وثائقيات "دبي السينمائي" محاورة للتاريخ وكشف للمستور

الخميس 2013/11/28
من وثائقيات المهرجان

دبي - تؤكد قائمة الأفلام الوثائقية العربية، التي تمّ اختيارها للتنافس على جوائز "المهر العربي"، في الدورة العاشرة لمهرجان دبي السينمائي الدولي التي من المزمع انعقادها من 6 إلى 14 ديسمبر القادم، على قدرة الأفلام الوثائقية على الاستفادة من الرؤى الشخصية، والتقنيات التجريبية، لسرد روايات واقعية، خصوصا ونحن نشهد هذه الأيام نماذج بديعة من هذا النمط السينمائي المؤثر، وفقا للمدير الفني للمهرجان مسعود أمرالله آل علي، الذي أشار أيضا إلى أن الأفلام الوثائقية حظيت بحضور قويّ في العالم العربي، وقد شهدت تطوّرات جذرية، مع حالة الحراك العربي، لم تكن متوفرة في السابق.

قال آل علي في معرض تصريحاته عن أفلام قائمة النهائية المُرشّحة للتنافس على جائزة "المهر العربي للأفلام الوثائقية"، "تمكّنت من إبراز ملامح تلك المتغيرات، بكل جرأة، وعكست مختلف جوانب المجتمع، من وحي الشارع العربي، وتتميز بثراء فحواها، وتطرّقها لعدد من المواضيع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، المتداخلة، التي شكّلت ملامح المنطقة، خلال العقود الماضية وحتى اليوم، وهذه هي القوة الكامنة للأفلام الوثائقية التي تُعتبر الأداة الأوفر للكشف عن الكثير من مخزون الأحداث التاريخية الكبرى، التي أُريد لها أن تبقى طيّ النسيان، أو التجاهل".


15 فيلما

وكشف عرفان رشيد مدير البرامج العربية بالمهرجان أن القائمة تضم 15 فيلما من أفضل الأفلام الوثائقية التي أنتجتها السينما العربية، وتأتي بمثابة تأصيل تاريخي لواقع سيظل محفورا في تاريخ هذه الأمة، وذلك كعامل مشترك بين جميع الأفلام المشاركة هذا العام، بيد أنها تختلف في التناول والطرح وبؤر التركيز، ما جعلها أشبه بمجهر، يستكشف أدق التفاصيل وبكافة الأبعاد ليشخّص حال هذا الوطن".

تضم القائمة فيلم المخرجة ساره فرانسيس بفيلم "طيور أيلول"، الذي يستكشف شوارع بيروت، من خلال كاميرا داخل شاحنة. على طول الطريق، يجلس بعض الأشخاص داخل الشاحنة، ليعبروا عن شعور، أو حالة ما. كل واحد منهم هو عبارة عن وجه وجسم وصوت ومشاعر ووجهة نظر وذاكرة. اعترافاتهم صادقة وحميمة. سرعان ما تفرغ العربة، وتطوف بيروت، بحثا عن شيء، أو شخص ما.

أما "حبيبي بيستناني عند البحر" للمخرجة ميس دروزة، فيروي قصة المخرجة، التي قامت لأول مرة برحلة عودة إلى وطنها فلسطين. لقد غادرت عزلتها، ولحقت بحبيبها حسن، الذي لم تلتقِ به أبدا. حسن، الفنان الفلسطيني الذي كشف لها النقاب عن عالم مثالي جميل. في أرض مجزّأة مغمورة بسنوات طويلة من النضال، وجدت ميس حبها الوديع، ينتظرها في وطن محميّ ومتماسك بفضل فلسطينيي اليوم، أولئك الفلسطينيون الذين تصدّوا لواقعهم اليومي، دون اكتراث لحاجيّاتهم الشخصية، من خلال التشبّث بأحلامهم.

ومن مصر، يحضر المخرج محمد القليوبي، بفيلمه "اسمي مصطفى خميس"، الذي يفتح للمرة الأولى ملفا غامضا، ظلّ مغلقا أكثر من ستين عاما، منذ ثورة يوليو 1952، رغم تأثيره العميق على تاريخ مصر المعاصر، والثمن الفادح الذي دفعه الشعب المصري نتيجة لهذا الحدث، الذي حاول البعض التقليل من قيمته، وحاول الكثيرون من الساسة في مصر المعاصرة غضّ الطرف عنه. يعود الفيلم إلى "كفر الدوّار"، التي شهدت، بعد ثلاثة أسابيع فقط من قيام ثورة يوليو، إضرابا سلميا لعمال مصنع غزل النسيج، فكانت نهايته دامية، بشكل مفجع. ويتطرّق فيلم "البحث عن ساريس"، للمخرجة جنان كولتر، لقضية فلسطين في الماضي والحاضر، وشهادات المُصمّمين على العودة، حيث تتنقل الكاميرا إلى مخيم قلنديا للاجئين في الضفة الغربية، ورحلة بالسيارة مع ثلاثة من اللاجئين، في قالب من الاستعارة القوية، التي تعكس الضياع، ومحاولة استكشاف الماضي.

ننتقل إلى لبنان، ونساء سجن بعبدا، اللواتي يشكّلن المحور الأساسي لفيلم "يوميّات شهرزاد"، الذي تمّ تصويره أثناء جلسات العلاج بالدراما والمسرح، التي أقامتها مخرجة الفيلم زينة دكاش عام 2012، داخل السجن. تغوص السجينات في أعماق تجاربهنّ الذاتيّة، ويعبّرن عن صعوبة حياة المرأة في مجتمع تحكمه العقلية الذكورية، من خلال تقديم أول عمل مسرحي داخل أسوار سجن نسائي عربي. ومن لبنان أيضا يتحدث فيلم "أرق" للمخرجة ديالا قشمر عن شبان مهمشين في وطنهم.

من أجواء الصراعات والمعاناة، إلى الغناء الشعبي الذي تتميز به الأحياء الشعبية في مصر، وفيلم "اللي بيحب ربنا يرفع ايده لفوق" للمخرجة سلمى الطرزي، الذي تسجّل من خلاله إحدى طفرات هذا اللون الغنائي الشعبي، الذي لم يكن يتقبّله الكثيرون فيما سبق، ولكنه أصبح، بعد الثورة المصرية، الموضة الموسيقية الجديدة، ولفت انتباه وسائل الإعلام. ومن مصر أيضا يحضر فيلم "الميدان" للمخرجة جيهان نجيم، وفيلم "موج" للمخرج أحمد نور.

صراعات متنوعة

تأخذنا المخرجة سارة إسحق، في فيلم "بيت التوت"، في رحلة إلى حياتها الشخصية. عندما كانت فتاة يافعة، لم تعد تطيق العيش تحت وطأة ضغوط الحياة في اليمن، فقرّرت -وهي ابنة لأب يمني وأم اسكتلندية- الرحيل إلى اسكتلندا، حيث تعيش والدتها. كان لوالدها شرط وحيد، هو أن تحافظ على هويتها اليمنية.

أما فيلم "الحي يروّح"، للمخرج التونسي محمد أمين بوخريص، فيعود إلى يناير 2011، والانتفاضات الشعبية في تونس، والدموية في عدد من بلدان العالم العربي، ضدّ الأنظمة المستبدّة. يُلاحق الفيلم ستة من مراسلي الحروب، أولئك الذين على موعد مع التاريخ، لا يمكن لهم التغيّب عنه.

وفي إطار عائلي بأبعاد تاريخية يتناول المخرج فيليب عرقتنجي الأحداث السورية في "ميراث"، حيث يُجبر هو شخصيا للمرة الثالثة على مغادرة وطنه، فيثير ذلك في نفسه تساؤلات وتأملات. وكيف واصلت عائلته على مدى خمسة أجيال الهرب من الحروب، فيعود إلى محاولة اكتشاف أصوله، ابتداء من سقوط الدولة العثمانية، مرورا بتأسيس إسرائيل، والحرب الأهلية اللبنانية.

ويتطرّق "لوبيا حمرا"، الوثائقي المُبتكر، للمخرجة الجزائرية ناريمان ماري بن عامر، لقضية الصراعات التي استنزفت قدرات الجزائر عقودا من الزمن، في تجسيد لتلك الحقبة، عبر مشاهد يرسمها الأطفال، من خلال وهمهم البريء. أما "الواد، الواد"، للمخرج عبدالنور زحزاح، فيتتبع نهر "الواد" العظيم، من منبعه عند قمم سلسلة جبال الأطلس، في بليدة، إلى مصبه بالبحر المتوسط، على بعد كيلومترات قليلة من العاصمة الجزائرية. يستكشف الفيلم مختلف الوجوه الجزائرية، وثراء العلاقة الإنسانية والعادات والتقاليد.

وتأخذنا المخرجة دليلة النادر، في "صوت المدينة"، لسماع حس "كازابلانكا" الخافت كل ليلة، عند عتبة بيت أحد سكانها، ليخبرنا عمّا يربط هذه المدينة بالشخصية التي تُقدّم لنا. يرصد الفيلم الحياة اليومية لشخصياته، لتخبرنا عمّا له علاقة بواقعهم، مثل الهجرة غير الشرعية، وحياتهم الجنسية، والبطالة، لينتهوا جميعا متسائلين السؤال نفسه: كيف للحياة أن تكون أفضل بين بلدان الشمال والجنوب؟. سيختلط الواقع بالسحر ليبني دراما هذا الفيلم، كاشفا لنا وجها إنسانيا عابرا للقارات.

16