واقع الثقافة وأدوار المثقف

الأحد 2015/02/22

تنعكس التحوّلات الاجتماعية والتاريخية والسياسية على اللغة، فتكون كلّ مرحلة محطّة تمثل منعطفا يمرّ به الشعب، وتمرّ به اللغة التي تكون متأثرة بما يجري، وقد تحتاج إلى إعادة تعريف بعض الكلمات، أو استخدامها في سياقات جديدة تواكب التغيّرات الجذرية الحاصلة.

تتخلّل الثقافة، كمفهوم شامل متجاوز، جميع مناحي الحياة والمجتمع، تؤسس لقواميس لغوية وفكرية جديدة، تعيد إنتاج تعبيرات واصطلاحات وكلمات بحلل متجددة، ويفترض التجديد أن ينهض المثقفون بدور رفد قواميس اللغة والفكر بالأنسب، عبر ممارسة ما يمكن توصيفه بالحفر والتنقيب والاشتقاق، ناهيك عن توظيف ذلك كلّه في خدمة التنوير المنشود.

عن تطوّر اللغة، وحمولتها الفكريّة، كتب الناقد والباحث الفرنسي فيليب دوفور كتابه “فكر اللغة الروائي”، إذ درس من خلاله تطوّر اللغة الفرنسية إبان الثورة الفرنسية الشهيرة، وكيف أن اللغة التي استخدمها الأدباء أسست لمرحلة جديدة في تاريخ الفكر واللغة معا.

بالنسبة للعالم العربيّ، ودور المثقّف فيه في ظلّ التغيّرات العاصفة، يحتمل الحديث عن المثقّف اختلافا في التصوّر والمقاربة، ولا سيما أنّ التوصيف يبدو مرتهنا لإشكاليات تستمدّ جذوتها من الانقسام الحاصل بين معسكرات متحاربة، وجاءت الثورات التي أفرزت ثقافة جديدة، وكشفت كلّ ما كان مخبوءا، ليجد المرء نفسه أمام امتحان الإنسانيّة، وليس أمام مقتضيات الثقافة وواجبات المثقّف. يؤمّل من المثقّف اختيار الاصطفاف في معسكر النضال ضدّ ما توصف بأنّها بديهيات معمّمة، وضدّ مفاهيم تسطيح الوعي وتبسيط القضايا.

الدور يتحدّد بناء على الموقف. “قلْ لي ما موقفك أقل لك أين موقعك”. من هنا تتعدّد مواقع المثقّفين، وتختلف الأدوار، وتتباين المواقف، ولكن ما لا يمكن تبريره هو مساندة مثقّف للطاغية باختلاق حجج وذرائع واهية، وتحميل عوامل ناشئة وظروف مستجدّة أسباب الموقف ودوافعه في زعم مناصرة الوطن، في حين أنّه يصفع الإنسان والوطن بتحايله ونفاقه وتلوّنه وانتهازيّته. لا يمكن نزع صفة الإبداع عن بعض من عادى الثورات، لكن، شخصيّا لا أستطيع تصديق من يعادي آمال شعب في الحرّيّة والخلاص، مهما اجتهد في اختلاق الذرائع والتبريرات والأعذار، ولا يمكن التماس أيّ عذر لمثقّف يستعذب العبوديّة ويحتمي بسلاح القاتل معبرا إلى قوقعته وسجنه وكوابيسه.

وفّرت الثورات فرصة تاريخيّة للمثقّفين كي يستعيدوا أدوارهم التي استلبتها منهم الأنظمة الديكتاتورية الشمولية، والتي سعت إلى تحويل المثقّفين إلى موظّفين تابعين لها، لا يملكون من زمام أمرهم أو فكرهم شيئا.


ناقد وروائيّ سوريّ مقيم في ليدز

11