واقع العالم انقسم على نفسه والسنة لم تنقض بحساب كوفيد

عام لاستحضار تاريخ الإنسانية مع الأوبئة واكتشاف الأنا والآخر.
الخميس 2020/12/31
الحياة زمن الجائحة

في مثل هذا اليوم، جرت العادة أن نودّع عامًا يلفظ أنفاسه، ونعدّ العدّة نفسيّا ومادّيا لاستقبال عام جديد، نتمنى دائما أن يكون أفضل من سابقه. ولكن ما الحيلة والعام الذي عشناه لا يريد أن ينتهي، ولا يفيض على ما قبله فقط بل يتطاول حتى على العام الذي يأتي، بسبب داء غيّر الحياة الاجتماعية، مثلما غيّر الإنسان وسلوكه بشكل جذريّ.

كيف نودّع عامًا لا يريد أن يودّعنا؟ كيف نطوي صفحة ومدادها الدّامي لم يجفّ، وقد يشوّه ما يأتي بعدما أفسد الذي بين يديه؟ عام اختلطت فيه المآسي، من جائحة قاتلة، وحَبس إجباري لسكان المعمورة، وشلل لأنشطتها، حتّى الدّنيا منها، وتمردات وثورات، ضد الحكومات حينا، وضد حماقات البشر حينًا آخر، مرّة للدفاع عن القوت، ومرة للدفاع عن القيم، وأخرى للدفاع عن البيئة.

عام خرافي

ليست الأحداث والحروب والكوارث البيئية جديدة، فقد عرفتها الأعوام السابقة أيضا، وبأكثر بشاعة في الغالب، ولكن هذا العام يظل في الذاكرة الجمعية الكونية عاما ليس ككل الأعوام، التي يبدأ كلّ منها في غرّة يناير وينتهي بنهاية ديسمبر، إذ جاوز مداه  ليفيض على الذي يليه، وكل الدلائل تشير إلى استفحال دائه الأول، أي الجائحة التي جعلت منه غولا خرافيا يلتهم البشر بلا شفقة أو رحمة، لا يلتقم ويستزيد فقط، بل يفسد كل متعة، ويفصل المرء عن أهله وبنيه، فلا يأتي لمواساتهم عند الشدة، ولا يحضر مراسم دفنهم، حيث حكم عليه الفايروس ألا يزور ولا يزار، حتى وإن تقاربت المسافات، إلا في القليل النادر.

الإنسان كان حرا طليقا يروح ويغدو في سعيه المعتاد، صار أسير بيته، يعلن مسبقا عن نيّة تنقله وكأنه تحت قوة احتلال

عام أسطوري رهيب يمتد من الماضي ويشمل الحاضر ويبسط أذرعه كأخطبوط عملاق على المستقبل، ليفرض رزنامته الخاصة، ورزنامته لا نعرف بالضبط متى تبدأ ومتى تنتهي، فالبداية ليست هي المعلَن عنها، وقد راجت أخبار عن أن تايوان أبلغت منظمة الصحة العالمية قبل حلول العام المشؤوم بالمرض الغريب الذي أصاب سكّان ووهان الصّينية، فلم تأخذه مأخذ الجدّ، ما يعني أن العام بدأ قبل أوانه، في أواسط الخريف السابق. أما النّهاية فهي مفتوحة، إن جاز أن نستعمل هذه العبارة في وقت انغلقت فيه البلدان والمدن والبيوت على نفسها داخل أسوار منيعة الذرى، والضّراعات بشتى اللغات واللهجات تُرفع ليلَ نهار، للخالق جلّ شأنه، وللعلماء أيضا، عسى أن تزول الغمّة، فقد ينتهي هذا العام الأسود في الربيع القادم أو الصيف الذي يليه أو يتواصل حتّى نهاية العشرية.

وأيّا ما تكن البداية، فقد كانت، على غرار الخلق، والنشأة الأولى، بواسطة الكلمة، حين نطق الخبراء بعبارة “الفايروس القاتل”، فكانت أكثر عدوى وأشدّ فتكًا من الفايروس نفسه، حيث نشرت الرعب حول العالم، وأطلقت أيدي الحكام كي يفرضوا إجراءات صارمة، قبِلها عموم الناس طوعا، فيما رأى فيها جانب منهم مصادرة للحريات. ولأول مرة استوت البلدان المتقدمة بالبلدان النامية من جهة الاضطراب والفوضى وغياب المعدّات كالكمائم وأسرّة الإنعاش، وتهافتت المقاربات الإجرائية في مواجهة خطر شلّ كلّ شيء، حتى القدرة على التفكير واستنباط سبل التوقّي وحماية الأرواح. مثلما استوت الشعوب الغنية مع الشعوب الفقيرة، إذ صار الموت قدر الجميع.

في هذا الظرف، سارعت منظمة الصحة العالمية إلى وضع يافطة رسمية على الفايروس هي “سارس كو في 2 كوفيد 19”، وفي ذلك إقرار بما غفلت عنه أو تهاونت به سنة ظهوره أول مرة عام 2019، غير أن طول هذا المصطلح العلمي أرغم وسائل الإعلام على الاكتفاء بـ“كوفيد – 19”، بينما قنع الناس بـ“كوفيد” فقط. ثم عقبها استعمال مدير المنظمة لعبارة “جائحة”. وبذلك دخلت الإنسانية مرحلة بدت فيها اللغة، بوصفها كائنًا حيًّا هي أيضا، تتناسل وتتكاثر، فظهرت عبارات جديدة كالحمض النووي الريبوزي ويُسمّى اختصارًا RNA، وهو جُزَيء حيويّ يوجد في كل الكائنات الحية والفايروسات تقريبًا، ويقوم بنقل المعلومات الوراثية وتشفيرها وفك تشفيرها وتحفيز تفاعلات كيميائية عديدة؛ وكذلك صدمة أو زوبعة السيتوكين، والسيتوكين هي مجموعة هجينة من البروتين والبروتين المسكَّر، وبروتين سْبايْك المفتاح الذي يسمح للكوفيد بدخول خلايا الإنسان؛ والحِمل الفايروسي أو العيار الفايروسي ويمثل عدد نسخ الفايروس التي تشير إلى تكاثره داخل حجم معين من السوائل؛ فضلا عن التباعد الاجتماعيّ، والأنوسميا، أي فقدان حاسّة الشّم، وفترة الحضانة، وما إلى ذلك من تعابير كانت لا تغادر مخابر العلماء والصيادلة، ومنابر المؤسسات المتخصصة، فباتت ضمن القاموس اليومي، الذي تتداوله وسائل الإعلام على مدار اليوم.

الإنسان أسير بيته

2020.. شهادة ميلاد كوفيد
2020.. كيف نودّع عامًا لا يريد أن يودّعنا؟

اكتشفنا كذلك حيواناتٍ ما كنا نعلم بوجودها كالبنغولين، الذي يسمى في العربية أمّ قِرفة، وهو من آكلات النّمل، ومدنًا ومناطق وشعوبًا كانت حتى تلك اللحظة، لحظة اقتحام الفايروس حياتَنا، بعيدة عن الأضواء، لا يعرف الإنسان العادي تحديد موقعها؛ واستحضرنا من تاريخ الإنسانية أوبئة عصفت بالأرواح، وأساليب لجأ إليها الأسلاف لمقاومة الأوبئة والجوائح، وعرفنا من تاريخهم ألوانا من البدع التي لا تزال حاضرة حتى اليوم في مثل هذه الطوارئ المميتة، مثلما عرفنا أنهم لجؤوا قبلنا إلى الكرنتينة، أي الحجر الصّحّي، لمدة قد تطول وقد تقصر حسب خبث الداء وقوّة عدواه وسرعة انتشاره. وفي كلّ الأحوال، طرأت على الخطاب اليومي المعتاد لغة جديدة، وبالأحرى مفردات جديدة، لم تغيّر القاموس وحده، بل غيّرت حتى سلوك البشر، ما يعني أن اللغة أيضا يمكن أن تكون صنوا للفايروس المنتشر، وهو ما سبق أن عبرّ عنه الكاتب الأميركي وليم بوروز عند ظهور مرض الإيدز.

الواقع نفسه انقسم إلى شطرين، واقع ما قبل الجائحة، وواقع الحجر الصّحّي الذي تلته في أماكن كثيرة من العام حالة طوارئ وفرض حظر التجوّل. فبعد أن كان الإنسان حرّا طليقا، يروح ويغدو في سعيه المعتاد، صار أسير بيته، يعلن مسبقا عن نيّة تنقله وكأنه تحت قوة احتلال، فيحرم من الأشياء البسيطة التي لم يكن ينتبه إليها، وإن انتبه لا يعيرها قيمة، كالمشي مثلا، ومجالسة الأصدقاء في مقهى، ومشاهدة فيلم أو مسرحية، وحتّى مجرّد التسكّع في شوارع مدينته وساحاتها وحدائقها، فنابت عن كل ذلك منصات إلكترونية ومواقع اجتماعية، يحاول أن يكسر من خلالها عزلته، وباتت الإنترنت حدّا فاصلا بين من يملك أسباب تلطيف سير الحياة في هذا الظرف الحرج وبين من لا يملك، ما يعني عوزا آخر ينضاف إلى وضعه الهش. وبذلك خلت الشوارع من الحياة الاجتماعية، وتحولت إلى ممرات لوجستية للتجارة الإلكترونية، مثلما تحوّلت الوسائط والمنصات بأنواعها إلى كاميرات مراقبة.

اليوم ينتهي العام، بحساب التقويم الميلادي، ولكنّه، بحساب الكوفيد، لا يزال مستمرّا، ولا نملك إلا أن نتضرّع لله، ونتشوّف لجهود العلماء، بأن يعجّل برحيله.

 
14