وايدمان يستدعي فانون إلى أميركا ما بعد هجمات 11 سبتمبر 2001

الثلاثاء 2014/08/26
مجمل أعمال وايدمان ذات الطابع الملحمي لتاريخ الأميركان ذوي الأصول الأفريقية

باريس- لا يزال الكاتب المارتينيكي فرانز فانون (1925 – 1961) حاضرا في الذاكرة، يستهدي بنضاله المدافعون عن حقوق الإنسان، ويستلهم من سيرته الكتاب الملتزمون بقضايا الفرد والجماعة مادة لإبداعهم. فاسم فانون لا يزال “مثل حزمة ضوء يرسلها منار”، ومشروعه الفكري لم يفقد راهنيته. ذلك ما آمن به الكاتب الأميركي جون إدغر وايدمان، الذي ما فتئ يحاور مثاله وقدوته في هذا العمل الذي بين يدينا، وهو رواية “مشروع فانون” صدرت ترجمتها الفرنسية عن دار غاليمار.

المشروع لزم الكاتب أعواما طويلة، فمنذ أن قرأ كتاب فانون “المعذبون في الأرض” وهو يحلم بالتشبه بمؤلفه، يحلم بأن يسير على خطى ذلك المثقف الملتزم، رمز النضال ضد القهر والظلم والاستعباد، عسى أن يشعل فتيل ثورة تساهم في تحرير العالم من داء العنصرية.

والمعروف أن وايدمان كاتب أسود هو أيضا، وأبطاله ليسوا فقط من زعماء حركات التحرر في إفريقيا مثل باتريس لومومبا، وإنما أيضا من بين المناضلين الأميركان السود مثل جون أفريكا، الذي قاد مجموعة متمردة في فيلادلفيا وقضى نحبه عام 1985 برصاص البوليس، أو مالكوم إكس الذي ثار ضد البيض وندد بعنصريتهم.

سعى وايدمان إذن ولم يفلح، فتخيل شخصا يدعى توماس، هو قناع الكاتب، يحاول أن يكتب نصا يستدعي من خلاله فانون في أميركا ما بعد 11 من سبتمبر، حيث لا يزال الخوف من الآخر -ومن ثَمَّ استعداؤه- حاضرا في الذهن وفي التعامل.


إثارة وتشويق


تبدأ الرواية بتلقي توماس في بيته بنيو يورك طردا بريديا يحوي رأسا مقطوعا، مرفقا بمقولة لفانون: “ينبغي أن ننقل الحرب إلى العدو فورا. ننازله بلا هوادة، ونقطع عنه الأنفاس.” بداية أشبه ببدايات الروايات البوليسية أو روايات الإثارة والتشويق، حيث يجدّ البطل في معرفة هوية الشخص الذي يقف خلف الطرد المرعب، ذلك الغريب الذي ربما أراد إقناعه بأن الكاتب أيضا لا يمكن أن يعيش بمعزل عن عنف العالم، وأنه مطالب بنقله وتفسيره.

ولكن سرعان ما تنحو الرواية منحى آخر، إذ يستحضر الكاتب نشأته في غيتو ببيتسبورغ، وعلاقاته المعقدة بأخيه المهمش، ومعاناة أمه التي كانت تحلم بلقاء فانون، لينسج سردا متشظيا يحاول لملمة الواقع وفهم عالم اليوم وشروره. ثم يمضي في سرد تردد البطل وحيرته في شكل نتف متواترة، ويستدعي بالتوازي سيرة فانون، ذلك المناهض للكولونيالية بأفريقيا في أواخر خمسينات القرن الماضي، متنقلا من مالي إلى المارتينيك حيث العصافير والضفادع والحشرات، وأغوال طفولته وأشباحها تعاوده كل حين في ثوب مستجد، وحيث البيكي (البيض المنحدرون من المستعمرين الأوروبيين الأوائل) يخطرون في صلف وتيه.

ويقفو معه القارئ خطى ذلك الطالب الذي كان يجوب شوارع باريس في شبابه، بعد أن يطوي كتب الطب، ويغادر غرفة السطوح الضيقة، ويتجول ليلا، وحيدا كعادته، لينعم بتلك المدينة الشبيهة بـ”كرة كريستال محمرة” على حدّ تعبيره، ويسمع “قلبا مثل قلبه يَخفق”.

رواية تتداخل في أعطافها مستويات الواقع والمتخيل

ويتواصل تتبع خطى فانون على مدار الرواية، يظهر فيختفي، ويختفي فيظهر، متنقلا من فور دو فرانس مسقط رأسه ومرتع صباه إلى البليدة بالجزائر حيث عيادة الطب النفسي التي كان يعالج فيها مرضاه، ومدينة ليون التي كان نزيل أحد غرفها يملي، وقد اشتد به المرض وألزمه الفراش، نص “المعذبون في الأرض” على زوجته جوزي، وصولا إلى المصحة التي شهدت نزعه الأخير بماريلاند الأميركية.


الواقع والمتخيل


ويبرر المؤلف على لسان مثيله السارد اختياره لفانون بقوله: أردت أن أتشبه به. أن أصبح شخصا يقول الحق عن اللون (لون البشرة) والظلم والقهر، أن أتوصل -من يدري- إلى الإسهام في القضاء على العنصرية. السؤال نفسه يوجهه إياه أخوه حين عاده في سجنه: “لماذا فانون؟ وكانت الإجابة: لأننا لم ننفذ من هذا المستنقع، أما هو، فقد نفذ”.

استطاع الكاتب أن يتناول تلك الثيمات الحساسة، دون الوقوع في الأيديولوجيا الفجة. وذلك ليس بغريب على كاتب في حجم وايدمان، صدر ت له حتى الآن ثلاث عشرة رواية -فضلا عن القصص والدراسات والمقالات- نال عنها جوائز كثيرة بل إنه أول كاتب يفوز بجائزة فوكنر مرتين.

تستمد كتابة وايدمان جذورها من صدمتين فارقتين. الأولى نجدها في روايته “هل أنا حارس أخي؟” حيث أعار قلمَه أخاه روبرت الذي حُكم عليه بالسجن المؤبد إثر عملية قتل، ما سمح للتخييل الروائي بإعادة صياغة الحدث ومنحه أبعادا أكثر كونية. والثانية هي الحضور القوي في مجمل أعماله ذات الطابع الملحمي لتاريخ الأميركان ذوي الأصول الأفريقية، سواء في “حريق فيلادلفيا” أو “تقتيل الماشية” أو في “ثلاثية هوموود” وأخيرا “مشروع فانون”. مشروع تأليف كتاب عن فانون كمنطلق للخلق الأدبي بأن يتأمل ذاته، أن يضع نفسه موضع مساءلة، وأن يطرح السؤال السياسي والميتافيزيقي البارز: “كيف يكون المرء فنانا في بلد تنهشه بارانويا أمنية تغذي كل أشكال العنصرية؟”

إذا هي رواية تتداخل فيها مستويات الواقع والمتخيل بشكل يقارب الفانتازيا أحيانا. ذلك أن وايدمان يكتب في بيت مسكون بالذاكرة والعنف وأصوات الوعي واللاوعي، وبشعب من الملونين، وبالإنسانية جمعاء.

14