وثائقي يرصد رحلة الموت من مخيم اليرموك بسوريا إلى أوروبا

المخرجة باولا بالاسيوس تعرض معاناة اللاجئين الفلسطينيين من خلال محنة امرأة ذاقت مع أسرتها مرارة الموت في رحلة الهرب من مخيم اليرموك بسوريا إلى ألمانيا.
الاثنين 2018/08/06
الأم "زهرة" في جانب من الفيلم.. وفي الخلفية ابنتها المعاقة ذهنيّا

ينفعل الكثير من المخرجين الغربيين بأزمات الأمة العربية، ويطرحونها فنيّا وفق منظورهم الخاص، الذي قد يكون محايدا موضوعيّا أو مصطبغا بخلفياتهم الشخصية وانتماءاتهم المغايرة. وتشكل القضية الفلسطينية وشؤون اللاجئين والحرب السورية أبرز الموضوعات التي تصورها الأفلام الغربية، ومنها الوثائقي الإسباني “رسالة زهرة” للمخرجة باولا بالاسيوس

القاهرة – يفجر الفيلم الوثائقي الإسباني “رسالة زهرة” للمخرجة باولا بالاسيوس، الذي عُرض في القاهرة أخيرا، قضية اللاجئين الفلسطينيين من خلال تصويره محنة امرأة ذاقت مع أسرتها مرارة الموت في رحلة الهرب من مخيم اليرموك بسوريا إلى ألمانيا.

ست عشرة دقيقة فقط هي مدة عرض الفيلم الوثائقي الإسباني “رسالة زهرة” بمركز الهناجر للفنون في القاهرة، ضمن نشاط سينما دول البحر المتوسط الذي ينعقد في ختام كل شهر بالتعاون بين صندوق التنمية الثقافية والجمعية المصرية لكتّاب ونقاد السينما.

هذه الدقائق القليلة للفيلم، كانت كافية للمخرجة باولا بالاسيوس، صاحبة الرصيد الثريّ من الأفلام المهتمة بالمنطقة العربية وعلاقة الشرق بالغرب، لصياغة رؤية تحليلية وفنية تستوعب الأحداث الجسام في الوقت الراهن، ومنها مأساة اللاجئين الفلسطينيين، بخاصة في ظل تداعيات الحرب السورية.

كثفت باولا عملها ليكون بمثابة صرخة إنسانية تقول كل شيء، وتمتد بمصاحبة شبح الموت من عاصمة الشتات الفلسطيني في مخيم اليرموك السوري للاجئين، إلى محطات اللجوء الجديدة في العواصم الأوروبية، مرورا بنيران المعارك المتأججة وقوارب الهجرة غير الشرعية ودوّامات البحر.

يدور الفيلم باللغة العربية، مع ترجمتين إلى الإنكليزية والإسبانية، وبطلته هي “زهرة”، المرأة الفلسطينية التي كانت مثل آلاف اللاجئين تسكن في مخيم اليرموك بدمشق، وتعتبره “وطنا بديلا”.

هذه الأم اضطرتها الحرب السورية وظروف القتال والحصار إلى الهرب إلى أوروبا برفقة ابنتها المعاقة ذهنيّا، بعدما فقدت ابنها أسامة الذي جرى اعتقاله والتعامل معه كإرهابي، ثم تم قتله في ظروف غامضة.

وتسترجع زهرة من قلب منفاها الجديد بألمانيا كل ما حدث لها ولأسرتها من أهوال في رحلة الموت، من خلال رسالة يائسة تكتبها لابنها الفقيد، تحكي له فيها كل ما جرى، وتسأله عن سبب قتله الذي يظل مجهولا، فهي لا تصدق إشعار الوفاة الذي سلمته لها السلطات، ويقول إن موته بسبب توقف القلب.

ويعد مخيم اليرموك، الذي تأسس في 1957 بمحافظة دمشق، أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في سوريا، ومع اندلاع الحرب السورية منذ سبع سنوات، تعرض المخيم للعديد من الهجمات والحملات العسكرية، وصار بؤرة للصراع بين أطراف النزاع.

الفيلم يستعرض ويلات الهجرة غير الشرعية، والتنقل بقوارب صغيرة فوق الأمواج المتلاطمة من بلد إلى بلد

من خلال سطور معبّرة، جياشة بالمشاعر، تكتبها زهرة لابنها الراحل بدموعها المنحدرة بصدق، يصوّر الفيلم ببراعة تفاصيل هرب الأم وابنتها من جحيم الحرب، للحاق بالأب الذي هرب بدوره في وقت سابق إلى ألمانيا.

ويستعرض الفيلم بأناة وعمق ويلات الهجرة غير الشرعية، والتنقل بقوارب صغيرة فوق الأمواج المتلاطمة من بلد إلى بلد (تركيا، اليونان، صربيا، المجر)، قبل بلوغ جهة الوصول.

تلعب الكاميرا الحساسة على أوتار التفاصيل الدقيقة، من خلال رصد انفعالات الأم وقسمات وجهها ونبرات صوتها وهي تحكي مأساة أسرتها، وتتفقد أحوال ابنها الذي لا يجيب بطبيعة الحال، وذلك بمصاحبة موسيقى الوتريات الحزينة. وتأتي “مونولوجات” الأم مغلفة عادة بغلالات شعرية مؤثرة “ستنتهي الحرب يا ابني، وسأراك مرة أخرى”.

حياة اللاجئين في أوروبا هي أيضا محنة ومعاناة، مثلما تحكي زهرة لابنها في الفيلم، فهي تجد صعوبة في تعلم اللغة والتواصل مع الآخرين والتكيف مع المجتمع الجديد، ويشتد عليها المرض يوما بعد يوم نتيجة للوهن الروحي في المقام الأول. كما أنها تبقى أبدا أسيرة لذكرياتها المريرة “غير سعيدة في ألمانيا من دونك يا حبيبي. لقد اجتمعنا هنا، لكن حياتي هناك، هل تذكر رمضان الأخير الذي قضيناه معا في اليرموك؟”.

هذا التمكن الفني للمخرجة باولا بالاسيوس في تناولها للأحداث وتعاملها الرشيق مع الصورة والصوت والحركة والإضاءة وسائر عناصر الصنعة السينمائية السليمة، لا يعفيها من طرح سؤال حول مدى التزامها بشروط الفيلم الوثائقي بوصفه فيلما يعرض حقيقة علمية أو تاريخية أو سياسية بصورة حيادية دون إبداء رأي فيها.

يتضمن الفيلم الوثائقي، وفق تعريفه، سردا تاريخيّا أو سياسيّا أو رصدا لحرب أو حدث ما، ويقع دائما تحت شروط التوثيق الفعلية، دون إدخال عناصر خارجية، وبغير توجيه أو تأثير متعمد، ودون أن يقترح صنّاع الفيلم وجهة نظرهم الخاصة إزاء ما يجري تصويره وبثه بشكل موضوعي.

يتعامل فيلم “رسالة زهرة” مع القضية الفلسطينية من خلال أفراد مغلوبين أو حالات إنسانية مقهورة ومغدورة، وليس على مستوى الوطن المسلوب والأرض المغتصبة والحقوق الجماعية المهدرة، فهو لم ترد فيه مفردة “فلسطين” أو أي معنى من معانيها كقضية عربية محورية، بالمفهوم الأشمل.

يصور الفيلم الأم زهرة نفسها كما لو أنها “يرموكية”، إذ تقتصر ذكرياتها وأحلامها على الرجوع إلى ذلك المخيّم المخصص للاجئين في سوريا، فهو بالنسبة إليها “عاصمة فلسطين”، وهي تقول صراحة إن وطنها هو ذلك المخيّم، فإن خرجت منه فكل الأمكنة في العالم سواء بالنسبة إليها، وحتى بلاد الشام فإنها لا تختلف عن أوروبا، طالما أنها فارقت اليرموك.

جانب آخر تبرزه المخرجة يبدو متعارضا مع رغبتها المفترضة في إبداء التعاطف مع قضايا اللاجئين الفلسطينيين في أوروبا، هو إمعانها في نقل صورة الترف والبذخ في المأكل، عند تناول الأسرة الفلسطينية الطعام في بيتها بألمانيا، حيث استعرضت الكاميرا صنوف الطعام الكثيرة كالتي تعد في الولائم، وهو أمر لا يتسق مع معاناة الأسرة وأحزانها، ويقلل من فرص التضامن معها بالنسبة إلى المُشاهِد الأوروبي.

في المحصّلة، فإن فيلم “رسالة زهرة” رؤية فردية لمعاناة أفراد من اللاجئين، اجتهدت المخرجة باولا بالاسيوس في الاشتغال عليها وفق معطياتها وتأويلاتها الذاتية لنقل صورة أرحب عن أوضاع الفلسطينيين النازحين وتداعيات الحرب السورية، ويفيد الفيلم بالتأكيد في نقل هذه الصورة إلى العالم، وليس بالضرورة الاتفاق مع كل جوانبها.

14