واقع الأدب

النقد الثقافي هو مساهمة أخرى جديدة  لاستعادة معنى هذه العلاقة، وتجليها جماليا في الأدب.
الثلاثاء 2018/03/13
علاقة جدلية بين الأدب والواقع

مع احتدام الصراع بين النظريات الشمولية الشيوعية الليبرالية الغربية، اتخذت علاقة الأدب بالواقع بعدا جديدا، كانت في ظاهرها ذات طبيعة جمالية، لكنها في مضمونها كانت تعبيرا عن  صراع سياسي- أيديولوجي، يتخذ من الثقافة أداة لتعزيز الهيمنة على العالم.

على هامش هذا الصراع وتعبيرا عنه ظهرت مفاهيم جديدة، هيمنت على الأدب عقودا طويلة، مثل مفهوم الالتزام ونظرية الفن للفن، أو استقلالية الأدب عن الواقع، ونظرية الانعكاس.

 كان التباين بين مصطلح أدب الواقع، والواقع في الأدب يعبر عن إشكالية هذه العلاقة. في الأول هناك تحديد لهوية الأدب، وفي الثاني تحديد لهوية الواقع في الأدب.

كان يمكن لهذه العلاقة أن تظل خارج دائرة السجال النقدي والفكري، لو لم تدخل الأيديولوجيا، كمحرك أساس في هذا السجال، عندما اجتهد منظرو الفكر والأدب الماركسيون، في ربط علاقة بالواقع أو علاقات الإنتاج، بينما حاول منظرو الثقافة الليبرالية تحرير الكاتب أو الأدب من هذه العلاقة.

في الشعر اتخذ الصراع على شكل الكتابة الشعرية بعده، بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر في إطار هذا الصراع الثقافي، الذي اتخذ بعدا جماليا وفكريا، بين التيار القومي والماركسي، والتيار الليبرالي في الثقافة العربية.

انتهت الشيوعية مع سقوط مركزها، فتراجع السجال حتى كاد يغيب، لولا أن دارسي الأدب مازالوا مشغولين بالبحث في علاقة الأدب بالواقع. النقد الثقافي هو مساهمة أخرى جديدة  لاستعادة معنى هذه العلاقة، وتجليها جماليا في الأدب.

انتهت الشمولية الثقافية الشيوعية، وبقيت الشمولية الليبرالية ، لكن الأدب ظل يشكل واقعه الخاص، في مغامرة الكشف والاكتشاف لسيرورة الوعي الجمالي للكتابة الجديدة. على الرغم من ذلك لا أحد ينكر تأثير الليبرالية الجديدة على الأدب.

جدل الثقافة الليبرالية مع ذاتها على صعيد طروحاتها الشمولية، اتخذ شكلا مغايرا مع ظهور تيار ما بعد الحداثة، ونقده الشديد، للطابع الشمولي لهذه الثقافة، وفشلها في تكريس قيمها الثقافية، كوسيلة لتحقيق التقدم في العالم. ظهرت فلسفة الشك محل العقل، الذي كانت تدعيه الحداثة.

خارج هذا الجدل كانت تجليات الواقع، أو جماليات الكتابة عن الواقع، تتخذ أشكالا ومظاهر مختلفة، كما في الرواية الجديدة. غاب الواقع فيها، ليظهرمن خلال انعكاسه النفسي على شخصيات أبطال الرواية.

حتى في أكثر أشكال الكتابة الشعرية انزياحا، بقيت ظلال الواقع وعلاماته حاضرة فيه. أعيد بناء الواقع واللغة على نحو مختلف، يعكس وعي الشاعر الجديد. جماليات هذه الكتابة الأدبية، في أكثرها رمزية، لم تبرح حدود هذه العلاقة وتمثلها بما يجعل السؤال يتجدد: من يغني الآخر الأدب أم الواقع؟

15