وثائق تاريخية مصرية في مزادات سرية وسط القاهرة

وثائق وأوراق نادرة تخرج من هيئات ومصالح حكومية في مصر تحت دعوى إعدام الأرشيف الورقي ويتم تداولها في مزادات بين محترفي جمع الوثائق.
الجمعة 2018/04/06
وثائق قديمة تحفظ تاريخ البلاد

القاهرة- تجارة رائجة تنشط في الخفاء لتاريخ ربما لم يُكتب بعد بشكل صحيح. قرارات عُليا، اتفاقات، مراسلات مصيرية وصور نادرة يتم تداولها سرا بين أثرياء وهواة ومحترفي جمع الوثائق.

داخل أبنية متواضعة في منطقة تُسمى بطن البقرة في حي مصر القديمة، القريب من وسط القاهرة، يضل الزائر الغريب طريقه عبر أزقة ضيقة ليصل إلى مخازن تجار الورق، وتقام كل سبت مزادات سرية للأوراق التاريخية النادرة يتابعها مُجتمع محدود من الهواة وجامعي التحف والوثائق.

 

للأرشيف أهمية كبرى في تاريخ الدول والشعوب، والوثائق الأرشيفية تكتسب قيمة تاريخية بعد فترة من الزمن لذلك تحافظ عليها الحكومات المتعاقبة في أي دولة تحافظ على هويتها حتى يمكن الاعتماد عليها في الدراسات والبحوث المختلفة في جميع المجالات وخاصة السياسية والاقتصادية. ومصر تحتج في كل مرة على وثائقها التاريخية المعروضة في الصالات والمزادات العالمية، لكن بالمقابل لا متابع لمافيات تتداول في مزادات سرية أوراقا أرشيفية ذات قيمة تاريخية

وتحتج الحكومة المصرية مرة بعد أخرى على عرض مقتنيات التراث المصري في صالات التحف العالمية مثل “كريستي” و”سوثبي”، لكنها لا تعير أهمية لمافيا الوثائق والورق القديم التي تعمل بانتظام ودون عوائق.

وتخرج الوثائق والأوراق النادرة من هيئات ومصالح حكومية كل بضعة أشهر تحت دعوى إعدام الأرشيف الورقي، ليجمعها تجار خردة وقمامة قبل أن يقوموا بفرزها وتجهيز ما يخص زعماء وساسة ومشاهير راحلين ليتم بيعه.

سوق سري

يؤكد موفق بيومي باحث تاريخي وخبير في الوثائق، لـ”العرب”، أنَّ لكل ورقة سعرا حسب مضمونها والأسماء والتوقيعات والأختام المدونة عليها، فالكتب والمخطوطات القديمة لها سعر، خاصة إذا كانت من القرن التاسع عشر، والصور واللوحات لها تقديراتها والحال كذلك بالنسبة للوثائق.

ويضيف “أغلى الوثائق سعرا هي تلك المرتبطة بحملة نابليون بونابرت على مصر 1798 /1801 وحفر قناة السويس، تليها الوثائق الخاصة بالأجانب في مصر، وعلماء المصريات من الفرنسيين والإنكليز، ثم تأتي بعد ذلك توقيعات السلاطين والملوك وأختامهم على الوثائق المختلفة”.

وتبلغ أسعار الوثائق بحسب المكانة التاريخية لحاكم البلاد، والتي تحتوي على ختم محمد علي باشا والي مصر من  1805 إلى 1849 نحو عشرين ألف جنيه مصري (ما يعادل  1150 دولارا)، بينما تقل أسعار أختام مَن تلاه من الولاة عن ألف دولار.

وفي بعض الأحيان يرتفع سعر الوثيقة نظرا لندرتها حتى لو كانت تالية لزمن محمد علي، مثلما كان الحال مع وثيقة تتضمن قرارا للخديوي عباس حلمي (حاكم مصر من 1892 إلى 1914) بنفي البابا كيرلس بابا المصريين الأقباط، وبيعت بـما يقرب من عشرة آلاف دولار.

وتوقيعات الوزراء والساسة في عصر الملكية بمصر قبل ثورة يوليو 1952، ترفع أسعار بعض الأوراق القديمة. وكما يحكي بيومي، فإن سعر الورقة المختومة بختم سعد باشا زغلول الزعيم التاريخي الذي قاد ثورة شعبية في مصر عام 1919  يباع بنحو 50  دولارا، بينما يزيد السعر قليلا لو كانت الورقة موقعة من مُصطفى النحاس زعيم حزب الوفد والذي تولى رئاسة الحكومة خمس مرات خلال عصر الملكية.

وبعيدا عن المسؤولين، فإن أوراق بعض مشاهير السياسة تدخل ضمن معروضات المزادات، وقبل أسابيع قليلة بيع خطاب كتبه حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في القاهرة بنحو 1500 دولار، تضمن الخطاب توصية من البنا إلى ضابط شرطة صديق له في محافظة المنيا على أحد أقاربه. ونفس الأمر في ما يخص أوراق الفنانين والمطربين الكبار في مصر مثل يوسف وهبي وفاطمة رشدي ونجيب الريحاني، تجد إقبالا لافتا على اقتنائها.

زبائن المزادات لا يقتصرون على هواة المقتنيات النادرة من المصريين والأجانب المُقيمين في مصر، كما يقول أحمد كمالي خبير الصور التاريخية ورئيس تحرير مجلة “أيام مصرية” المعنية بالتاريخ، مضيفا “هناك جمهور كبير من هواة جمع الوثائق والتحف من الخليج الذين يعتادون على زيارة مصر”. وأطلق كمالي في منتصف 2014 مبادرة شعبية لتصحيح الأخطاء التاريخية في الإعلام والدراما التلفزيونية، شارك فيها عدد كبير من المُثقفين والمفكرين والمُبدعين.

ويشير إلى أن هناك مشترين من دول الخليج يهتمون بشكل رئيسي بالوثائق الخاصة بشبه الجزيرة العربية وتاريخ الحرمين الشريفين وما يسمى بـ”التكية” المصرية في الحجاز وغيرها من الروابط التاريخية مع مصر، وأدى دخول زبائن من الخليج إلى رفع أسعار الوثائق والورق القديم الذي يتم بيعه.

وهناك بالطبع زبائن من أوروبا من أحفاد أثرياء أجانب عاشوا في مصر ويسعون إلى إثبات حقوق ملكية بعض الأراضي أو العقارات، وآخرون يعملون سماسرة لكبرى صالات المزادات.

وكانت صالة “سوثبي” في لندن أقامت في أكتوبر 2015 مزادا لبيع مخطوطة وقف أثرية تعود إلى عصر السلطان المملوكي قنصوه الغوري في القرن السادس عشر الميلادي، تشير إلى تخصيصه أملاكا قيمتها أربعة آلاف دينار للإنفاق على الكعبة المشرفة.

وفي أبريل سنة 2016 قامت نفس الدار بعمل مزاد على مجموعة خرائط وأطالس قديمة كانت من بينها وثائق احتلال نابليون بونابرت لمصر وبيعت الوثيقة بنحو ستة آلاف جنيه إسترليني، فضلا عن صور للآثار المصرية سنة 1858 وصل سعر بعضها مئتي ألف جنيه إسترليني للصورة الواحدة.

تهريب الوثائق

أوضح أحمد كمالي أنَ الكثير من الوثائق والأوراق القديمة يتم تهريبها خارج مصر بواسطة مُحترفين، “إن أحدا لا يعتبر ذلك جريمة رغم خطورة ذلك على الأمن القومي”.

وشهد أحد المزادات السرية بيع كميات كبيرة من أوراق المحاكم المختلطة في مصر والتي كانت تختص بنظر قضايا الأجانب، وكانت تلك الأوراق تحتوي على عقود ثبت حقوق لأجانب في أراض وعقارات وأملاك آلت إلى الحكومة، وهو ما يدفع أحفادهم إلى المطالبة بتعويضات ضخمة من الحكومة المصرية.

وطالب كمالي بضرورة استخدام الوثائق والأوراق القديمة في تصحيح الكثير من الأخطاء الشائعة في التاريخ عبر مُختلف وسائل الإعلام، لافتا إلى أن الكثير من المواقع الإلكترونية لا تهتم بتدقيق المعلومات المنشورة لديها عن صور الزعماء والعائلات الحاكمة.

تؤكد قراءة بعض الوثائق مدى ما يُمكن أن تلعبه بعض الأوراق القديمة في تغيير سياسات عليا

ونشرت إحدى الصحف الرسمية في مصر على موقعها على الإنترنت صورة للزعيم الشعبي سعد زغلول وإلى جواره نجيب باشا الغرابلي وابنيه وكتبت تحتها “صورة سعد زغلول وابنه وحفيديه”، على الرغم من أن زغلول رحل دون أن يُنجب، ونشرت صحيفة أخرى صورة للخديوي توفيق (حاكم مصر في بداية الاحتلال البريطاني) باعتباره الخديوي إسماعيل.

ورغم وجود قوانين لتنظيم الوثائق في مصر إلا أنها لا تُجرم بشكل قاطع اقتناءها أو جمعها أو حتى الاتجار فيها، وهناك قانون يحمل رقم 121 صدر سنة 1975 نص على المحافظة على الوثائق الرسمية للدولة وتنظيم أسلوب نشرها.

وبحسب القانون فإنه لا يجوز لمن اطلع على وثائق أو مستندات غير منشورة أن يقوم بنشرها دون تصريح خاص من مجلس الوزراء، ويعاقب من يخالف ذلك بالحبس وبغرامة لا تزيد على ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، لكن ذلك النص القانوني لا يستخدم إلا في قضايا التجسس وبعض القضايا السياسية.

ويتم حفظ الوثائق والمستندات لمدة لا تتجاوز خمسة عشر عاما تنقل بعدها إلى دار الوثائق القومية لتحفظ في الأماكن التي تعد لهذا الغرض، وتظل محتفظة بسريتها لمدة خمس عشرة سنة أخرى. وكانت مصر من أوائل الدول العربية التي عرفت تسجيل الوثائق مبكرا، حين أنشأ محمد علي باشا والي مصر، في عام 1828، دارا لجمع الوثائق والسجلات الخاصة بالدولة أطلق عليها “الدفتر خانة”، وهي التي تطورت في ما بعد لتصبح دار المحفوظات القومية.

أسرار وحكايات

تؤكد قراءة بعض الوثائق مدى ما يُمكن أن تلعبه بعض الأوراق القديمة في تغيير سياسات عليا، وكشفت وثيقة حصلت “العرب” على صورة منها أن قلعة تيران في البحر الأحمر ضمت حامية عسكرية مصرية في العشرينات، وكانت تحصل على تكاليف المؤن ومستلزمات الإعاشة من أمير الحجاز، ما يعني أنها تابعة لحدود شبه الجزيرة العربية رغم تواجد الجنود المصريين. والغريب أن تُكتب قلعة “تيران” في الوثيقة المذكورة بالطاء (طيران).

وكشفت وثيقة أخرى مؤرخة بسنة 1888 أن محاولات استكشاف البترول في مصر تعود إلى الربع الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي، وتشير مكاتبات حكومية إلى استقبال خبراء أجانب للعمل في البحث والاستكشاف عن زيت البترول.

وعرفت مصر في أواخر القرن التاسع عشر شهادة تُسمى شهادة تذكرة البدلية كانت تُمنح بمقابل مالي لإعفاء شخص ما من الخدمة العسكرية، وفي إحدى الوثائق المؤرخة سنة 1285 هجرية نقرأ أوصاف الشخص المُعفي واسمه ومحل إقامته مُذيلة بعبارة “وقد تحررت هذه التذكرة لأجل عدم دخوله العسكرية”.

ومنها تذكرة تسيير “بغلة” ترجع إلى سنة 1302 هجريا (1884م) ومكتوب عليها “بغلة مُخصصة لخدمة المحمل الشريف منمرة بنمرة مدموغة على حوافرها الأمامية ومدموغة على رقبتها بدمغة مصلحة الطرق بهذا الشكل 7 لتمر دون مانع على مراكز الدخولية وشوارع المحروسة والسفر للأقطار الحجازية”.

تاريخ قناة السويس

يمتلك رجل الأعمال المصري هاني سلام مجموعة من الوثائق النادرة عن قناة السويس قام بجمعها على مدار سنوات عديدة، من تلك المجموعة وثيقة عبارة عن أمر صادر من إسماعيل صديق وزير المالية في عهد الخديوي إسماعيل بإصدار سندات لتغطية نصيب الحكومة المصرية في شركة قناة السويس.

وبينت الوثيقة أن تكلفة إنشاء قناة السويس زادت عن ضعف المقدر لها مسبقا، والبالغ مائتي مليون فرنك فرنسي، وتم تقسيم الأسهم إلى 400 ألف سهم قيمة كل سهم 500 فرنك وحصلت الحكومة المصرية على 177 ألفا و642 سهما بينما حصل الجانب الفرنسي على 207 آلاف و160 سهما.

ومنها أيضا خطاب بخط يد فرديناند ديلسبس الدبلوماسي، المغامر الذي صار وكيلا لأهم مشروع في الشرق الأوسط خلال القرن التاسع عشر، يعود الخطاب لسنة 1876 وهو موجه إلى الخديوي إسماعيل يخبره فيه بأن الخواجة بابونير مقاول الحفر اضطر إلى الحصول على قرض قيمته مليونا و300 ألف فرنك حتى لا يتم توقيف العمل، ويلتمس ديلسبس من الجناب العالي دفع المبلغ للخواجة.

تُجار الورق يدافعون عن أنفسهم رافضين فكرة قيامهم ببيع تراث مصر وتاريخها، وأكدوا أن ما يقومون به عمل مشروع وقانوني وتوجد في كافة دول العالم مزادات رسمية لبيع المقتنيات النادرة ومتعلقات المشاهير.

وقال محمد عفت، وهو واحد من تجار الورق القديم، لـ”العرب”، إن هناك مصادر أخرى لجمع الوثائق بعيدا عن مخلفات المصالح الحكومية، مشيرا إلى أن الكثير من ورثة المشاهير يقومون بعرض بيع مكتبات فنانين وأدباء ومبدعين، وهو أمر متعارف عليه وغير محظور.

وهناك بعض شركات الإنتاج السينمائي القديمة في مصر تقوم بالتخلص من صور قديمة أو عقود مر عليها نحو خمسين عاما، وتجد تلك الأوراق اهتماما لدى تُجار الورق الذين يقومون بفرزها وترتيبها بشكل مُنظم.

دخول زبائن من الخليج يؤدي إلى رفع أسعار الوثائق والورق القديم في المزادات

ويرى عفت أن الحالة الاقتصادية الصعبة ورغبة صغار الموظفين تحسين دخولهم دفعتا الكثيرين منهم إلى دخول سوق المكتبات والأثاث القديم ومقتنيات المشاهير كنوع من التجارة التي لا تتعرض للكساد العام، لأن زبائنها دائمون ولديهم قدرة مالية تُمكنهم من دفع أموال كبيرة في تلك الأوراق.

ويهتم البعض من الزبائن بأوراق الخدمة الخاصة بوزراء ومسؤولين راحلين، والبعض الآخر يفضل المراسلات الحكومية الخاصة بمشروعات وسياسات بعينها، وثمة من يجمع تراخيص المصانع والمحلات القديمة، ويقبل البعض على شراء رُخص تسيير الحيوانات مثل البغال والحمير، وعمل العاهرات، عندما كانت الدعارة مُباحة ومُنظمة قانونا في مصر مُنذ بدء الاحتلال البريطاني سنة 1882 وحتى إلغاؤها رسميا عام 1946.

الصور الفوتوغرافية الخاصة بالمشاهير لها سوق رائج أيضا، وكشف حسن ترسا أحد تجار الصور واللوحات الفنية في منطقة السيدة زينب بالقاهرة، أن أسعار الصور ترتفع حسب ندرتها وحسب أهمية الأشخاص الذين يظهرون فيها. وفي الغالب يتم الحصول على تلك الصور من ورثة بعض الشخصيات التي تحتفظ بصور أجدادها أو من مخلفات استديوهات التصوير القديمة بعد تصفيتها.

وتعمل تجارة الورق القديم في هدوء وفق قواعد وأصول متعارف عليها في مصر، وهناك مقاه معروفة في وسط القاهرة والإسكندرية يلتقي عليها التُجار الكبار للتشاور والتباحث بشأن السوق.

ويحقق البعض أرباحا كبيرة تُغري الكثير من المُهتمين والمُلمين بالتاريخ بالدخول إلي المجال، بينما تغُض الحكومة الطرف عن تسريب الكثير من الوثائق التاريخية إلى الخارج، ويتباكى بعض دعاة الحفاظ على التراث على الحال الذي وصل إليه وعي المُجتمع بالتاريخ وآثاره.

تصوير: محمـد حسنين

20