والله فكرة

ثقافة النظافة كسلوك حضاري أو فكر مجتمعي غائبة تماما، وحتى نظرتنا الدونية إلى ممتهنيها لا تعكس حقيقة أننا نحن "الزبالون" فعلا.
السبت 2019/03/16
سلوك حضاري قبل كل شيء

في عواصم الغرب “الكافر” لا ترى ورقة أو كيس قمامة في الشارع، بينما في غالبية مدننا العربية، التي لا ينقطع فيها أذان الصلاة أو أجراس الكنائس، تصدمك المناظر المنفّرة. أكوام القمامة تشكل أهراماتها العبثية على جانبي الطريق، مواطنون “صالحون” يحملون قمامتهم ويلقونها بتأفّف في أي مكان ربما وهم في طريقهم لأداء الصلاة، والأكثر مأساوية أن هناك من يتشكون من سرقة صناديق القمامة حتى لو ربطت بـ”جنازير” مجنزرة.

ومع أن الإمام الراحل محمد عبده، قال مقولته الشهيرة مطلع القرن العشرين “ذهبت إلى أوروبا فوجدت إسلاما بلا مسلمين، وعندما عدت وجدت مسلمين بلا إسلام”، إلا أننا لم نتعلّم بعد كيف نترجم القيم الدينية إلى سلوك مجتمعي، فأصبحنا بارعين جدا في تشويه كل شيء بشكل مزعج.

ربما يُصدم البعض إذا عرف أن عامل القمامة في اليابان مثلا يطلقون عليه لقب “المهندس” ويتقاضى الآلاف من الدولارات سنويا، بينما تجده لدينا مثيرا للشفقة، أدواته الوحيدة “مقشة” متهالكة، كل ما عليه أن ينقل “الزبالة” من هذا الجانب إلى تلك الجهة، وينظر إليك منتظرا “حسنة”، رغم أن الحكومة تضيف مبلغا ماليا على فاتورة الكهرباء مقابل نظافة لا نجدها إلا في أمهات الكتب باعتبارها فقط “من الإيمان!”.

ثقافة النظافة كسلوك حضاري أو فكر مجتمعي غائبة تماما، وحتى نظرتنا الدونية إلى ممتهنيها لا تعكس حقيقة أننا نحن “الزبالون” فعلا، وربما كان نموذج لي ميونغ باك، رئيس كوريا الجنوبية السابق (2013-2008) مثيرا للاهتمام، حيث كان يعمل حتى سن الـ18 في جمع القمامة لينفق على تعليمه. والتحق بعد تخرجه بإحدى شركات السيارات العملاقة، ليصبح بعد 5 سنوات فقط مديرا ثم رئيسا للشركة؛ قبل أن يصبح رئيسا لبلاده.

وبعيدا عن اتهامه والحكم عليه في أكتوبر الماضي بالسجن في قضية فساد مثيرة، إلا أنه لم يتنكّر لحقيقته، بل قال في محاضرة شهيرة إن “منصب الرئاسة لم يمحُ آثار ورائحة القمامة من يدي وهذا أكثر ما أفخر به الآن”. وبعد انتهاء فترته عمل موظفا براتب شهري 2200 دولار، ويحصل على 30000 دولار في محاضرة مدتها ساعة واحدة.

يوما ما، وقبل أن أغلق الباب بعنف احتجاجا على طلبات “الست الهانم” المتكررة، صرختُ “كل يوم هات هات هات، ليس هناك أبدا خذ ولو لمرة واحدة؟” انتشت بشدَّة، وجرت نحو المطبخ قائلة “أنت ابن حلال، ذكرتني.. خذ الزبالة ارميها!”.

أخيرا اشتغلت “زبّالا”.. والله فكرة.. طبتم وطابت زوجاتكم قبل شوارعكم!

24