واقع معقد وحصار مزدوج يعيقان حلم أكراد سوريا بالفيدرالية

على الرغم من إنصاف الجغرافيا لأكراد سوريا بأن يكونوا في آخر الهلال الكردي المنتشر على تخوم منطقة الشرق الأوسط مع تركيا وإيران، إلا أن عوامل إقليمية متعددة لم تكن مواتية لضبط خياراتهم بعد أن وضعتهم في مواجهة من أجل التخلص من هيمنة الأتراك على مصيرهم من جهة ومن إرهاب داعش من جهة ثانية، حيث أنهم يعيشون (أكراد سوريا) اليوم واقعا اجتماعيا واقتصاديا صعبا ومعقدا.
السبت 2016/08/06
مسافات بعيدة من أجل الحياة

القامشلي (سوريا) - على مساحة قد تبدو مترابطة من الناحية الجغرافية وممتدة من شمال غرب إيران إلى شمال غرب سوريا مرورا بالعراق وجنوب تركيا، تعترض الأكراد الكثير من التعقيدات والعراقيل الإثنية والجيوسياسية والاقتصادية التي تعيقهم عن تحقيق الاستقرار على رقعة واحدة ونسج خيوط منظومة سياسية تعبّر عنهم، وقد ظهر ذلك بشكل جلي بعدما أعلن أكراد شمال سوريا عن شبه حكم ذاتي لهم، لكن ذلك الإعلام تحاصره عوامل اختناق عديدة أهمها الدور التركي السلبي.

فلطالما حلم الأكراد بوفرة اقتصادية بعد إعلانهم الحكم الذاتي في مناطق سيطرتهم بشمال سوريا الغنية بالنفط وبالحقول الزراعية، لكنهم وجدوا أنفسهم يعيشون في جزيرة معزولة جراء تقلص الموارد، وقد تسبب في ذلك حصار مزدوج، من جهة تنظيم داعش ومن جهة ثانية النظام التركي.

اختناق شديد

داخل صيدليته في مدينة القامشلي بمحافظة الحسكة، يتفحص المسؤول المحلي الكردي مصطفى عبدي مستودعه شبه الفارغ بحثا عن دواء لعلاج أحد المرضى. ويقول “غالبية مستودعات الأدوية تعاني أزمة خانقة، حتى أن معظم الأدوية باتت مفقودة”، موضحا أن “مستلزمات الجراحة والإبر وحتى أدوية السكري باتت مقطوعة”. ولا تقتصر الأزمة على القطاع الصحي فحسب، بل تشمل قطاعات عديدة أخرى.

وتشكل الزراعة في الشمال الشرقي السوري، أين يتمركز الأكراد بكثافة، النشاط الرئيسي الذي تقوم عليه حياة الأكراد اليومية، وتوجد مجالات أخرى مثل تجارة السلع والنفط وبعض الصناعات اليدوية. وهذه المجالات التي تشكل ملامح اقتصاد كردي منقوص لا تجد لها سوقا واسعة كي يتم تداول تلك السلع وتكوين رأس مال، فقد أصبح ذلك المجال مختنقا لوجوده داخل دائرة مغلقة من “الأعداء”.

ويقول الباحث الفرنسي فابريس بالانش “الوضع الاقتصادي سيء لأن المناطق الكردية محاصرة، فمن الجنوب هناك تنظيم الدولة الإسلامية ومن الشمال تركيا”. أما من الجهة الشرقية، حيث معبر سيمالكا الحدودي مع إقليم كردستان العراق، فإن السلطات “تغلق الحدود بحسب مزاجها”.

وبهذه الكيفية لن يكون للأكراد في شمال شرق سوريا أي مجال للتحرك جغرافيا لتكوين ما يسمى في العلوم السياسية بـ”المجال الحيوي”، فالمستوى ضيق جدا بحسب ما تفرضه المساحة التي يسيطرون عليها.

الفيدرالية التي أعلنها أكراد سوريا قد لا تكون الخيار السليم في هذه المرحلة التي يمرون بها

ويتشارك الأكراد من جهتي الحدود في العراق وسوريا في قضية واحدة، لكنّ توترا يشوب العلاقات بين الحزب الذي يتزعمه مسعود بارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق (الحزب الديمقراطي الكردستاني)، وحزب الاتحاد الديمقراطي، الحزب الكردي الأبرز في سوريا وذراعه العسكرية المتمثل بوحدات حماية الشعب الكردية.

وتلعب تركيا دورا رئيسيا في قطع التواصل بين أبناء القومية الواحدة لحسابات خاصة تهم المشهد السياسي الداخلي، إذ يتصاعد التيار الإسلامي بقوة داخل تركيا منذ أكثر من عقد ونصف على حساب المعارضة العلمانية والتي من ضمنها الأكراد والمتعاطفون مع حزب العمال الكردستاني المسلح في تركيا ذي النزعة الانفصالية. وإذ يحض حزب العمال الكردستاني على إسناد أكراد سوريا أيضا، بينما تحافظ سلطات كردستان العراق على علاقة جيدة مع تركيا التي تصنف وحدات حماية الشعب بـ”الإرهابية”، حيث تعتبرها جزءا من حزب العمال الكردستاني الذي يخوض تمردا ضد أنقرة.

ونتيجة لذلك، فإن معبر سيمالكا، طريق التجارة الوحيد بين مناطق سيطرة الأكراد والخارج، يبقى مغلقا في معظم الأحيان ومن دون سابق إنذار، الأمر الذي ينعكس سلبا على السكان الذين يعانون من نقص في السلع وأزمة اقتصادية قاسية.

فيدرالية غير نافعة

يقف مصطفى عبدي في معبر سيمالكا سيامند أوصمان تحت أشعة الشمس الحارقة قرب المعبر المغلق، ويقول “تفاجأنا بإغلاق معبر سيمالكا الذي تزامن بدوره مع إعلان الفيدرالية”، مشيرا إلى أن نسبة المواد التي كانت تمر عبره تقلصت بنسبة 90 بالمئة منذ مارس الماضي.

ويضيف “أما المواد القليلة التي تدخل، فتبقى أياما عدة محملة في السيارات تحت أشعة الشمس، ويستوجب ذلك دفع مبالغ كبيرة لإدخالها”.

وانسحبت قوات النظام السوري تدريجيا من المناطق ذات الغالبية الكردية في العام 2012 مع احتفاظها ببعض المقار في المدن الكبرى، وأعلن الأكراد إثر ذك عن إقامة إدارة ذاتية مؤقتة في مناطق عين العرب (كوباني) وعفرين (ريف حلب الشمالي والغربي) والجزيرة (الحسكة)، أطلقوا عليها اسم “روج آفا” (غرب كردستان).

فابريس بالانش: المناطق الكردية يحاصرها من الجنوب داعش ومن الشمال تركيا

وفي مارس الماضي، أعلن الأكراد النظام الفيدرالي في مناطق سيطرتهم بشمال سوريا.

وتمتلك مناطق سيطرة الأكراد الموارد الكافية للازدهار وضمنها حقول النفط الذي عمد الأكراد إلى استخراجه وتكريره لتأمين الاستهلاك المحلي من الوقود والكهرباء، كما تعرف المنطقة بأرضها الخصبة، وخصوصا محافظة الحسكة التي كانت تنتج في السابق أكبر كميات القمح في سوريا، إلا أن الإنتاج الزراعي تراجع خلال السنوات الماضية لعدم تمكن السكان من الاعتناء بالأرض.

وتضاف إلى كل ذلك سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على خطوط التجارة الأساسية بين الحسكة ومحافظتي الرقة ودير الزور المجاورتين.

وفي أحد أسواق القامشلي، يتجول المواطن مهند الجربا لشراء بعض الحاجيات، ويقول “أصبحنا ضحايا ضمير البائع، فهو من يتحكم بالأسعار”، مشيرا إلى أن ارتفاع الأسعار برز بشكل ملحوظ بعد إعلان النظام الفيدرالي.

ويبلغ سعر الكيلوغرام من السكر اليوم في مناطق الأكراد 800 ليرة سورية (1.60 دولار) مقابل 175 ليرة قبل خمسة أشهر، كما ارتفع سعر الطحين من 25 ليرة للكيلوغرام الواحد إلى 125 ليرة (0.25 دولار)، وبات سعر الزيت النباتي 800 ليرة للتر الواحد مقابل 200 ليرة في السابق.

في بداية يوليو الماضي، أقامت الأمم المتحدة جسرا جويا من دمشق إلى القامشلي هدفه إيصال المساعدات إلى حوالي 300 ألف شخص يحتاجون إلى الدعم. وحملت الدفعة الأولى 40 طنا من المواد الغذائية من الأرز والملح والسكر، ولكن المساعدات تبقى غير كافية ولن تسد الحاجات الضرورية سوى لوقت قصير.

وفي مكتبه بمدينة عامودا (الحسكة) وفي مبنى تابع للإدارة الذاتية، يقول المستشار بدران جيا كرد “نعاني من مشكلة في تأمين الخضار والفاكهة، ونحن لسنا قادرين على الاستيراد والتصدير” نتيجة إغلاق المعابر.

ويضيف “لم يفسح النظام السوري المجال في السابق للتقدم الاقتصادي (في المنطقة) برغم أن مناطقنا غنية”، فضلا عن أن “الدول الكبرى التي تساعد روج آفا عسكريا لم تحاول مساعدتها اقتصاديا”.

وتدعم الولايات المتحدة وحدات حماية الشعب الكردية عسكريا خصوصا بعدما أثبتت أنها الأكثر فعالية في قتال تنظيم الدولة الإسلامية. ويؤكد جيا كرد “هناك بعض المنظمات الخيرية التي تساعدنا ولكن بشكل ضئيل ومؤقت وهذا ليس حلا للمشكلة”.

وبدوره يقول ناصر أحمد، الذي يبيع أدوات كهربائية في أحد أسواق القامشلي، “المواد التي تدخل الأسواق غالية جدا، والحجة الأساسية لدى التجار هي الحدود وإغلاق الطرق التجارية”. ويضيف أن “العامل يتقاضى 700 ليرة سورية يوميا (دولار ونصف). العيش أضحى صعبا بسبب غلاء الأسعار والمواطن هو الخاسر الأكبر في النهاية”.

وجدير بالإشارة إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية يواصل سيطرته على مناطق الشمال السوري وتحديدا بمحافظة الرقة لكي تكون طرق التواصل بين الحسكة وعين العرب (كوباني) تحت أعين عناصره من جهة، ومن جهة ثانية لقطع الطريق والتدخل كلما كان ذلك ممكنا.

وبالرغم من تركيز التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة على مناطق انتشار التنظيم والتي تزيد من اختناق الحلفاء الأكراد، إلا أن الأمر يبقى منقوصا في نجاعته نظرا إلى الدور الذي تلعبه روسيا والذي أعاد ترتيب الأولويات الميدانية بطريقة لا تخدم مصالح الأكراد السوريين.

ونتيجة لذلك، فإن النظام الفيدرالي الذي أعلنه أكراد سوريا ربما لا يكون الخيار السليم والمناسب لهذه المرحلة التي يمرون بها خاصة وأن أبناء القومية ذاتها (أكراد العراق)، يشاركون في حصارهم أيضا.

6