة في اعتقادهم بأن القرآن مخلوق، الخليفة المأمون الذي اعتنق الاعتزال إلى محاصرة الإمام أحمد بن حنبل، الذي رفض الرضوخ لأوامر المأمون والإقرار بهذا، فسجن وعذب وضرب بالسياط في عهد المعتصم بعد وفاة المأمون وبقي في السجن لمدة عامين ونصف ثم أعيد إلى منزله وبقي فيه طيلة خلافة المعتصم ثم ابنه الواثق، ولكن المتوكل عاد إلى إبعاد المعتزلة، بعد أربعة عشر عاماً من انتشار فكرهم في الدولة والمجتمع، ثم صعدت المعتزلة من جديد في الدولة البويهية، وشهد الاعتزال عصراً ذهبياً آنذاك، فكان ممن برز في تلك الفترة الشريف المرتضى الذي قال عنه الذهبي: “وكان من الأذكياء والأولياء المتبحرين في الكلام والاعتزال والأدب والشعر لكنه إمامي جلد”.


مفكرو المعتزلة


كان فكر الاعتزال جذاباً، لأنه يوافق المنطق والعلم، في مقابل تدهور الفكر السلفي الذي حاول إبقاء الأمور كما هي على الدوام باعتماده الثبات في النقل، فكانت النخب العربية والإسلامية في الأزمنة المتعاقبة تنشدّ إلى المعتزلة وأفكارهم، لذلك فقد برز من بينهم كبار المؤلفين والكتاب، العلاف الذي توسّع في البحث في كتب الفلاسفة وخلط كلامهم بكلام المعتزلة، فقد تأثر بأرسطو وأنبادقليس من فلاسفة اليونان، وقال بأن “الله عالم بعلم وعلمه ذاته، وقادر بقدرة وقدرته ذاته”.

وبرز منهم إبراهيم بن يسار بن هانئ النظام وبشر بن المعتمر الذي أحدث القول بالتولّد وأفرط فيه فقال: “إن كل المتولدات من فعل الإنسان فهو يصح أن يفعل الألوان والطعوم والرؤية والروائح”. ومعمر بن عباد السلمي وعيسى بن صبيح المكنى بأبي موسى الملقب بالمردار وكان يقال له “راهب المعتزلة”، وقد عرف عنه التوسع في التكفير حتى كفّر الأمة بأسرها بما فيها المعتزلة، وكذلك ثمامة بن أشرس النميري الذي كان زعيم القدرية في زمان المأمون والمعتصم والواثق، وعمرو بن بحر أبو عثمان الجاحظ وهو من كبار كتّاب المعتزلة، ومن المطلعين على كتب الفلاسفة، ونظراً لبلاغته في الكتابة الأدبية استطاع أن ينشر أفكاره المعتزلية في كتبه كالبيان والتبيين.


العقل والتكفير


أسس واصل بن عطاء مدرسة العقل في الإسلام التي عانت من نفس علل مدرسة النقل وكان من بين أشهر المعتزلة الخليفة المأمون والجاحظ وغيلان الدمشقي والشريف المرتضى

من غرائب التاريخ الفكري للمسلمين، أن تكون مدرسة العقل (المعتزلة) أكثر دعاة التكفير والخروج من الملّة، بينما تسامح التقليديون الذين يعتقد مسلمو اليوم أنهم جذور التطرّف الراهن، مع الخطأ والاختلاف في عصرهم، وحتى مع “الكبيرة” التي عرّفها المعتزلة بأنها: “كل معصية وجب فيها حدٌ وعقوبة نحو القذف والسرقة، أو صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو الإجماع أنه من الكبائر”، فكان المعتزلة يعتقدون أن “الكبيرة” تحبط الأعمال كلها إن لم يتب مرتكبها، لأن الإيمان عندهم لا يتجزأ، فمن يرتكب كبيرة ينسف عمله الصالح، ويقود هذا إلى اعتقادهم بأن الكبيرة تتسبب في تخليد صاحبها في النار مثله مثل الكافر، فالمنطق يقول إن مرتكب الكبيرة في حكم الكافر، بينما كان فاسقاً في مبتدأ المسألة، ويقول الباحثون إن ظاهرة التكفير عند المعتزلة قد توسعت لأمرين، أولاً لعدم معرفتهم بضوابط التكفير، نظرا لكونها ضوابط توقيفية لا مجال فيها للنظر العقلي، وهو ما يخالف منهجهم تماماً، وثانياً إفراطهم في استعمال القياس في هذا الباب.

مضى واصل بن عطاء، وكان محاولة طويلة عمرها ثلاثة عشر قرناً وزيادة، للتحوّل من النقل إلى العقل، بينما تمرّ الأمة الإسلامية اليوم في المنعطف ذاته الذي مرّت به في أواخر القرن الهجري الأول في مواجهة ضرورة التوافق مع الحداثة، فلم تخلق إلا فكراً تكفيرياً سواء كان دينياً أو علمانياً حتى اللحظة.

14