وباء كورونا يقدم درسا للعالم في انخفاض انبعاث الغازات

الطاقة الشمسية الملك الجديد لأسواق الكهرباء في المستقبل.
الأربعاء 2020/10/14
أمّنا الأرض تختنق

هل كان العالم ينتظر الحجر الصحي الذي فرضه تفشي فايروس كورونا ليتعلم ترشيد استهلاك الطاقة والتخفيض من انبعاث الغازات الدفئية؟ اليوم باتت الدول تكثّف جهودها للتقليص من خطر استهلاك الفحم والنفط والتوجه إلى الطاقات المتجددة كاستعمال الطاقة الشمسية في إنتاج الكهرباء.

باريس ـ تدعو الوكالة الدولية للطاقة إلى تكثيف الجهود للتوصل إلى خفض مستديم لانبعاث الغازات الدفيئة، راسمة لأول مرة سيناريو لتحقيق الحياد الكربوني والتوجه نحو الطاقة الشمسية كمصدر للكهرباء، وذلك في تقريرها السنوي الصادر الثلاثاء.

وأحدث وباء كورونا بلبلة في عالم الطاقة، إذ تتوقع الوكالة في تقديراتها الأخيرة تراجعا بنسبة 5 في المئة في الطلب هذه السنة، مقابل انخفاض انبعاث ثاني أكسيد الكربون على ارتباط بقطاع الطاقة بنسبة 7 في المئة وانخفاض الاستثمارات في هذا القطاع بنسبة 18 في المئة.

وقالت الوكالة التي تتخذ من باريس مقرا لها “تسببت أزمة كورونا  في اضطراب أكثر مما يسببه أي حدث آخر في التاريخ الحديث، وتركت ندوبا ستستمر لسنوات قادمة. أطلق الوباء أزمة شرسة استثنائية على البلدان في جميع أنحاء العالم”، مضيفة “الأزمة لا تزال تتكشف اليوم، ولا تزال عواقبها على مستقبل الطاقة في العالم غير مؤكدة إلى حد كبير”.

وتتوقع ألا يعود الطلب على الفحم والنفط إلى مستويات ما قبل الوباء، حيث سيتراجع الطلب عليهما بنسبة 8 و7 في المئة على التوالي، في حين أن الطاقات المتجددة ستكون في وضع أفضل. لكن بمعزل عن هذه الأزمة، تدعو الوكالة الدولية إلى التحرك بشأن المناخ.

وحذر مديرها التنفيذي فاتح بيرول من أنه “على الرغم من تراجع قياسي في انبعاث الغازات العالمي هذه السنة، فإن العالم بعيد عن بذل ما يكفي من الجهود لوضعه على سكة انخفاض حاسم”.

وتابع، “وحدها التغييرات الهيكلية في أنماط إنتاجنا واستهلاكنا يمكنها وقف توجه انبعاث الغازات الدفيئة بشكل نهائي”.

وتعتقد وكالة الطاقة الدولية أن مصادر الطاقة المتجددة ستتخذ من الآن فصاعدا “أدوارا رئيسية”، وأن الطاقة الشمسية ستحتل مركز الصدارة، مدفوعة بالسياسات الحكومية الداعمة وتراجع التكاليف.

الطاقة المتجددة ستشكل 80 في المئة من نمو توليد الكهرباء
الطاقة المتجددة ستشكل 80 في المئة من نمو توليد الكهرباء

ومن المنتظر أن تشكل الطاقة المتجددة ما نسبته 80 في المئة من نمو توليد الكهرباء على مستوى العالم في ظل الظروف الحالية.

وأضافت الوكالة أن الحصة المجمعة للطاقة الشمسية التي تعمل بالخلايا الكهروضوئية وطاقة الرياح في توليد الكهرباء عالميا سترتفع إلى ما يقرب من 30 في المئة عام 2030 بعد أن كانت ثمانية في المئة عام 2019، مع نمو قدرات الطاقة الشمسية الكهروضوئية بنسبة 12 في المئة سنويا.

وقال فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، “أرى الطاقة الشمسية تصبح الملك الجديد لأسواق الكهرباء في العالم”، مضيفا “استنادا إلى إعدادات السياسة الحالية فإنها تسير على الطريق الصحيح لتعيين سجلات جديدة للنشر كل عام بعد عام 2022 في ما يتعلق بالانتشار”.

وكما في كل سنة، تعرض الوكالة الدولية للطاقة في تقريرها الواقع في أكثر من 450 صفحة سيناريوهات مختلفة للمستقبل.

ولا يفضي السيناريو المبني على السياسات والالتزامات الحالية، ولا ذلك القائم على فرضية انتعاش اقتصادي متأخر أكثر، إلى تراجع مستديم في انبعاث الغازات يفوق النسبة المتوقعة لهذه السنة.

وقررت الوكالة وضع سيناريو جديد تحت عنوان “صافي انبعاثات صفر”، وهو يمضي أبعد من السيناريو المعروف بـ”التنمية المستدامة” الذي حددته.

ووضعت شركات وبلدان ومناطق، في طليعتها الاتحاد الأوروبي، هدف تحقيق الحياد الكربوني بحلول منتصف القرن الحالي من أجل الحد من التغيّر المناخي. وهي تفترض خفض انبعاث ثاني أكسيد الكربون إلى أقصى حد ممكن والتعويض عن الانبعاثات المتبقية بوسائل مختلفة لامتصاص هذا الغاز مثل الأحراج ووسائل احتجاز الكربون.

Thumbnail

ويفترض سيناريو الحياد الكربوني هذا سلسلة من التحركات الجذرية خلال السنوات العشر المقبلة؛ فخفض انبعاث الكربون بنسبة تقتصر على 40 في المئة يتطلب مثلا رفع حصة مصادر توليد الكهرباء منخفضة الانبعاثات إلى حوالي 75 في المئة من الإنتاج بالمقارنة مع أقل من 40 في المئة حاليا، وأن تشكل السيارات الكهربائية أكثر من 50 في المئة من مبيعات السيارات في العالم مقابل 2.5 في المئة حاليا.

وقالت وكالة الطاقة إن التكنولوجيا “الناضجة” وآليات الدعم خفّضتا تكاليف التمويل لمشاريع الطاقة الشمسية الكهروضوئية الكبرى، مما ساعد على خفض تكاليف الإنتاج بشكل عام.

وشددت على أن “كهربة الطاقة وتحسين كفاءة استخدام الطاقة بشكل مكثف وتغيير السلوك، كلها تلعب دورا، وكذلك تسريع الابتكار في مجموعة واسعة من التقنيات مثل أجهزة إنتاج الهيدروجين بالتحليل الكهربائي والمفاعلات (النووية) ذات الوحدات الصغيرة”.

وأشارت إلى أن الطاقة الشمسية الكهروضوئية هي الآن أرخص من محطات الكهرباء الجديدة التي تعمل بالفحم أو الغاز في معظم البلدان. وأضافت الوكالة أن توليد الكهرباء من المصادر المتجددة هو المصدر الرئيسي الوحيد للطاقة الذي يواصل النمو في عام 2020.

وشددت على وجوب مشاركة الجميع في هذا المجهود غير المسبوق، بما في ذلك الحكومات والشركات والقطاعات المالية، وأيضا المواطنون العاديون الذين ينبغي عليهم القيام بخيارات حاسمة بشأن التدفئة والسفر مثلا.

ولطالما تعرضت الوكالة الدولية للطاقة التي تقدم النصح للدول المتطورة بشأن سياساتها في مجال الطاقة، لانتقادات أنصار حماية البيئة الذين يؤاخذونها على حذرها المبالغ فيه وقلة طموحها في مجال المناخ والدور الذي تمنحه للغاز كطاقة انتقالية والأمل الذي تعقده على تقنيات مثل احتجاز الكربون وتخزينه.

الطلب على الفحم والنفط لن يعود إلى مستويات ما قبل كورونا حيث  سيتراجع بنسبة 8 و7 في المئة على التوالي
الطلب على الفحم والنفط لن يعود إلى مستويات ما قبل كورونا حيث  سيتراجع بنسبة 8 و7 في المئة على التوالي

وتقريرها الأخير لا يرضي بعض المنظمات غير الحكومية المدافعة عن البيئة.

وأعلنت منظمتا “ريكلايم فاينانس” و”أويل تشاينج إنترناشونال” أن “الوكالة الدولية للطاقة تتوقف في منتصف الطريق: صافي الانبعاثات الصفر سيناريو غير كامل يقتصر على عشر سنوات ولا يزال يراعي الطاقات الأحفورية من خلال المراهنة على نشر تكنولوجيات غير مؤكدة”.

ورأى رومان يوالالن من “أويل تشاينج إنترناشونال” أن هذه المبادرة هي “خطوة أولى مفيدة، لكن طالما أن هدف 1.5 درجة كسقف للاحترار لم يوضع ضمن كل أدواتها وتقاريرها، فإن الوكالة الدولية للطاقة ستواصل حماية مصالح الصناعة الأحفورية وستكون عقبة في وجه التحرك من أجل المناخ”.

20