واقعية بلا ضفاف

الفن الراقي هو الذي يجعلك في لحظة من اللحظات تنزلق من جغرافية المتخيل إلى جغرافية الواقعي، أن تتخطى الحدود دون علم منك.
الأحد 2018/06/10
الحدود تنتفي ما بين التمثيلي والواقعي

تذكرت كتاب “واقعية بلا ضفاف” لروجي غارودي الذي اتهم بالانحراف الأيديولوجي وطرد من الحزب الشيوعي الفرنسي. كان الكتاب أساسيا في قراءاتنا ومراجعنا في الدراسات الأدبية والنقدية زمن طغيان الواقعية الاشتراكية، تذكرت عنوان الكتاب وأنا أفكر في قصتين بعيدتين كل البعد عن الكتاب، ولكن عنوانه قد يعبر عن روح القصتين اللتين سأرويهما.

 كنت أتساءل كيف تصبح الحدود ما بين الواقع من جهة والممارسة الفنية ملغاة أو وهمية، يحدث ذلك حين يكون في العمل الإبداعي صدق طافح حيث يتداخل الواقعي بالفني وتصبح الحدود خيطا رفيعا لا يكاد يُمَيَّز.

الحكاية الأولى تتمثل في مسرحية “عطيل” لشكسبير والتي يتم تمثيلها منذ أربعة قرون بكل لغات العالم وتعرض على غالبية مسارح الدنيا، يروى أن عرضا للمسرحية كان مبرمجا في واحد من أكبر المسارح الأوروبية، وبأثناء العرض ونتيجة لتزاحم الناس على القاعة، اضطر رجال الأمن المسلحون إلى الدخول إلى القاعة لتنظيم الحضور.

 وانطلق العرض ودخل الجمهور في طقوس المسرحية، وشيئا فشيئا ارتفعت وتيرة الدراما، وساد الصمت، وارتفع منسوب الصراع في المسرحية والقائم أساسا حول السلطة وذلك بتحريك الغيرة حيث يلعب حضور النساء دورا حاسما في هذا الصراع، وفي العرض المسرحي تظهر غيرة عطيل ذي الأصول الموريسكية المغاربية واضحة، وفي اللقطة الأخيرة عندما يهجم عطيل الأسمر على ديدمونة زوجته الشقراء بغرض قتلها لاكتشافه دليل خيانتها وهو المنديل الذي كان قد أهداه إليها، تصل المسرحية قمة رقيها الدرامي.

 ونظرا لبراعة الممثلين، وأيضا اندماج الممثل والممثلة في دوريهما (عطيل وديدمونة)، فقد اعتقد الحراس الموجودون في القاعة أن الرجل (عطيل) يريد بالفعل الاعتداء على الممثلة الشقراء التي تلعب دور ديدمونة، وارتكاب جريمة القتل انتقاما لشرفه، وهو ما جعل أحد الحراس يخرج سلاحه ويطلق النار على الممثل فيصيبه في ساقه، مما جعل العرض يتوقف.

بهذا التدخل من قبل الحارس يكون الإبداع قد لامس ضفاف الواقع، وانتفت الحدود لدى المتلقي ما بين الفن والواقع، وما بين الوهم والحقيقة.

الحكاية الثانية، حدثت للرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، إذ برمج هذا الأخير في واحدة من سهراته، وهي عادة درج عليها الرؤساء الفرنسيون خاصة من الاشتراكيين، الذهاب لحضور العروض الفنية في أحد مسارح باريس، ونظرا للوضع الأمني الحساس في باريس وفي فرنسا بشكل عام، فقد كان ضروريا وطبيعيا أن يكون حرس الرئيس من الحضور في القاعة.

 وبدأ العرض، ولم يكن رجال الأمن قد طلبوا معلومات مسبقا عن تفاصيله وطبيعته، وانطلق العرض الذي تجاوب معه الحضور بمن فيهم الرئيس فرانسوا هولاند، وكان في غاية الجودة من حيث الأداء الفني للممثلين وأيضا في بناء النص عموما، ومع اقتراب نهاية العرض كانت هناك لقطة حيث يخرج فيها أحد الممثلين سلاحا ويطلق النار الوهمي على المنصة ولكن صوت الطلقة كان مسموعا، مما أثار هلعا في القاعة، واضطر الحرس الرئاسي إلى الإسراع بالقفز لتغطية الرئيس هولاند وإخراجه فورا من القاعة، معتقدين أن عملية إطلاق النار الوهمية هي إطلاق حقيقي.

حالة مثل هذه لا يمكنها أن تحدث إلا حين تنتفي الحدود ما بين التمثيلي والواقعي في مخيال المتلقي.

الفن الراقي هو الذي يجعلك في لحظة من اللحظات تنزلق من جغرافية المتخيل إلى جغرافية الواقعي، أن تتخطى الحدود دون علم منك، لذا فإن الفن حين يرقى إلى التخييل العالي يقترب كثيرا من بهجة الواقع الصادق، وأن الواقع حين نقاربه بصدق جمالي وفلسفي وبقوة فنية نكتشف فيه ما هو أعمق من الخيالي.

10