وثائق بيع العملة تفجر معركة حتمية على الفساد في العراق

كشفت الوثائق التي أودعها السياسي العراقي الراحل أحمد الجلبي لدى صحيفة المدى العراقية، عن أكبر منافذ الفساد التي تسرب منها 312 مليار دولار عبر مزادات البنك المركزي لبيع العملة. ويبدو اليوم من المؤكد أن تلك الوثائق ستعصف بالخارطة السياسية في البلاد بسبب الأدلة على تورطها في عمليات الفساد.
الأربعاء 2015/11/18
تفاصيل أرقام الفساد تعطي زخما جديدا للمتظاهرين

لندن – دخلت جهود الكشف عن الأموال العراقية المنهوبة مرحلة خطيرة، لا يمكن العودة عنها، وهي تنذر بمخاض عسير قد يدخل البلاد في صراعات أشرس من المراحل التي سبقتها، لأنها تمس معظم الكتل السياسية المتنفذة وترتبط بجيوش كبيرة من المنتفعين من تلك الأموال المنهوبة.

وكشفت الوثائق نموذجا لعمليات بيع العملة من قبل البنك المركزي العراقي، والتي يصل مجموعها، خلال حكم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بين عام 2006 إلى منتصف العام الماضي نحو 312 مليار دولار.

وتظهر النسخ الأولى من الوثائق تفاصيل مشتريات بنك الهدى، التي بلغت منذ عام 2012 إلى بداية العام الماضي أكثر من 6.455 مليار دولار فقط، لكنها تقول أيضا إنها مجرد نموذج لما حصلت عليه عشرات المصارف المرتبطة جميعها بالأحزاب السياسية المتنفذة.

ولا يمثل ذلك المبلغ سوى أقل من 5 بالمئة من حجم مزادات العملة التي باعها البنك المركزي، بحسب سجلاته الرسمية خلال الأعوام الثمانية التي تولى فيها نوري المالكي رئاسة الوزراء.

ويؤكد نموذج الوثائق أن بنك الهدى، الذي يديره ويملك حصة في أسهمه حمد ياسر محسن، قام بتحويل معظم تلك المبالغ إلى حساب شركة المهج للصرافة في الأردن، التي يملكها مدير المصرف. كما تشير الوثائق إلى تزوير ومخالفات في عملية شراء مصرف الهدى للدولار، لأن المصرف لم يذكر الشركات التي قام بشراء الدولار لحسابها.

وقد تعقبت اللجنة المالية 32 شركة، قام بنك الهدى بتحويل مبالغ إليها، ليتبين من خلال السجلات الحكومية أن 3 منها فقط هي شركات مسجلة، وأن البقية شركات وهمية.
الوثائق التي كشفها السياسي العراقي الراحل أحمد الجلبي نقلة نوعية في تاريخ ملفات الفساد العراقية

ويتندر العراقيون على أسماء الشركات، التي كشفتها اللجنة، والتي يقولون إنها تكشف نوعية الأشخاص الضالعين في عمليات الفساد، ومنها “زهو الرشاقة” و“بريق الصفصاف” و“العين الساحرة” و“الوردة البنفسجية” و“ريانة العود” و“المروج الفتية”.

ويعود معظم “التزوير والمخالفات والجرائم” إلى أروقة البنك المركزي الذي سيطر عليه المالكي، وقام بتعيين مقربين منه في جميع مفاصله، واتسعت هيمنته بعد إقالة محافظ البنك سنان الشبيبي في نهاية عام 2012، لعدم خضوعه لإملاءات المالكي، بحسب تصريحات الشبيبي.

وكان آخر قرار للمالكي قبل خروجه من رئاسة الوزراء تعيين أحد أقارب مساعديه محافظا للبنك المركزي وهو علي العلاق، الذي لا يزال اليوم في منصبه، ما يؤكد نفوذ المالكي الحاسم في نشاط البنك المركزي حتى اليوم.

وتقول وثائق اللجنة المالية في البرلمان إن البنك المركزي لا يزال يمتنع عن تقديم إجابات أو “تزويدنا بمعلومات كاذبة من شركات التحويل المالي” أي أن البنك المركزي لايزال ضالعا في الجرائم المالية حتى الآن.

وتسوق الوثائق مثالا على أنها طلبت من البنك المركزي معلومات عن حساب شركة المهج للتحويل المالي لدى شركة الراوي للصرافة في الأردن، وأن البنك أجابها بعدم وجود تعامل بين الشركتين خلال عام 2014.

لكن اللجنة كشفت عن وجود ما لا يقل عن “53 معاملة بين الشركتين مجموع تعاملاتها أكثر من 547 مليون دولار” وأرفقت صورا لجدول التعاملات لتثبت أن البنك المركزي يقوم بتزوير الحقائق.

ويبدو أن تفاصيل الوثائق، التي لم تكشف صحيفة المدى سوى عن جزء بسيط منها، ستعصف بملفات الفساد وتفجر مواجهات كبيرة بين الأطراف السياسية الضالعة فيها. ومن غير المستبعد أن تؤدي إلى صراعات واغتيالات لطمس معالمها وتقطيع الخيوط التي تقود إلى كبار المستفيدين من صفقات الفساد.

لكن من المؤكد، أن واقع ملفات الفساد لن يعود إلى الوراء وإلى واقع الاتهامات العشوائية التي هيمنت عليه سابقا، لأن الأرقام التي تضمنتها الوثائق، يمكن التأكد منها ومتابعتها من خلال مراكز التحويل العالمية الرئيسية، التي تمر من خلالها عمليات التحويل وخاصة في الولايات المتحدة. العائق الأكبر هو أن البنك المركزي، يبدو ضالعا في تلك الجرائم المالية، وهو الوحيد الذي يخوله القانون العراقي والدولي صلاحية “الحصول على كافة المعلومات عن حسابات البنوك العراقية في الخارج وحسابات شركات التحويل المالي”.
اللجنة المالية تحذر من استمرار سياسات البنك المركزي، الذي يهيمن عليه أتباع نوري المالكي

وتؤكد الوثائق وجود العشرات من المصارف الأخرى التي قامت بنشاطات مماثلة، وتذكر أن لديها “معلومات تفصيلية حول تعاملات مصرف الشرق الأوسط” تظهر “أن أصحاب الأسهم في المصرف وهم عائلة علي محمد غلام، استحوذوا على أسهم المصرف واستعملوا شركة الندى للتحويل المالي التي يملكونها للقيام بعمليات مشابهة”.

وتضيف الوثائق أن “هناك أيضا أدلة على أن مصرف اربيل قام في سنة 2014 بعمليات مشابهة مع مصارف وشركات تحويل مالي عراقية وشركات صرافة في الأردن والإمارت وتركيا”.

وطالبت “هيئة النزاهة بتخصص فرق متعددة من المدققين للقيام بالتحقيقات وإعلامنا بالنتائج ونحن على استعداد للتعاون وتزويد الهيئة بما لدينا من وثائق ومعلومات”.

وتنسب إلى الجلبي، لأنه كشف عنها ولأنها تحمل توقيعه، لكنها في الواقع صادرة عن اللجنة المالية في البرلمان التي يرأسها، ومن المرجح أن لا يكون الجلبي هو الذي كشف عن التفاصيل التي تتضمنها، بل ربما قد يكون خلفها أقل أعضاء اللجنة تورطا في الفساد.

وهناك اعتقاد شائع بأن كرة تلك الوثائق تدحرجت وكبرت ولم يعد بالإمكان إيقافها، وأنها قد تكون أحد أسباب غياب أحمد الجلبي المفاجئ أو تغييبه لأن نيرانها ستمتد إلى معظم حلفائه السياسيين، وقد تصل إليه في وقت لاحق، بسبب الملفات الكثيرة المرتبطة به شخصيا.

وتكشف الوثائق أن اللجنة حذرت الجهات الحكومية من أن الموضوع خطير جدا، وأن “البنك المركزي العراقي بدأ يلجأ إلى بيع الدولار من احتياطي البنك بعد أن أصبح دخل العراق من مبيعات النفط أقل من بيع الدولار بالمزاد”. وقالت الوثائق إنه “إذا استمر الأمر على هذه المنوال فإن احتياطي العملة الأجنبية في العراق سيتعرض للخطر”.

وفي ظل ذلك التحذير والاتهامات المباشرة للبنك المركزي، فإن العراق يبدو بحاجة ماسة لتفكيك الشبكة التي لا تزال تتحكم بنشاط البنك المركزي، وتعيين جهاز جديد لإدارة البنك قبل فوات الأوان.

ويبدو من المستبعد أن تملك حكومة العبادي القدرة على شن حرب واسعة مع معظم القوى السياسية المتنفذة، لأنها تلك القوى تسيطر على معظم مؤسسات الدولة وبضمنها القضاء والمؤسسات الرقابية.

11