وباء كورونا يعلّق العمل في مناسج الريفيات الجزائريات

الصناعة التقليدية في الجزائر تعد ركيزة الاقتصاد الريفي لكن مصير هذه الحرفة تقلص نتيجة غياب السياح في ظل انتشار وباء كورونا الذي عطل حركة الزبائن والبضائع.
الخميس 2020/10/22
حرفة الصبر

يعيش متساكنو المناطق الريفية في الجزائر من الفلاحة والصناعة التقليدية، حيث تعتمد هذه الفئات في جزء من اقتصادها على النساء اللواتي يصنعن السجاد من الصوف بزخارف حفظنها عن الجدات وتباع للسياح والمغرمين بالديكورات المنزلية. لكنّ تفشي وباء كورونا أحال نول النسيج على المعاش بعد أن كسدت تجارة هذه المنتوجات التقليدية.

غرداية (الجزائر)- يشهد السجاد التقليدي المنسوج من الصوف يدويا في الجزائر والذي يشكل مصدر دخل الكثير من النساء والعائلات الريفية، حالة من الركود والمنافسة غير المتساوية بسبب رواج سجاد المصانع وغياب السياح وانتشار وباء كورونا.

وانعكس تراجع تسويق الزربية، وهي التسمية التقليدية للسجاد، على دخل المرأة الريفية بشكل ملحوظ وأيضا لدى تجار الصناعات التقليدية في الأسواق الجزائرية التي هجرها المشترون لاسيما السياح الأجانب، وإقبال الزبائن المحليين على السجاد الصناعي الذي يباع بأسعار مخفضة.

وتتميز الجزائر بستة أنواع رئيسية من السجاد، زربية بابار الأمازيغية بالشرق، وزربيتي النمامشة والحراكتة بالشرق أيضا، إضافة إلى زربية العمور، وهي سجاد عربي تنتجه نساء إحدى قبائل الغرب، وزربية غرداية في الجنوب، وزربية منطقة سيدي بلعباس بالغرب، وتسمى الحنبل، وتعرف كل واحدة بخصوصية نقوشها وتزيينها ورموزها.

يعبر تاجر السجاد بسوق غرداية مصطفى بن زايط عن أسفه لما آل إليه السجاد التقليدي، قائلا “هناك تراجع كبير في نشاط الزربية من حيث الترويج، بالإضافة إلى منتجات تقليدية أخرى بسبب غياب الزبائن، فضلا عن المنافسة الشرسة من قبل السجاد الصناعي الذي يباع بأثمان مغرية”.

وأضاف أن ”الزربية التقليدية، التي تنسجها حرفيات وأغلبهن ماكثات في البيوت، تمر بركود غير مسبوق من حيث تسويقها، نظرا لسعرها المرتفع مقارنة بثمن الزربية الصناعية، فضلا عن غياب السياح الأجانب لاسيما بعد انتشار فايروس كورونا وما فرضه من غلق للحدود”.

تجارة راكدة
تجارة راكدة

وذكر السيد بن زايط أن كل عائلة غرداوية تمارس حرفة النسيج التي تدخل ضمن نشاطها اليومي العادي، حيث تعمل نحو 15 ألف امرأة حرفية بالبيت أو بتعاونيات لاسيما بمدينتي المنيعة وبني يزقن.

واعتبر الحاج بكير، وهو أيضا تاجر سجاد بغرداية، أن “الصناعة التقليدية لاسيما نسج السجاد، تعد ركيزة الاقتصاد الريفي”، لافتا إلى أن مصيرها مرتبط بالسياح ومنظمي الرحلات الدولية والداخلية وزاد من أزمتها انتشار وباء كورونا الذي عطل حركة الزبائن والبضائع.

وبدورها ذكرت الحاجة فاطمة (ربة بيت)، أن صناعة السجاد تعتبر مصدر دخل للعديد من النساء، وتحظى باهتمام كبير من طرف العائلات الريفية، موضحة في ذات الوقت أن هذا التراث يتعرض للخطر بسبب عدم ضمان ”تسويق ناجع”.

وترى أن “حل هذه المشكلة يتطلب تضافر جهود الفاعلين الاقتصاديين والمسؤولين من أجل ترقية وتسويق هذا المنتوج الهام الذي يعتبر مفخرة لكل منطقة من الجزائر”.

وتعد صناعة السجاد التقليدي مهنة خاصة بالمرأة بامتياز، بالإضافة إلى ما تحمله من أبعاد اقتصادية وثقافية تعكس مدى إبداع الحرفية الجزائرية في محافظتها على التراث.

ويُنظر إلى السجاد عموما على أنه لوحة مزخرفة تزدان بها المنازل وتضفي عليها إشراقا، كما أنه ينقل رسائل تعكس ثقافة فنية غنية ومتنوعة بحيث يعتبر العنصر النسوي الركيزة الأساسية للحفاظ عليه ونقله من جيل إلى آخر.

حرفيات السجاد يندثرن
حرفيات السجاد يندثرن

كما يعبر السجاد أيضا بكل أمانة من خلال رموز مميزة عن الانتماء إلى الوسط الاجتماعي لكل منطقة من الجزائر العميقة، ويبرز ثقافة وعادات الأجداد، حيث تمتلك كل منطقة دليلا للرسومات والرموز والزخارف الفنية الخاصة بها، والتي تتمثل عموما في الأشكال الهندسية المتنوعة على غرار المثلثات والمعينات وأيضا الرسوم والهوامش النمطية.

وقال داشا حذر صاحب شركة تصدير للمنتجات التقليدية “إذا تواصل هذا الانهيار، فسنشهد اختفاء السجاد خلال السنوات القادمة”، موضحا أن “عدد الحرفيات في صناعة السجاد لا يزيد اليوم عن 15 ألفا، أغلبهن نساء يعملن بشكل متقطع، كهواية وليس كحرفة.. العدد انخفض من 100 ألف تقريبا عام 1990، حسب إحصاءات وزارة السياحة، إلى 15 ألفا حاليا، والسبب دائما هو غياب العائد المادي من وراء صناعة السجاد، بسبب تراجع سعره في السوق، وارتفاع سعر المادة الأولية”.

كل منطقة في الجزائر تمتلك دليلا للرسومات والرموز والزخارف الفنية والهوامش النمطية الخاصة بها في صناعة السجاد

وأكد مبروك عبدالباقي، صاحب محل لبيع الزرابي في غرداية، ذلك قائلا “قبل 25 سنة كانت المدينة تعج بالسياح وتشتهر بأنها أكبر سوق لبيع السجاد في الجزائر.. كان عدد السجاد المتداول في سوق غرداية يزيد عن 100 ألف سنويا، أما اليوم فلا نبيع إلا عددا قليلا منه”.

وبحزن تابع عبدالباقي أن “إنتاج السجاد تقلص هنا إلى درجة أن عدد الحرفيات المنتجات للسجاد لا يزيد اليوم عن العشرات في مدينة كانت توصف بأنها عاصمة السجاد في الجزائر.. وإذا تواصل الوضع الحالي، فستنقرض هذه الحرفة”.

وقالت هاجر حملاوي، وهي صاحبة ورشة صغيرة لإنتاج السجاد في مدينة تقرت (600 كلم جنوب شرق العاصمة)، إن “تقرت معروفة بإنتاج أنواع من الزرابي التقليدية، لكننا نواجه مشكلة كبيرة في تسويقها بسبب عدم وجود معارض ومحلات متخصصة في تسويق السجاد على مدار السنة”.

وتابعت حملاوي “تعمل في ورشتي 11 سيدة في صناعة أنواع عدة من السجاد، وأجد صعوبة في تسديد رواتبهن الشهري، بسبب ضعف الطلب على السجاد، وأفكر جديا في تسريح نصف العاملات”.

واعتبرت أن “الطريقة الوحيدة التي نتمكن بها من تصريف منتجاتنا هي عبر المشاركة في المعارض التي تنظمها السلطات للترويج للمنتجات التقليدية.. لكن الطريقة الأفضل لإنقاذ قطاع إنتاج السجاد هي تصديره إلى الخارج والترويج له بشكل أفضل في العالم”.

20