وانتصرنا

الاثنين 2014/08/11

ليس عيبا أن نحتفل بالانتصار حين ننتصر، وليس عيبا أن نعترف بالهزيمة حين ننهزم. وفي كل الأحوال لا يكفي أن ننتصر حتى ندرك النجاة والخلاص، كما لا يكفي أن ننهزم حتى نسقط في هاوية التلاشي وعتمة الفناء، فكم من انتصار عسكري أعقبه تردّ وانحدار، وكم من هزيمة كانت بداية النهوض والشفاء، لكن العيب، أن نحتفل بالانتصار حيث لا أحد يرى هذا الانتصار؟

نكذب على أنفسنا نهارا جهارا وعلى رؤوس الأشهاد، نصرخ من تحت أنقاضنا وأشلائنا: لقد انتصرنا. نخفي عِلَلَنا عنّا علنا فلا نرى في جروحنا سوى آثار بطولات لم يكتب لها النجاح، ثم نتمترس بموت يغيظ الأعداء ساعة الوغى، ظاهرة صوتية نحن بامتياز. يا قوم! لا يكفي أن يتوقف العدوان المدمر إن لم يتوقف العدوان المستمر حتى نحتفل ونرفع شارات النصر، لا يكفي أن يتوقف الموت السّريع ويستمرّ الموت البطيء حتى نتبادل التّهاني ونردد الله أكبر، لا يكفي أن يتوقف الوحش عن افتراسنا بعد أن يشبع من سفك دمائنا وتدمير أبنيتنا حتى نحسب الباقي بعد الخرائب نصرا كبيرا لنا. إن كان هذا هو الانتصار فما عساها تكون الهزيمة؟

قد تقولون، ليس مهزوما من يقاوم. لكن هل قررتم أن نقرأ المفاهيم بالمقلوب، ونقول إن المقاومة هي الغاية والمنتهى؟ أم أننا سنبقى أوفياء للقضية، حيث الغاية هي النصر، بمعنى التحرير، تحرير الأرض والإنسان؟ قبل سنوات احتفل الجميع بانتصار حزب الله لمجرد أنّ سلاح المقاومة بقي في يد المقاومة. كما لو أن السلاح غاية الغايات. إنه المنطق نفسه الذي ورط حزب الله في الحرب الأهلية السورية، طالما الغاية ليست تحرير الجنوب ولا شبعا ولا القدس التي يزايد بها الجميع على الجميع، وإنما الغاية بقاء “المقاومة” وبقاء “سلاح المقاومة”، وبقاء كل من يساهم في بقاء من يساعد على بقاء “المقاومة”… وليذهب العالم إلى الجحيم. إنه اختزال معركة النهوض الحضاري في عنوان واحد: سلاح حزب الله، صواريخ حماس، القنبلة الذرية الباكستانية، التخصيب النووي الإيراني… هي معركة وسواس الرجولة وانتصاب القضيب.

معضلتنا أننا ننظر إلى الأمور بنظارات الحماسة بسبب عقدة نقص جذرية، وأننا بعد كل مواجهة جديدة نخسر الكثير ولا نكسب سوى القليل، وفي الأخير نصرّ على الاحتفال بالانتصار بدعوى أن القدرة على الانتصاب باقية وشرف السلاح باق. لكن بعد كل الأعراس الدعائية، أين الأرض؟ أين اللاجئون؟ أين القدس؟ أين المستوطنات؟ أين أراضي 1967 لمن يقول بهذا؟ أين “من النهر إلى البحر” لمن يقول بهذا؟ أين القضية الفلسطينية؟ أين الثورة السورية ضدّ الأسد؟ أين المقاومة العراقية ضدّ الاحتلال؟ أين المقاتلون الشيشان بكل حماساتهم وحماقاتهم؟

وأبدا، لستُ أنكر أن وقع الهزيمة على النفس سيء، ولا أحد يرضى بالهزيمة لنفسه ولشعبه ولوطنه، لكن هناك ما هو أسوأ من الهزيمة، الانتصار الوهمي، والأدهى الإصرار على الاحتفال به، من باب تأكيد ما ليس مؤكدا. هكذا هو حالنا.. إلى متى؟

احتفل المسلمون بالقنبلة الذرية الباكستانية وسموها نصرا مبينا للمسلمين، وبعد الاحتفال عادت الأمة إلى همّها وغمّها، وصارت ذكرى “القنبلة الإسلامية” مثل الفقاعة. احتفل المسلمون بانفصال باكستان المسلمة عن الهند الهندوسية، وانفصال بنغلاديش المسلمة جدا عن باكستان المسلمة قليلا، وفي الأخير نهض الفيل الهندي ولا نهضت باكستان ولا بنغلادي، والأدهى، كاد المسلمون يحتفلون بالاسم الثاني لباراك (حسين) أوباما. هللنا لصورايخ صدام تمطر إسرائيل، هللنا للعمليات الاستشهادية في تل أبيب، وفجأة انحدرت القضية الفلسطينية إلى مجرّد معركة لرفع الحصار عن منطقة غزة، حيث لا أورشليم ولا هيكل سليمان، ولا مدافن للأنبياء، ولا مستوطنات لليمين اليهودي المتطرف، ولا شيء من الملفات الشائكة.

نحتاج إلى انتصار يخفف عنا آلام الشعور بالهزيمة، نحتاج إلى انتصار فعلي، نحتاج إلى انتصار يثمر نهوضا حضاريا لا مفرقعات في الهواء، لذلك يجب أن نستعيد المعايير الموضوعية فنقول: ليس منتصرا من يُعتدى عليه فلا يسترد شيئا من حقه، ليس منتصرا من لا يتحكم في قواعد الاشتباك، ليس منتصرا من لم يحسم الحرب ولم يُحَسِّن شروط المقاومة، ليس منتصرا من لم يحصد في القتال ورقة قد تنفعه في مفاوضات ما بعد المواجهة. فبأي وجه نقنع أنفسنا بالاحتفال؟

يا أيها الغافلون! الاحتفال بـ”الانتصار” لن يمحو آثار الهزيمة، لكنه قد يمحو آثار العدوان. ارحموا شهداءنا/ شهداءكم على الأقل.


كاتب مغربي

9