وثائق تكشف توقع عمر التلمساني فشلا سريعا للتمكين في مصر

العجز عن الانتشار المجتمعي واختراق مؤسسات الدولة سرّعا في انهيار خطط التنظيم.
الأحد 2020/01/19
ملامح لتنظيم خفي تحكمه إدارة دوما مستترة

التمكين يعدّ الهدف الرئيسي لمشروع الإخوان المسلمين، لذلك يسعى منتسبو التنظيم إلى العمل من أجله بشتى الطرق. وقد عملت الجماعة الأم في مصر لتحقيق هذا الهدف حين تتاح لها الفرصة، لكن وثائق نادرة متعلقة بالمرشد الأسبق للإخوان عمر التلمساني كشفت توقعه بفشلا سريعا للتمكين في مصر رغم إنهاك البلد داخليا، وذلك بالنظر لعدة عوامل لم تكن مهيأة وسانحة، أهمها على الإطلاق توجس الجماهير من الإخوان باعتبارهم بديلا غير موثوق يعرّض أمنهم للخطر، وهي نقطة حساسة عند المصريين.

حقيقة موقف جماعة الإخوان المسلمين من ثورة 25 يناير 2011، تظلّ بعيدة عن أطر الإدارة وخططها داخل التنظيم، والأكثر مفاجأة أنّ نفس التقييم ينطبق على قرار التمكين من مصر، عبر خوض انتخابات الرئاسة ثم صعود الراحل محمد مرسي إلى كرسي رئاسة الجمهورية. ولا يعني ذلك أن الإخوان لا يستهدفون التمكين، لكن رؤيتهم له مقرونة بالعديد من الضوابط، التي تجعل مآلات تجاوزها السقوط السريع والمواجهات العنيفة.

تنبّأ بهذا السقوط المرشد الثالث عمر التلمساني، في وثائق نادرة، تؤكد أن من يملك مفتاح القرار في التنظيم يتجاوز بالتأكيد شخوص من يتصدرون على كراسي مكتب الإرشاد، فليس جميعهم من سدنة هيكله الذين يُمكن أن نسميهم “أمناء الهيئة التأسيسية”.

تظَلُ الحقيقة الكاملة عن طبيعة تنظيم الإخوان، مجرد أشلاء تعمّد صنّاعه تفجير بدنها بحيث تفشل أيّ محاولة لرسم صورة قريبة ودقيقة عنه، ولا يُستثنى من ذلك أعضاء التنظيم وقياداته، فقط تبقى الصورة كاملة ودقيقة في وعي سدنة الهيكل، وهم من تُطلِق عليهم لائحة التنظيم “الهيئة التأسيسية”.

هذه ليست مُجرد انطباعات خرجتُ بها من تنظيم الإخوان بعد أكثر من عقدين، وإنما شهادة عيان ترسخت، حين كُلّفتُ بفتح مقر مكتب الإرشاد، أو مجلة الدعوة، والذي كان يقع في شارع التوفيقية بوسط القاهرة، وأغلقته السلطات الأمنية في أعقاب قضية 1995. وكان المُكلّف محمد مرسي بصفته المُشرف على موقع التنظيم الرسمي (إخوان أون لاين)، وكانت صفتي رئاسة تحرير الموقع، والنظام الذي (شمّع) أغلق المقر سقط بفعل ثورة يناير.

كان مرسي يعتبر أن نقل إدارة موقع الإخوان إلى مقر مجلة الدعوة، امتياز يُناسب المرحلة، وكنت أراها فرصة تاريخية لأنفرد بالمكوث في مكاتب شهدت شخصيات تاريخية في إدارة الإخوان وعلى رأسهم المرشد الأسبق عمر التلمساني.

ذلك الرجل الذي طالما قرأت له وعنه، وكان يتصف بصفات إنسانية تعتبر غريبة على عالم التنظيم، ومِنها أنه كان يُدخن. بالتأكيد هذه الشخصية سيكون مكتبها زاخرا بما لم تطله يد التنظيم تأميما، أو يد السلطات الأمنية مصادرة، وهو ما كان.

كنز التوفيقية

وثيقة تكشف خطط عمل الإخوان
وثيقة تكشف خطط عمل الإخوان

في جولاتي داخل مكتب التوفيقية، بدأتُ أجمع شذرات الأوراق المنسية والمخطوطات المهجورة، جميعها مثّلت الزاد المنير الداعم ليقين تنامت آياته، بتتابع تطور علاقتي برأس التنظيم وقواعده. وقادني إلى حسم قراري بالفرار، وحتمية المواجهة لحضور هذا التنظيم في مشهد واقعنا إيمانا بأن الخالق أعزّ من أن يختصره تنظيم. والإنسان أكرم من أن يُستخدم باسم الدين، والأوطان أقدس من أن تكون مجرّد رقم على رُقعة مشروع التمكين العالمي.

كي نتمكن من وضع تصور نسبي لحقيقة موقف الإخوان من ثورة 25 يناير 2011، يُمكننا الاستناد على إحدى وثائق التلمساني التي يعود تاريخها إلى عام 1983، وتحمل عنوان “توجهاتٌ عامة.. تلتزم بها خطط العمل في المرحلة الُمقبلة”.

وتجدُر الإشارة في هذا الصدد إلى أن محتوى الوثيقة كاملا، لم يتم تعميمه، وإنما اكتفى التلمساني بتفصيل بعض محاورها في مقالات منفصلة، بحيث لا تصل تصورات الوثيقة كاملة إلا لمن هو شريك في صناعتها على مستوى التنظيم الدولي للإخوان، وهم من تنطبق عليهم وفق التوصيفات اللائحية الهيئة التأسيسية.

نصّا، خطت وثيقة التلمساني ما قامت به قيادة مكتب الإرشاد في العام 2011، حيث تقول الوثيقة حول سيناريوهات المستقبل “أن يتسلم الإخوان الحكم في بلاد كبيرة كمصر، بعد إنهاكها داخليا، دون أن تكون لهم تجارب عميقة، وخبرات وكوادر مهيأة للحكم، فيُسحب فَورا إلى مواجهات عنيفة، لا يمكنه الانهيار الداخلي للبلاد من كسبها، فيفشل وتنفضّ من حوله الجماهير، على أساس أنه بديل خطير يعرّض أمن الناس للخطر، وهي نقطة حساسة عند المصريين”.

إن ما تنص عليه الوثيقة، هو تماما ما قام به مكتب المرشد محمد بديع. ويُمكن في هذا الصدد، العودة إلى زمن انطلاق أحداث الثورة التونسية في نهاية 2010، حيثُ قرر أعضاء قطاع القاهرة الكبرى السياسي، التابع لتنظيم الإخوان، عقد اجتماع في منزل مسؤول قطاع وسط القاهرة بمنطقة المقطم، على أن تتم تهيئة المكان لاستقبال محمد مرسي، عضو مكتب الإرشاد والمشرف وقتها على القطاع المركزي، القاهرة الكبرى. واستهدف المجتمعون أن يكون اجتماعهم “وضوح رؤية تنظيمي”، يناقش إمكانية أن تنتقل حالة الثورة إلى مصر، في ضوء توجهات مكتب الإرشاد الذي يُمثله عضوه الفاعل في تشكيله الجديد، بعد تولي محمد بديع مرشدا.

توازنات دقيقة

ظل الأداء الرسمي لتنظيم الإخوان في هذه المرحلة، يوجه كل كياناته للعمل على إحداث الضغط على نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، بما يعود على التنظيم بالنفع، ويخفّف الضغط الأمني المتتابع، ويعيد للتنظيم مكتسبات فترة الثمانية والثمانين عضوا في البرلمان (بين 2005 و2010).

لهذا كان التحرك والتفاعل مع أيّ من فعاليات الجمعية الوطنية للتغيير، محكومين برقابة شديدة من قبل مكتب الإرشاد، خاصة بعد ظهور محمد البرادعي، المعارض ورئيس هيئة الطاقة الذرية السابق، في مشهد الواقع السياسي، وبدء حملة توقيعات على مطالب الإصلاح عبر موقع أسسه الإخوان لذلك.

وكُنت المسؤول عن إدارته، وقُبيل 25 يناير 2011، استدعاني مشرفي (محمد مرسي)، وطلب مني عدم تسليم أيّ بيانات خاصة بالموقعين للجمعية الوطنية للتغيير ومنسقها الدكتور عبدالجليل مصطفى.

حرص مكتب الإرشاد على أن يُبقي خطابه خلال مطلع شهر يناير 2011، منسجما مع توصيات وثيقة التلمساني من جهة، ومُحافظا على علاقاته بالطيف العام السياسي المُعارض، دون أن يتبنى كامل خطابهم، والمُشاركة في بعض الفعاليات، بنسب حضور إما رمزية أو عبر شريحة من القواعد، حيث يُكلَف مكتب إداري لأحد قطاعات القاهرة بتوجيه قواعد للمُشاركة.

أما على المستوى الإعلامي، فلقد كنت أدير موقع الإخوان عبر إطارين أحدهما يعنى بمواقف التنظيم الرسمية، والآخر يُقدِم خدمة صحافية عامة، وهو ما جعل المُتابعات لدعوات التظاهر يوم 25 يناير 2011، تحتل موقعا مميزا في قسم الأخبار بالموقع، الأمر الذي دفع مُشرفه مرسي إلى استدعائي للقائه في مكتب الإرشاد عصر يوم الأحد 23 يناير 2011، وكان تكليفه واضحا وصريحا ومحددا “اجعل التغطيات أهدأ، الجماعة لا تعرف بطبيعة هذه الفعالية ولا القائمون عليها، نحن لا نعلم شوية العيال دول عاوزين يورطونا في إيه”.

عاش تنظيم الإخوان عصر نمو ذهبي خلال فترة حكم مبارك، ولقد استطاعت صيغة التوافق بين إدارة مبارك والإخوان أن تمنح الجماعة مناخا لم يشهدوه منذ ما قبل مُصادمات الإخوان والملك (1948)، وهو ما أتاح لهم فُرصة ذهبية نحو استهداف تطوير مؤسسات التنظيم والانتشار داخل المجتمعات.

ثلاثة عقود عاشها الإخوان قبل 2011، ملتزمين بعدم التصدي المُباشر لأيّ دعوة إصلاحية تزعج الرئيس أو المؤسسة العسكرية، وكي نفهم بواعث هذا الموقف علينا أن نعود لوثيقة التلمساني التي تقول “تصدينا لمحاولة الإصلاح، وتكلفته هي تحميل كيان الجمعية – الجماعة وأفرادها بأعباء ثقيلة، قد لا نكون مهيئين لها بشكل جيد الآن، وكذلك كشف من كوادرنا في عمل عام متعدد الجوانب، بالتالي لفت الأنظار إلى حجم قدراتنا في هذا المجال، وهو حجم سيبدو كبيرا لخلوّ الساحة من أيّ قوى أخرى قادرة على تقديم البديل وعلى المنافسة الحقيقية لنا على قيادة وتحريك الشعب المصري”.

هذا التحديد يُحيل الباحث إلى إعادة تقييم الحضور التنظيمي في مكونات الحراك السياسي والشعبي خلال العقد الأخير من حكم مبارك، إذ تسير بنا إعادة التقييم إلى حقيقة مفادها أن الإخوان كانوا يتحركون في ضوء ما يُحقق للتنظيم النفع، لا ما يعود على الأمة أو الوطن من منافع، وهو ما تُمَثِل ضريبته فضح بعض الخطط والأوراق التنظيمية، أو القبض على بعض القيادات والأفراد، أو مصادرة بعض الممتلكات.

ولدعم هذا التصور فإن وثيقة التلمساني، تنص على المكاسب التي يُحققها التنظيم رغم ما يدفعه من كُلفة المشاركة في الفعاليات العامة، التي ترى الوثيقة أن تقليل آثارها السلبية عبر “الاستفادة بالمكاسب التي تنشأ من مثل هذا العمل العام واسع النطاق كتجميع كوادر جديدة، ونشر الدعوة في أوساط لم نألفها، وتصعيب مهمة أيّ جهة في توجيه ضربة شاملة لنا بسبب نفاذنا إلى مؤسسات المجتمع المؤثرة”.

مواقف متذبذبة

إعادة التقييم تقودنا إلى حقيقة مفادها أن الإخوان كانوا يتحركون في ضوء ما يُحقق للتنظيم النفع، لا ما يعود على الأمة أو الوطن من منافع
إعادة التقييم تقودنا إلى حقيقة مفادها أن الإخوان كانوا يتحركون في ضوء ما يُحقق للتنظيم النفع، لا ما يعود على الأمة أو الوطن من منافع

هذه المُكتسبات التي استهدفتها قيادة التنظيم مطلع حكم مبارك، هي تحديدا التي تنامت بشدة إبّان فترة حكمه، وهي التي دعت التنظيم إلى اتخاذ موقف مُتَذَبذب من دعوات 25 يناير التي كان يُدرك الإخوان أن فشلها يؤدي إلى نزيفٍ في هذه المُكتسبات، ولهذا ظلت إدارتهم تُراقب لحين التيقن من جاهزية الأرض لنزول الحشد التنظيمي ليُسيطر ويدير.

لكنّ التلمساني لم يترك باب الولوج إلى التمكين مفتوحا دون ضوابط، حتى لا يحدث ما حذّر منه، حال تجاوزها، وهذه الضوابط تستهدف الوصول إلى التمكين من خلال الانتشار المجتمعي، والاختراق المؤسسي للدولة، وهو ما يتطلب إجراءات موجهة للفرد تُعني بالتركيز على تربية الأفراد على العمل العام عبر دمج مناهجه بالمناهج الداخلية، وثانية خاصة بالهياكل التنظيمية وتسعى إلى إصلاح الهيكل الداخلي والتعامل مع مشكلاتنا الإدارية، لتلبية الهيكل بأقسامه وإداراته ولجانه والاحتياجات الإدارية المرتبطة بالهدف، وثالثة تسعى لامتلاك التنظيم خبرات خاصة على مستويات الرصد والتحليل المتخصص والقيادة السياسية الفاعلة.

وآخر الضوابط الضامنة لتأهل التنظيم للتمكين معنيٌ بتفعيل الهيكل التنظيمي العالمي بما يُحقق الوحدة والتكامل في خطوات التنظيم بالأقطار المختلفة، إضافة إلى اتخاذ الخطوات الكفيلة بالتنسيق مع القوى والاتجاهات الإسلامية على الساحة.

أما الضوابط المُتعلقة بالمُجتمع والمؤسسات فتنص الوثيقة على أن التحرك يكون في اتجاهين رأسي ويستهدف النفاذ إلى مجموعة من الشرائح الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والمؤسسات الرئيسية، التي تمثل القوى الداخلية المحركة لأمور هذا المجتمع، وأفقي وهدفه الانتشار في الشارع المصري بين الجماهير بالصيغ المعروفة وابتكار صيغ للحركة اقتصادية ودعوية وتربوية وغيرها، باعتبار أن الهدف هو بناء المجتمع المسلم والاهتمام الخاص بالأزمة الاقتصادية ووضع حلول عملية لها.

ولا تُسقط وثيقة التلمساني الضوابط الخاصة برصد الخصوم داخل الواقع المصري، مع مراعاة أن المقصود بالخصوم هم كل من لا يوافق التنظيم على مُعلَنِ خطابه، حيث تطالب الوثيقة بالآتي “الرصد المنظم للأعداء، ومخططاتهم وكيفية التعامل معها ومواجهتها”.

وفي تفصيل ذلك تشرح الوثيقة “علينا أن نكوّن رؤية واضحة على أسس علمية عن أعدائنا”، وهذه الرؤية تسعى للإجابة عمّن هي الأطراف التي تناصبنا العداء؟ دوافعهم في ذلك؟ درجات العداء؟ حيث أن كل المعلومات المفيدة عن تركيبهم الداخلي، تسمح لنا بتوقع أفعالهم وردود أفعالهم، وتُكلف التنظيم إدارات وحداته بضرورة تشكيل ما كُنا نُطلق عليه مزاحا في صفوف التنظيم (مباحث أمن الدعوة)، إذ تقول الوثيقة “يجب أن يتم تحديد وحدات ومواقع بين صفوفنا يكلف أفرادها بهذا الرصد تكليفا صريحا، بحيث تكون مسؤولة عنه ومهيأة له، مع إمدادهم بالإمكانيات التي يحتاجونها في هذا الصدد”.

في تقديري أن الإخوان لم يستطيعوا أن يبدأوا المسير الحقيقي نحو تفعيل هذه الوثيقة وما تضمنته إلا حين تولى الراحل محمد مهدي عاكف موقع المرشد عام 2004، حيث أنه كان شريكا في صناعة واقعها إبان فترة حضوره في مشهد بناء التنظيم الدولي، خاصة وأن الأجل لم يمهل التلمساني لإدارة تنفيذها، وما تعاقب من  مرشدين، محمد حامد أبوالنصر – مصطفى مشهور– مأمون الهضيبي، خلال الفترة من 1986 إلى 2004، حيث كانوا لا يملكون المكانة اللازمة القادرة على تفعيلها.

ولقد استطاعت إدارة عاكف بكاريزمته المتفردة، أن تُعيد إحياء وثيقة التلمساني في الداخل والخارج، لكنّ خللا في مسارات التنفيذ بعد خروجه من المشهد عام 2009، وتولي بديع، أدى إلى استثمار حالة الربيع العربي لتسريع خطوات تحقيق التمكين الشخصي لقيادات الإخوان، ليُحققوا ما لم تُحققه إدارة سابقة، كانت هذه هي خطيئة بديع وإخوانه في حق تنظيمهم، لكنها تظل مجرد ملامح لتنظيم خفي تحكمه إدارةٌ دوما مُستترة.

7