"والاي" فيلم أفريقي يطرح مجددا سؤال الهوية

فيلم "والاي" ينأى عن الكلام الكبير الخاص بصراع الهويات، وعدم القدرة على التكيّف.
الثلاثاء 2018/04/17
الجدة ملاذ آمن

هل قدّر شاعر الإمبراطورية البريطانية في صعودها الاستعماري روديارد كبلينغ أن مقولته “الشرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقيا” لعنة تعبر الحدود والعصور؟ نموذج قياس مرجعي، “باراديم”؟ يستشهد بهذه الكلمات الست أحيانا للتدليل على إمكانية التعايش الإنساني، كما تستدعى أيضا لإثبات صعوبة الاندماج، في بعض المراحل تتوارى المقولة، يطمس آثارها نبل الطموح البشري، إلى أن تعيد إليها الفواجع حيويتها، بتغذية من تيارات يمينية تنعشها مشاعر الكراهية، فتنمي عوامل الخوف الذي لا يملك فيه الضعيف إلاّ الاحتماء بالهوية.

توهم أعمال أدبية وفنية عالجت قضية علاقة الشرق بالغرب والعكس بالعكس أيضا، وخصوصا بعد انتهاء المد الكولونيالي التقليدي، بأن الأزمات الروحية والمادية صارت قدرا كونيا لا يستثني طرفا، فلم يعد الشرق شرقا بالمفهوم الاستشراقي التقليدي، كما يسعى الغرب إلى التخلص من عقد النقاء والاستعلاء، في خطوات تنجح أحيانا وتفشل أحيانا، كلما وقعت جريمة هنا أو هناك.

وكلما ظننا هذه الأعمال حسمت هذه القضية وقالت كلمة الفصل، يفاجئنا عمل يتناول بعدا إنسانيا جديدا، كما في فيلم “والاي” إخراج بيرني غولدبلا من بوركينا فاسو.

سؤال استنكاري

عودة إلى الجذور
عودة إلى الجذور

فيلم “والاي” البالغ 82 دقيقة، وهو إنتاج مشترك بين بوركينا فاسو وفرنسا ينأى عن هذا الكلام الكبير الخاص بصراع الهويات، وعدم القدرة على التكيّف.

ولا يشير إلى ذلك ولا يتستّر وراءه، ويلتمس الدراما لغة أكثر عمقا ومساسا بالقلوب، عبر إثارة هادئة لثنائيات الشمال والجنوب، وإمكانية أو استحالة تواصل إنسان مع آخر عبر لغة يجهلها، ومساحات التقاطع والتفاهم بين جيلين.. أب محكوم بأزمة الهوية يعيش في فرنسا وقلبه معلّق ببلاده، وابن نشأ وحيدا مع أبيه ولا يرى نفسه إلاّ جزءا من نسيج بلد يعيش فيه.

الابن آدي أو عيدي فتى في الثالثة عشرة، سن حرجة يصاحبها طيف من التمرّد، وعدم التوافق مع الجيل الأكبر، والأب الذي يعاني ضيق ذات اليد يقرّر إرسال ابنه من فرنسا إلى قريته والاي في بوركينا فاسو، ويأمل أن يتولى أخوه أمادو تهذيبه سلوكا وجسدا.

وينتمي الأب بالهوية إلى بلاده، ولم تؤثر الحداثة في وعيه وإدراكه لذاته أو لابنه الذي تشرّب قيم مجتمع حداثي يحتفي بالفرد، ولم يعلن الأب عن هدف زيارة لا تثير الريبة في شهور الصيف، هي مجرد زيارة.

وفي القرية يبدو التباين بين آدي وأبناء عمومته وبقية الفتيان الذين لم يغادروا والاي، ليس اللون وحده الذي يدل على أن الفتى لا ينتمي إلى هذا المكان، فهو قمحي، ليس أبيض وليس أسود، ولكنهم ينادونه بالفتى الأبيض، حتى جدته التي تحبه وتحتضنه، تخاطبه بلغة محلية يجهلها، وإن بقي التفاهم بينهما قائما عبر تواصل نفسي تصير فيه اللغات مجرد أصوات، فهي لا تعرف ماذا يقول، وهو لا يفهم كلامها، ولكنه يشعر بفرحها وحفاوتها به.

أما لغة عمه أمادو، فهي فرنسية واضحة وصارمة تستهدف ما هو أبعد من التواصل الإنساني، حين يبلّغه بأن يستعد لعملية الختان، لكي يصير رجلا، والفتى يندهش ولا يصدّق المنطق الذي يجب أن تمرّ فيه الرجولة عبر هذا الإجراء، ويتساءل “هل أرسلني أبي لكي تقطعوا لي عضوي؟”. سؤال استنكاري تثقله المرارة أكثر من السخرية، ويتأكد له أن الزيارة غير بريئة، وأن لها هدفا تربويا، يريد به الأب البعيد والأسرة في القرية أن يكون الفتى نسخة من أبناء الأسرة، أن يكتسب ملامح الهوية هنا، لكي يعود معمدا إلى هناك.

وفي هذا المشهد، وبلا صخب، يوجز الفيلم جانبا من الصدام الحضاري بين الشمال والجنوب، ويجسده في قضية تخصّ الجسد، بتناول يشبه الحياد، فحوار كلا الطرفين ينطلق من قناعة تخصّه، إذ يحرص العم على إكساب الفتى هوية تميزه، ولا بد أن تكون لهذا الإجراء الجسدي استحقاقات تلازمه طوال حياته، وتجعله يفكّر دائما في الجذور، حين يتذكّر خضوعه للختان بعد حيلة أبيه.

عودة مرتقبة

بين الشمال والجنوب لغة ثالثة اسمها الحب
بين الشمال والجنوب لغة ثالثة اسمها الحب

أما الفتى فلا يرى أي داع للختان، ويرفض الاستجابة، لعدم اقتناعه بهذا الأمر القاسي، وخشيته من التعرّض لما يمكن أن يترتّب على الختان من أضرار.

وفي حين يرى جيل الوسط، ويمثله الأب والعم، ضرورة إتمام العملية واعتبارها علامة على اكتمال الرجولة والانصياع لمظاهر الهوية، فإن جدة الفتى، رمز الجيل الأكبر سنا، ترفض إجباره على الختان.

وتختصر تلقائية الجدة وشعورها الفطري جيلا تاليا، ويبدو التفاعل بينها وبين الحفيد أكثر قوة، ويساعدها الفتى بمعارفه الحديثة في بعض التفاصيل، إذ كانت الطيور تعتدي على نباتاتها، فيشتري أسطوانات مدمجة (CD)، بديلا عصريا لخيال الحقل القديم الذي كان يخيف الطيور، وتنعكس أشعة الشمس على الأسطوانات فتبعد الطيور.

ثنائية الجنوب والشمال يتناولها السرد عبر معالجة هامسة، فالفتى يرتدي ثيابا عصرية من زمن العولمة، ويتواصل مع العالم بأدواته الإلكترونية، ولكنه يفاجأ بانقطاع التيار الكهربائي في دار عمه، فيدرك أنه انتقل إلى عالم آخر.

وفي أحد المشاهد يتوجه إلى مركز الشرطة ليشكو عمه مدفوعا بما يحمله من روح فردية نشأ عليها، فيسخر منه الشرطي ويخبره أنه صديق عمه، ذاك “الرجل المنضبط”، وبدلا من تحرير محضر فإنه ينصحه بالاعتذار إلى عمه، فيدرك أن للقرية قانونا خاصا ليس هو القانون، وإنما العلاقات العرفية والكثير من “العشم”.

وفي نهاية الفيلم، يتمكن الفتى من إنقاذ عمه من الغرق، ويغادر القرية، وإلى جواره فتاة سمراء وسيمة تفيض روحها بالانطلاق، يتبادلان حوارا مقتضبا، هي أكثر منه جرأة، وتهديه قبلة وتودعه، فتترك خدرا يسري في روحه، وتتعلق عيناه بها، فتكون آخر ذكرى يحملها قبل العودة، ذكرى تعد بزيارات تالية وتواصل خال من الإكراهات.

وفاز فيلم “والاي” بجائزة جمعية النقاد المصريين (جائزة سمير فريد) في مهرجان الأقصر السابع للسينما الأفريقية التي انعقدت في الفترة الممتدة بين 16 و22 مارس الماضي.

16