وثائق مهملة تكشف اضطهاد سلامة موسى بسبب دعواته التحررية والعلمانية

سلامة موسى مفكر مصري كان يؤمن بأن أسوأ ما تصاب به أمة أن يتحد الدين مع الدولة.
الأحد 2020/03/29
وهم الدولة الدينية ازداد ترسخا

تكشف وثائق عثر عليها أثاء تصفية مكتب محاماة في القاهرة عن خفايا معركة مجهولة خاضها المفكر المصري الراحل سلامة موسى مع الحكومة خلال ثلاثينات القرن الماضي لمصادرة مجلة أدبية تخوفا من أفكاره العلمانية. يأتي هذا الكشف ليعيد تسليط الضوء على أفكار الباحث المصري التي ما تزال صالحة إلى اليوم، حيث تشتد المعركة بين الإصلاحيين والرجعيين، وحيث يوظف الدين لخدمة السياسة، في وضع عبر عنه موسى بقوله "أسوأ ما تصاب به أمة أن يتحد الدين مع الدولة".

القاهرة- وأنا أفكر في بداية لسطوري التالية، مساء الاثنين، فاجأني مشهد خروج مجموعة من الناس في مدينة الإسكندرية الساحلية التي كانت يوما مدينة الحكمة والجمال ومتعددة الثقافات، يُكبرون ويُهللون، ويحتشدون للدعاء على كورونا، ليُدللوا أن فايروس الجهل أشد خطرا من أي وباء، ويؤكدوا أن إلغاء العقل آفة الآفات.

جوهر المقال، ليست على هؤلاء الذين يعرضون حياة الناس للخطر باحتشادهم وتجمهرهم تحت وهم التضرع إلى الله لصد الجائحة، لكن هذه الحادثة قدّمت مدخلا مناسبا لها ولموضوعها الذي يستحضر ذكرى الكاتب المصري التنويري سلامة موسى (1887ـ 1958).

سبب تذكر موسى ليس حلول ذكرى وفاته أو ميلاده، بل حادثة قادت إلى العثور عن وثائق وأوراق قضائية مجهولة تعود لثمانين سنة ماضية، وتكشف تفاصيل خفية عن معركة سلامة موسى ضد الجهل والظلامية ومسعاه لنصرة العلم والحرية، وهي معركة مازالت رحاها تدور إلى اليوم من قبل غيره من التنويريين.

الصدفة ذكرتنا بهذا الكاتب، وذلك خلال تصفية أحد مكاتب المحاماة القديمة. من بين هذه الوثائق أوراق قضائية تكشف قصة من قصص تضييق السلطة الأمنية والدينية في مصر خلال الثلاثينات من القرن الماضي على فكر وعقلانية ونضالات سلامة موسى في ترسيخ المدنية، مشهرا الكلمة سلاحا.

سلامة موسى كان يرى ضرورة تحرير الطبقات المطحونة من العبودية الأولى، وهي عبودية الوهم والخرافة، لأنها ستؤدي إلى تحرير تلك الفئات من العبودية الثانية، وهي عبودية الاستغلال الطبقي

تفجر هذه الوثائق مفاجأة تخص إحدى الصحف المصرية الشهيرة قبل ثورة يوليو 1952 وهي صحيفة “المصري” التي أصدرها محمود أبوالفتح سنة 1936 واستمرت حتى سنة 1954 كلسان حال لحزب الوفد، ذلك أن الاسم مأخوذ من إصدار آخر لسلامة سبق وقفه بمعرفة السلطات.

الوثائق التي اطلعت عليها عبارة عن حزمة مستندات تتضمن دعوى قضائية أقامها مكتب محاماة مصري كان شهيرا في الثلاثينات والأربعينات، هو مكتب سابا حبشي ومصطفى مرعي، ضد وزارة الداخلية بسبب مصادرتها لمجلتين.

يبدو الرجل بعد حوالي ثمانية عقود من تعطيل مجلتيه التي لا تحتفظ دار الكتب بأي من أعدادهما، خالدا في سماء الفكر كواحد من الرواد الأوائل الذين لفتوا الأنظار إلى الفكر الغربي وسعوا إلى نقل المعارف وترجمة الأفكار الجديدة إلى العربية.

منذ كتابه الأول “مقدمة السوبرمان” وما تلاه من كتب مثل “حرية العقل في مصر” و”النهضة الأوروبية” و”هؤلاء علموني”، وترجمات إسهامات المفكرين والفلاسفة الغربيين قديما وحديثا، ترك موسى علامات مهمة في طريق العلم والفكر والثقافة.

أوراق قديمة مبعثرة

مفكّر يدعو إلى الإنفاق على تثقيف الأذهان بمثل السخاء الذي ينفق به على شراء الحاجات اليومية
مفكّر يدعو إلى الإنفاق على تثقيف الأذهان بمثل السخاء الذي ينفق به على شراء الحاجات اليومية

قالت أوراق الدعوى المقامة سنة 1937 أن سلامة موسى كان يصدر في عام 1930 مجلتين إحداهما مجلة المصري، وهي أسبوعية وتطبع 20 ألف نسخة، والثانية هي المجلة الجديدة، مجلة شهرية، وتطبع 12 ألف نسخة.

وأشارت إلى أن موكلها (موسى) تحمّل مصاريف باهظة في إعداد المجلتين. واضطر إلى شراء مطبعة بمبلغ 3500 جنيه (تساوي الآن 35 مليون جنيه مصري تقريبا بحساب معدل التضخم أي ما يعادل مليوني وربع مليون دولار) كي يضمن طباعة المجلتين في الموعد المضبوط.

وطبقا لأوراق الدعوى فقد دفع سلامة موسى لوزارة الداخلية مبلغ 150 جنيها كتأمين عن المجلة الجديدة، رغم كونها شهرية، وكان الوحيد الذى دفع ذلك المبلغ مما يدل على كونه مقصودا بالعنت من جانب الوزارة دون غيره من أصحاب المجلات الشهرية التي أعفيت من سريان القانون عليها.

سلامة كان من أكبر المبشرين في جيله
سلامة موسى كان من أكبر المبشرين في جيله

وانتهج سلامة كعادته منهج الدفاع عن الحريات والدعوة إلى إعادة النظام البرلماني، وكان جزاؤه على ذلك قيام الحكومة بتعطيل مجلة المصري تعطيلا نهائيا، بدءا من منتصف يونيو 1930، حيث كانت تحقق ربحا شهريا له، وقامت الحكومة في أغسطس 1931 بتعطيل المجلة الجديدة ثلاث سنوات، ما شكل عدوانا واضحا على حرية الرأي.

بلغ التعنت بالوزارة إلى حد أن اختارت لتنفيذ أمر التعطيل الصادر عن المجلة الجديدة منتصف الساعة الثالثة صباحا من اليوم الذي كان العدد يطبع فيه وتم التنفيذ في منزل الطالب في ظروف غير مألوفة.

كشفت الأوراق أسباب تعطيل مجلتي سلامة موسى، فأرجعتها إلى إصراره على تبني حرية الرأي وتعددها، وهو ما كان وراء إغلاق وتعطيل إصداراته. والمثير في القضية أن مكتب المحاماة طالب بتغريم وزارة الداخلية وقتها مبلغ 1500 جنيه عن تعطيل مجلة المصري، فضلا عن ألف جنيه عن تعطيل المجلة الجديدة، بالإضافة إلى المطالبة بتعويضه عن مطبعته التي قام بشرائها.

أضافت الدعوى أن الاعتداء على حقوق الملكية لاسم مجلة المصري، “وبما أن مصلحة الصحافة صرحت لصحافيين آخرين بإطلاق اسم المصري على صحيفة يومية، في حين أن هذا الاسم من حق الطالب (سلامة موسى) لأنه اسم مجلته الأولى، فإنه تم إعلان صاحب المقام الرفيع وزير الداخلية بإلزامه بدفع مبلغ 5350 جنيها مع المصاريف ومقابل أتعاب المحاماة مع شمول الحكم بالنفاذ المسجل بغير كفالة”.

استندت الدعوى في استحقاق موكلها للتعويض أن الحكومة منحت تعويضات للجرائد والمجلات المعطلة بلغت 13 ألف جنيه، بل إنها منحت تعويضات للصحافيين الذين استأجروا صحف ومجلات لم تكن ملكهم، وهو ما كان مجازا وفق القوانين.

وكشف نص الدعوى أن المُدعي عليه مستعد على أن يبرهن أن تعطيل مجلتيه كان سببا في ارتباكات مالية أدت به أن يبيع أرضا ثمينة بالثمن البخس، وإلى قيامه برهن مصوغات زوجته لدى بنك الرهونات الإيطالي منذ التعطيل إلى الآن.

دفاع الحكومة

معركة ضدّ الجهل والظلامية
معركة ضدّ الجهل والظلامية

المثير في الأمر أن القضاء وقتها حدّد جلسة للنظر في القضية ووكلت وزارة الداخلية أحد المحامين للدفاع عنها والذي قدم بعد جلستين حافظة مُستندات تضمنت طلب سلامة موسى بالحصول على ترخيص في 29 سبتمبر 1929 باسم “المجلة الجديدة” ثُم تعهد من مقدم الترخيص بعدم نشر أي موضوعات سياسية أو إدارية أو دينيه ثُم خطابا من وكيل وزارة الداخلية بالترخيص بإصدار المجلة، على أن تكون قاصرة على الموضوعات الأدبية. واستعانت وزارة الداخلية بخطاب مقدم من الجامع الأزهر يشكو فيه من نشر المجلة لموضوعات تمس الشأن الديني، مشيرا إلى ورود شكوى له بتوقيع “متألم” من قيام المجلة بنشر آراء وأفكار ضد الدين.

قدمت وزارة الداخلية في حافظة مستنداتها خطاب تحريات أجرته المباحث بشأن صاحب المجلتين وأفاد أنه كاتب معروف عنه تطرفه الشديد في المبادئ الاشتراكية وخروجه عن تعاليم كافة الأديان. يعني ذلك أن السلطات الأمنية بدلا من تبرير قيامها بإغلاق مجلتين فكريتين، قامت برفع سيف التكفير في وجه سلامة موسى وشهرت به كنوع من الإجراء العقابي لمفكر يتبنى الحريات ويُبشر بالعلم والعقلانية، فضلا عما حمله ذلك من تحريض سافر ضد الرجل يمكن أن يعرض حياته للخطر من قبل المهووسين دينيا.

إن دل ذلك على أمر، فهو يدل على عمق تأثير كتابات الرجل، وقدرته على الوصول إلى أدمغة الشباب المثقف الباحث عن التطور والتقدم، واستسهال السلطات تكفيره كدعاية سلبية يمكن أن تحد من ذلك التأثير.

الملاحظ في حافظة مستندات وزارة الداخلية في القضية ذاتها أن قرار تعطيل مجلة المصري تضمن تعليقا من الوزارة بأن المجلة المفترض كونها مجلة أدبية فقط نشرت مقالات وفصول تتعرض للبحث في السياسة، ما يثير خواطر الناس، وهو ما يكشف عن ضعف منطق من جانب المؤسسة الأمنية القائمة في ذلك الوقت.

الطريف في الدعوى أنها أقيمت في 10 يوليو سنة 1937 وعقدت الجلسة الأولى يوم الأربعاء 14 يوليو من نفس العام، أي بعد أربعة أيام فقط من إقامتها، وتم التأجيل إلى 14 سبتمبر لإيداع المستندات من قبل الطرفين، ثم عقدت جلسة مرافعات في 18 نوفمبر التالي، وعقدت جلسة أخرى في 13 يناير سنة 1938، وتم الاتفاق في النهاية على الصلح بين سلامة موسى ووزارة الداخلية بعد الاتفاق على قيمة التعويض، وعقدت جلسة للصلح في 21 أبريل سنة 1938. لم تخبرنا أوراق الدعوى عن قيمة التعويض المتفق عليه، لكنها تشير إلى تنازل سلامة موسى عن دعواه نهائيا في أول أكتوبر سنة 1938. ليس سرا أن الرجل كان من أوائل من طالبوا بتأميم قناة السويس، وشاء القدر أن يشهد تحقق ما طالب به قبل عامين من رحيله، تاركا تراثا فكريا عظيما مازلنا نقتفي آثاره.

انتصار للعلم والحرية
انتصار للعلم والحرية

تبقى مقولاته الخالدة صالحة للاستدعاء في كل زمن لتوجيه المجتمعات إلى العلم والتفكير العقلاني، وهو الذي قال “إن أسوأ ما تصاب به أمة من الأمم هو أن يتحد الدين لديها مع الاستبداد”. وما أصدق قوله “ليس للحياة غاية إلا الحياة، وكل ما عدا الحياة إنما هي وسائل للحياة”.

فضلا عن مقولته الشهيرة “إن اعتلاء الدين للدولة يضر الدين ويحطه، إذ يغنيه عن القوة الروحية والأخلاق السامية، فالدين يجب أن يتجرد من أي سلطان مادي حكومي أو بوليسي، حتى يستنبط قواه الروحية المستقلة ويصل إلى القلوب عفوا دون مساعدة خارجية”، كذلك مقولته “لن نبلغ النضج، مالم تكن القراءة والدراسة عادتنا، وما لم ننفق على تثقيف أذهاننا بمثل السخاء الذي ننفق به على شراء حاجاتنا اليومية”.

وقد كتب الروائي الراحل نجيب محفوظ، في سيرته الذاتية “أنا نجيب محفوظ”، أنّ سلامة موسى أستاذه الأول، وكان أكبر مبشر في جيله بالعدالة الاجتماعية والعلم والرؤية العصرية. وخصص له المفكر والناقد الراحل غالي شكري كتابا يروي سيرته بعنوان “سلامة موسى وأزمة الضمير العربي”، أشار فيه إلى أن الرجل كان يرى ضرورة تحرير الطبقات المطحونة من العبودية الأولى، وهي عبودية الوهم والخرافة، لأنها ستؤدي إلى تحرير تلك الفئات من العبودية الثانية، وهي عبودية الاستغلال الطبقي، وظلت هذه الفكرة نقطة الانطلاق في تكوين منهجه الفكري إلى النهاية، وراح في مختلف مؤلفاته يلح إلحاحا شديدا على الخلاص من أسر الفكر الغيبي.

7