واقعية العبادي تضع الحرب على داعش بالعراق في مسار جديد

استبعاد الميليشيات الشيعية من معركة تحرير الأنبار، وتشجيع العشائر المحلية على تحرير أراضيها ومسك مناطقها المحرّرة، وعدم التسرّع في إقحام روسيا في مواجهة داعش بالعراق، مظاهر لواقعية حكومة حيدر العبادي في التعاطي مع ملف الحرب، وهو تعاط سيكون له أثر إيجابي في المراحل القادمة من الحرب.
الأربعاء 2015/12/30
الجيش فوت على الميليشيات وليمة تحرير الرمادي

الرمادي (العراق) - زار رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أمس مدينة الرمادي في غرب العراق بعد يوم واحد من الإعلان الرسمي عن استعادتها من تنظيم داعش.

ورغم حجم الدمار الكبير الذي لحق بالمدينة بفعل المعارك التي دارت داخل أحيائها، وقدّرته مصادر رسمية عراقية بثمانين بالمئة من بناها التحتية، إلاّ أن استعادة المدينة اعتبرت إنجازا كبيرا على طريق إنهاء سيطرة تنظيم داعش على مناطق البلاد، ومنعرجا مهما في الحرب، في وقت يتواتر فيه حديث المسؤولين العراقيين عن قرب بدء عملية تحرير مدينة الموصل مركز محافظة نينوى أهم معقل للتنظيم في العراق.

ورأى مراقبون أنّ جزءا كبيرا من الإنجاز يحسب لواقعية رئيس الوزراء حيدر العبادي في التعاطي مع قضية تحرير الرمادي ومحافظة الأنبار ككل.

وتتجلى الواقعية -بحسب هؤلاء- في إقدام العبادي على تحجيم دور الميليشيات الشيعية في معركة الرمادي، متجاوزا الضغوط الهائلة من داخل العائلة السياسية الشيعية التي ينتمي إليها.

وذهب البعض حدّ القول إن استبعاد الميليشيات بما لقادتها المدعومين من إيران من سطوة ونفوذ، بمثابة مقامرة سياسية من قبل العبادي ستسبب له متاعب في المرحلة القادمة.

وحسب خبراء عسكريين ومحللّين سياسيين، فإن مشاركة الميليشيات الشيعية، في معركة الرمادي مركز محافظة الأنبار ذات الغالبية السنية كان سيعقّد المعركة، في ظلّ نفور سكان المحافظة من دخول عناصر الميليشيات مناطقهم مخافة عمليات انتقام طائفي كتلك التي سبق أن مارستها تلك التشكيلات المسلّحة في مناطق أخرى شاركت في استعادتها من تنظيم داعش، مثل جرف الصخر وتكريت وبيجي والعديد من مناطق محافظة ديالى.

ووصف النائب بالبرلمان العراقي ظافر العاني معركة تحرير الرمادي بـ”النظيفة”، و”الخالية من التعقيدات الطائفية”، بفعل عدم مشاركة ميليشيات الحشد الشعبي فيها.

وفي مقابل ركن ميليشيات الحشد على هامش المعركة، حيث لم يسجل لها حضور يذكر عدا في الخطوط الخلفية البعيدة نسبيا عن مسرح القتال، تمّ التعويل بشكل رئيسي على جهود القوات المسلّحة من جيش وشرطة، الأمر الذي اعتبر خطوة جدية من حكومة حيدر العبادي باتجاه استعادة الأجهزة الرسمية للدولة زمام المبادرة من التنظيمات المسلّحة غير المنضبطة.

ويحسب لحكومة العبادي أيضا تشجيعها أنباء العشائر المحلية في محافظة الأنبار على المشاركة في تحرير مناطقهم ومسك الأراضي المحرّرة.

ونقلت شبكة سي أن أن الإخبارية الأميركية عن مارك هيرتلينغ، الضابط السابق، والمحلل السياسي والعسكري قوله معلّقا على إشراك أبناء العشائر السنية في معركة الأنبار “الآن بما أننا نرى حكومة ذات أغلبية شيعية في بغداد تدعم أبناء المحافظة السنية، أعتقد أن هذا مؤشر جيّد عما سيحدث في المستقبل”.

مارك هيرتلينغ: دعم حكومة بغداد لأبناء محافظة الأنبار مؤشر جيد عما سيحدث في المستقبل

وأعلن قائد مقاتلي عشائر الأنبار اللواء طارق يوسف العسل أمس أن مقاتلي العشائر يمسكون الأرض في ثلاث مناطق محررة شمال مدينة الرمادي.

وقال العسل في حديث لموقع السومرية الإخباري، إن “خمسة أفواج من مقاتلي عشائر الأنبار تمسك مناطق البوفراج والجرايشي والزوية وطريق البوذياب القديم”، مشيرا إلى “تواجد قوات الجيش معهم في تلك المناطق”.

وأضاف العسل، أن “مقاتلي العشائر يشاركون مع الجيش بعمليات عسكرية لاستعادة جزيرة الرمادي، وفعاليات وعمليات نوعية في المحور الشمالي لمدينة الرمادي”.

ودارت معركة الرمادي بغطاء جوّي من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتّحدة التي حرصت بشكل استثنائي على إثبات فاعلية دورها في الحرب على داعش بالعراق، بعد أن لاحت روسيا كمنافس محتمل لها في المنطقة.

ورغم أنّ قوى سياسية شيعية مؤثرة على القرار العراقي دفعت باتجاه الاستعانة بسلاح الجو الروسي في توجيه ضربات لعناصر داعش في العراق، فإن حكومة العبادي لم تتسرّع في اتخاذ مثل ذلك القرار، وفضّلت مواصلة الاستفادة من جهود الولايات المتحدة الأكثر دراية بتفاصيل الميدان العراقي، والأقدر على التنسيق مع قوات مسلّحة عراقية غالبية أسلحتها وخبراتها أميركية.

وتبدو حكومة العبادي من هذه الزاوية قد أحسنت توظيف التنافس الأميركي الروسي في تحقيق تقدّم في الحرب على تنظيم داعش.

وقال ستيف وارن المتحدّث باسم التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة أمس في مؤتمر صحفي عقده في مقر السفارة الأميركية ببغداد إنّ التحالف نفذ 360 ضربة جوية على مواقع مسلحي تنظيم داعش داخل مدينة الرمادي، منذ انطلاق عملية تحرير المدينة في يوليو الماضي، وحتى الإعلان عن تحريرها مطلع هذا الأسبوع. وأضاف أن هذه الضربات “تسببت بمقتل ألفي عنصر من التنظيم”.

وتابع “لم تكن للقوات الأميركية البرية أية مشاركة في تحرير الرمادي، وإنما كانت المعارك بقدرات القوات الأمنية العراقية”، لكنه أوضح أن بلاده “جهزت العراق بـ5 آلاف صاروخ مضاد للدروع لاستهداف العربات المفخخة التابعة لمسلحي داعش”. كما دربت قوات التحالف الدولي، خلال الفترة المذكورة، عددا من ألوية الجيش العراقي، وقوات مكافحة الإرهاب، والشرطة المحلية في الرمادي، ووفرت وحدات هندسية لإبطال العبوات الناسفة، وأمدّت الجيش العراقي بجسر عائم استخدمته في عبور نهر الفرات باتجاه المدينة.

3