وثيقة الشرف الانتخابي صفقة تراعي مصالح النخبة لا الناخب العراقي

مخاوف من تحول الوثيقة إلى مظلة للتزوير المشرعن، والترويج للتصويت على أساس طائفي.
الاثنين 2018/04/02
الأحزاب العراقية تضغط على الناخب

تنتفي عن وثيقة الشرف الانتخابي التي وقعها ممثلو الكتل السياسية العراقية، الخميس، تحت رعاية بعثة الأمم المتحدة الصفة الدستورية؛ لسبب وجيه ذلك أن صياغتها تمت خارج المؤسسات الشرعية.

لغتها وسياق إعدادها يكشفان أنها أبعد ما تكون عن تحقيق هدفها المعلن في ضمان نزاهة الانتخابات، ويعززان الاعتقاد بأنها صفقة لتغليب إرادة النخبة على إرادة جمهور الناخبين، بمعنى إفراغ العملية الانتخابية من محتواها قبل أن تبدأ، واحتكار رسم مساراتها، عبر منح قوى المحاصصة الطائفية المهيمنة على الثروة والسلطة صكّا للتحكّم في سير عملية الاقتراع والسيطرة على مدخلاتها ومخرجاتها على حساب إرادة أغلبية المواطنين.

وما كان ممثلو القوى السياسية ليوقعوا الوثيقة لو لم يكونوا على يقين من أنها بلا قيمة قانونية ولا أثر واقعيا لها على صعيد ضبط السلوك الانتخابي، وقد بدت اللغة الفوقية واضحة في أول سطر من الوثيقة إذ زعم واضعوها أنها تأتي “انطلاقا من حرصنا على توفير أجواء سليمة لانتخابات حرة ونزيهة” وهو ادعاء لا يمكن الوثوق به.

ومن المتوقع أن تتحول هذه الوثيقة نفسها إلى مظلة للتزوير المشرعن وغطاء للتلاعب عن المسكوت عنه، وتشترك الكتل النيابية المختلفة في التغاضي عن أنشطة الفساد الانتخابي بطريقة تسمح للجميع بالاستفادة منه، الأمر الذي يعكس عدم ثقة هذه القوى بإمكانية نجاح العملية الانتخابية.

ويخشى الطرف الشيعي مقاطعة جمهوره للانتخابات بسبب النقمة على الأحزاب الحاكمة بينما يخشى الطرف السني عدم قدرة جمهوره على المشاركة من الأساس بسبب ظروف النزوح ونكبة المدن السنية، كما أن هناك عدم ثقة في تسهيل مشاركة الجمهور السني في الانتخابات.

قبول القوى السنية بهذه الوثيقة يكشف أنها باتت في أشد حالات خضوعها واستسلامها لرغبات القوى السياسية الشيعية

وتشي بنود الوثيقة في مرحلة ما بعد الانتخابات بأنها معدّة لتكون مظلة للتفاهمات التي انطلقت مبكرا بين الكتل المهيمنة لتوجيه نتائج الانتخابات بما يضمن إعادة إنتاج النظام وفق ما تصبو إليه خططهم.

ويتطلب إعادة إنتاجه الوسائل والظروف التي أوجدته. والوثائق “التحاصصية” المستندة إلى تفاهمات حزبية يضمنها الدستور العراقي نفسه، هي من أهم هذه الوسائل.

ويدلّ قبول القوى السنية بهذه الوثيقة أنها باتت في أشد حالات خضوعها واستسلامها لرغبات القوى السياسية الشيعية. ومن شأن هذه الوثيقة إعادة إنتاج وتجذير النسق الهامشي السني وليس تفكيكه، ذلك أن كل النصوص التشريعية والوثائق السياسية التي أنتجتها العملية السياسية منذ انطلاقها كانت تفسّر دائما لصالح الطرف الأقوى على الأرض وهي الأحزاب الشيعية التي تفرض بفضل هذه القوة، تأويل النصوص والاتفاقات واعتمادها بما يتلأم مع الرواية السياسية لهذه الأحزاب بادعاء “المظلومية المذهبية” أو“المكون الأكبر” و“الأغلبية السياسية”.

ومن مفارقات الوثيقة ما تنص عليه من “عدم التدخل في مهام مفوضية الانتخابات”، وهي مغالطة منطقية تجعل المتهم مكلفا بحماية استقلالية المحكمة، ذلك أن استقلالية المفوضية يجب أن تكون محصّنة بقوة القانون وحماية القضاء وقدرتها كمؤسسة على صيانة استقلاليتها ومهنية أعضائها وموظفيها، وليس متوقعا من الأحزاب التي وُجدت المفوضية لمراقبتها ومحاسبتها أن تحرص على عدم التدخل في عملها.

لكن حين نعلم أن هذه الأحزاب هي التي شكّلت هذه المفوضية على أساس المحاصصة الطائفية بمعنى أن هيكلية المفوضية هي هيكلية حزبية في الأساس وأن التدخل السياسي مسألة بنيوية وجزء جوهري من وجودها ونشاطها بدأ منذ عملية إقرارها في البرلمان، نستطيع أن ندرك مكمن المغالطة.

وليست هناك أي قيمة لنص وثيقة الشرف الانتخابي على “عدم استخدام الدين أو الرموز الدينية في الدعاية الانتخابية” ذلك أن الأحزاب المتنافسة هي في الأساس أحزاب دينية ومعروفة بهويتها الدينية والمذهبية حتى لو لم تصرّح بذلك مباشرة في خطابها الانتخابي.

ورغم أن أجواء الاستقطاب الطائفي تجعل من العامل الديني حاضرا بصورة رمزية مسكوتا عنها، لكنه يؤثر بعمق في خيارات الناخبين باعتباره هوية سياسية للمكون الاجتماعي العراقي.

ويتجلى توظيف المقدس في إباحة الوثيقة لما أسمته “الاستفادة من المنابر الدينية لتشجيع الناس على ممارسة حقهم الدستوري في اختيار ممثليهم” ما يعكس ضمنيا السماح بتوظيف الخطاب الديني في الترويج للتصويت على أساس طائفي بحت.

لذلك سيكون الزجّ بالمؤسسة الدينية في العملية الانتخابية من هذا الباب تدخلا في حرية الناخب ومصادرة لإرادته الفردية في الاختيار بين المشاركة والمقاطعة، ما يعني إفراغ العملية من محتواها الديمقراطي.

7