والآن.. جاء دور الفلاسفة للتنافس على تأليف الأغاني

أحد عشر مثقفاً وفيلسوفاً أوروبياً يجتمعون في برنامج غنائي أوروبي مبتكر.
الخميس 2020/02/27
هل يكتب لهذه المبادرة الدوام

عرفنا الأغنية العاطفية، والأغنية الفكاهية، والأغنية الوطنية، والأغنية الدينية، والأغنية الملتزمة، وها نحن نكتشف اليوم نوعا جديدا من الأغاني ممثلا في الأغنية الفلسفية. فهل هي محاولة أخرى لتقريب الفلسفة من الناس، أم هي استهزاء بالفلسفة وأهلها؟ وهل السخرية ممكنة في الفلسفة نفسها؟

 لا نذكر في ما استمعنا إليه من أغان عربية سوى قصائد فلسفية أدّاها بعض المطربين، مثل قصيد “الطلاسم” لإيليا أبوماضي التي لحّنها وأداها محمد عبدالوهاب في فيلم “رصاصة في القلب” عام 1944، وأعادها عبدالحليم حافظ في فيلم “الخطايا” عام 1962، أو قصيد “حديث الروح” للباكستاني محمد إقبال الذي ترجمه عن الأردية نثرا أحد علماء الأزهر، ثم قام الصاوي علي شعلان بصياغته شعرا في قصيد خلّده السّنباطي وأمّ كلثوم.

ولا شكّ أننا سنعثر على ما يماثلهما في الأغاني العربية والغربية لو أمعنّا البحث، ولكن أن يؤلّف فلاسفة ومفكرون وباحثون في مختلف العلوم الإنسانية قصائد بغرض تلحينها وأدائها أمام الجمهور، وإخضاعها لقرار لجنة تحكيم كما هو الشأن في “ذا فويس”، فهذا ما لم نعهده حتى في بلاد الغرب.

برنامج فلسفي

تقوم الفكرة على الجمع بين الفلسفة والموسيقى والفكاهة، في عرض ترفيهي ينظر إلى الفلسفة كوسيلة لفهم مشاغل الناس، ولكن بعيدا عن صرامة المفكرين وجدّيتهم، يعقبه نقاش عن المسائل المجتمعية الراهنة. وصاحبها ماسّيمو فورلان هو رجل مسرح سويسري من أصول إيطالية، سبق أن قدّم عرضا عنوانه “أبطال الفكر” عن “أبجديات” جيل دولوز دام أكثر من عشرين ساعة، وقد استعان منذ انطلاق مشروعه بالمؤلفة والمخرجة المسرحية الفرنسية كلير دوريبوبيير.

طوال سنتين، عمل عدة مثقفين أوروبيين من بلدان مختلفة، من فرنسا وسويسرا وإيطاليا إلى النرويج وكرواتيا والبرتغال وليتوانيا على إعداد أول مسابقة للأغنية الفلسفية، على طريقة أوروفيزيون، ولكن للنقد التحليلي والجدل الفكري خارج الأطر الأكاديمية. وقد تجنّد للمسابقة أحد عشر فيلسوفا للتأليف في الحقول التي يشتغلون عليها، من الرومانسية الألمانية إلى أزمة المهاجرين أو الكوارث البيئية، وأحد عشر موسيقارا من المعهد العالي للموسيقى بلوزان السويسرية لتلحين الأغاني، وأدائها على الخشبة.

البرنامج يجمع الفلسفة والموسيقى والفكاهة، في عرض ترفيهي يرى الفلسفة وسيلة لفهم مشاغل الناس

وكما هي الحال في حفلات أوروفيزيون تمّ إعداد بلاتو يليق بهذا الحدث، مع أضواء وشاشات، وكاميرات متنقلة، ومقدمة برامج شهيرة هي نينا نيغري، ولجنة تحكيم مؤلفة من مفكرين ومفكرات تتجدد كل سهرة، وتتولى مناقشة كلمات الأغنية، وتحلل فكرة مؤلفها، وتصوّت مع الجمهور لاختيار الأغنية الفائزة.

وقد ساهمت في العرض الأول عدة وجوه بارزة كعالم الأنثروبولوجيا السويسري من أصول تونسية منذر الكيلاني، وفيلسوفة العلوم البلجيكية فنسيان ديبري، والمؤرخ الفرنسي فيليب أرتيير، والفيلسوفة الإيطالية ميكيلا مارزانو، والفيلسوف وعالم التحليل النفسي السلوفيني ملادن دولار، فصاغوا قصائد حول الاختلال المناخي والطبيعة، والاستهلاك، وسبل المقاومة، وأشكال الأمل، والرأسمالية كشكل مكتمل لأكل لحوم البشر… ليضعوا التأمل الفكري في صميم الجدل العام، ولاسيما في هذا الظرف الذي يشهد تحولات عميقة وصعودا خطرا للشعبويّات، فالنقاش عادة ما ينحو منحى فكريا أكثر منه موسيقيا. وكل نص يناقش مباشرة على البلاتو، من طرف لجنة تحكيم تنتخب في كل مدينة يتم فيها العرض، بينما يؤدي مغنيان القصيد في لغته الأصلية، مع بث الترجمة على شاشة ضخمة.

بين مرحب ورافض

بلاتو يليق بالحدث
بلاتو يليق بالحدث

كان التتويج في الدورة الأولى من نصيب البلجيكية فنسيان ديبري، الأستاذة بجامعة لييج البلجيكية، بقصيد طالعه “هل يبقى لنا ما يكفي من الريبة/ كي نحفظ للممكنات أملا ضئيلا؟/ هل يبقى لنا من الخيال، بقدْر المعتاد/ كي نرى الحُباحبَ تلمع في الظلام؟”، وهي من أوائل من اهتموا بالإيثولوجيا (علم الأخلاق) لدى الحيوان، ولو أنها سخرت لاحقا من أكاديمية هذا المبحث، وقد رصعت أغنيتها بصور وعبارات مستوحاة من مدونة دونا هاراوي، وفرجينيا وولف، وأنّا تسينغ.

أما ميكيلا مارزانو، ممثلة إيطاليا، فقد كتبت عن عدم اكتمال الوجود قائلة “حتى لو كنّا كلُّنا قابلين للعطب/ فلا شيء يمكن أن يدمِّر كرامتَنا/ إنها هشاشة الوجود/ وعجزُنا عن أن نكون”.

وقد اختلف المتابعون في الحكم على هذه المبادرة، منهم من رأى أن الوقت حان كي يهجرَ الفكر الأماكن المؤسساتية للمعرفة ويلامس من هم بعيدون عنها، ويكفَّ الترفيهُ عن تنويم الجماهير وصرفها عن السياسة، وعبّر عن سروره بتوصل النظر الأكاديمي أخيرا إلى إثارة حماسة مشتركة. ومنهم من انتقد بشدّة هذا التوجّه، واستحضر بورديو في تحذيره من مجتمع الفرجة الذي يشوّه كل شيء، ويحوّل أنظار الناس عن مشاغلهم الحقيقية. فالعرض في نظر هذا الفريق كان استهزاء بالفلسفة، وسخرية من المفكرين والمثقفين بعامة، باسم دمقرطة ثقافية مزعومة، تستبيح كل شيء لجلب الأضواء.

هذا الخلاف قديم قدم الفلسفة نفسها. فهيغل كان يعتبر سخرية الرومانسيين مدمّرة، لأن دعاتها يرفضون الواقع ويفضّلون المحتمل أو الافتراضي، وهو رأي مجايله شليغل تقريبا، وكان هو أيضا يعتبر أن السخرية ميتافيزيقية لأنها لا تأخذ الواقع مأخذ الجِدّ. بينما كان سقراط يستعملها بطريقة بيداغوجية، فيتظاهر بأنه لا يفهم شيئا حتى يدفع محدّثَه إلى الإعراب عن أفكاره المسبقة والاعتراف بجهله. كذلك كيركيغارد، وكان قد صرّح بأن لا وجود لحياة بشرية حقيقية دون سخرية، وأضاف أنّها جدّية بشكل لا يمكن معه إجلاؤُها. أما فلاديمير ينكيليفيتش فيذهب أبعد من ذلك، حيث أكّد أن السخرية مشوبة بالجدّ، لأن الفكاهة الخالية من خلفية جدية لا تكون ساخرة بل مجرد هُزْأة.

لا ندري هل يكتب لهذه المبادرة الدوام، وهي تتنقل عبر المدن الأوروبية، وسواء أيّدناها أو انتقدناها، فلا نملك إلا أن نعترف بأن أصحابها يبتكرون ويبحثون عن سبل غير مطروقة، وأن شخصا على درّاجة يذهب أبعد من مثقفَيْن جالسَيْن إلى طاولة، فالحركة وَلود والسُّكون عاقر.

15