وثيقة تجديد الخطاب الديني.. كسر احتكار الأزهر للاجتهاد

المعلومات المتداولة بشأن إطلاق الأزهر ما يسمى بـ”وثيقة تجديد الخطاب الديني”، قريبا، تفتح بابا مهما لإمكانية خروج هذه المؤسسة من أزمتها الراهنة، خاصة أن الوثيقة اشترك في وضعها مجموعة من كبار المثقفين المصريين وعدد من رموز هيئة كبار العلماء، وطرح توقيتها تكهنات عدة، لأنها جاءت بعد تعالي الأصوات المطالبة بتقليص دور الأزهر واتهامه بأنه يعطل التجديد الديني.
الجمعة 2017/04/28
الأزهر أمام حتمية التجديد

خطوة الأزهر الجديدة تقطع، في رأي الكثيرين، الطريق أمام من يسعون لتهميش دوره أو حتى سحبه تماما منه واللجوء إلى استراتيجية بديلة مغايرة، تقدمها الهيئة المزمع تشكيلها والتي أعلن عنها رئيس الجمهورية، عقب تفجير كنيستي طنطا والإسكندرية، وذهب البعض للقول بأنها تخصم من دور الأزهر في المرحلة المقبلة.

تتأسس الوثيقة المزمع إصدارها على مرتكزات الفكر الإسلامي الوسطي التي درج الأزهر الشريف على اعتمادها نهجا وغاية، ومراعاة منجزات التطور الحضاري التي دعمتها الثقافة العربية الحديثة، والاعتراف بضرورة إعمال العقل النقدي وتمكين الفكر العلمي مع تنمية منظومة القيم الروحية السامية.

وتتضمن الوثيقة ضرورة تحديد مفهوم التجديد بما يناهض العقم والجمود، والبناء على ما انتهى إليه فكر كبار المجددين في الإسلام في العصر الحديث، ابتداء من رفاعة الطهطاوي إلى الإمام محمد عبده والشيوخ مصطفى وعلي عبدالرازق ومحمود شلتوت وعباس محمود العقاد وطه حسين، وغيرهم من أعلام الدين والفكر والثقافة والنهضة.

الوثيقة دعت إلى رفع راية الاجتهاد ووجوب إعلان انتهاء عصر التكفير وبداية عصر التفكير الرشيد وضرورة احترام الاختلاف في الرأي، والدفاع عن مبادئ السماحة في الدين والرحمة في التشريع، والوعي العميق بتطورات الحياة المعاصرة والتكيف اللازم مع شروطها، لكن مع التسليم المطلق بقدسية النصوص وحقوق التأويل وضرورة التجديد في الفهم.

وطرحت أيضا تصورا لإصلاح منظومة التعليم، وإعادة تأهيل الدعاة وخطباء المساجد في الكليات المتخصصة للالتزام بالضوابط العلمية والمنهجية وأصول الخطاب في عملهم بحيث يتم تدريبهم دوريا على استيعاب معطيات الفكر الديني الوسطي والبعد عن التطرف والتعصب، وتوسيع مداركهم بالحوار مع علماء الاجتماع والاقتصاد والأدب والفن والثقافة لهضم محصلة التطور الحضاري وتنقية خطابهم من الخرافات والأفكار الخطرة على أمن المجتمع وسلامته.

وتستوعب مضامين الوثيقة المزمع الإعلان عنها رسميا معظم أطروحات رموز وحركات التجديد السابقة وتبني عليها وتدعو إلى تطويرها كأساس للانطلاق نحو رؤى جديدة لحركة التجديد والاجتهاد في الفكر الإسلامي.

شراكة جديدة

نتجت عن التعاون والتنسيق مع المثقفين المصريين اللذين بدأهما الأزهر في 2011، جملة من الوثائق وصفت بـ”التاريخية”، وهو ما اعتبره البعض من المراقبين إنجازا مهما، ورأوا أن فتح صفحة جديدة مع المثقفين عنوانها الشراكة يفوت الفرص على من يسعون لتهميش دور الأزهر.

الناقد والكاتب المصري صلاح فضل، أحد المشاركين في إعداد وصياغة الوثيقة، اعتبر شراكة الأزهر مع المثقفين إنجازا تاريخيا، لافتا إلى أنه على مدار التاريخ كان التجديد فرديا من مثقفين وعلماء من داخل الأزهر وخارجه، وكان الأزهر كمؤسسة إما يصمت حياله، وإما ينكره وإما يعاقب فاعله.

وشدد في تصريحات لـ”العرب” على أنه عندما يتعاون المكونان الأساسيان لفكر الأمة، وهما علماء الدين والمثقفون، فإن في هذا دفعا غير مسبوق لمسار التجديد ليصل إلى مداه.

الوثيقة دعت إلى رفع راية الاجتهاد ووجوب إعلان انتهاء عصر التكفير وبداية عصر التفكير وضرورة احترام الاختلاف في الرأي

على الجانب الآخر، يوجد داخل الأزهر تيار محافظ نسبته كبيرة تقارب السبعين بالمئة، منه منتمون إلى الخط السلفي ومتعاطفون مع الإسلام السياسي، وهم يعارضون أو على الأقل يبدون تحفظهم على هذا التقارب، ويسعون لإعادة العلاقة إلى المربع صفر الذي تميز بالصراعات والتوترات قبل عام 2011.

ويجد هذا التيار في التقارب بين مشيخة الأزهر والمثقفين بداية لمرحلة تنازلات كبيرة ستجبر الأزهر على الرضوخ لتصورات ورؤى مخالفة لقناعات غالبية علمائه الذين يمثلون الجناح المحافظ بداخله. كما أن تراجع الأزهر عن القيام بمسؤولياته واللجوء إلى الشراكة مع جماعة المثقفين والمفكرين يؤديان إلى بزوغ تيار داخله له موقف من النص ومن المؤسسة الدينية، وربما من التراث كله، وها هو يتهيأ للاضطلاع بدور بديل للتيار المحافظ.

ويرى تيار الانفتاح داخل المشيخة، ويستمد مصدر قوته الرئيسية من ادعاء كمون شيخ الأزهر في خندقه، في استمرار التلكؤ والتباطؤ مخاطر محدقة، قد تدفع المزايدات والضغوط إلى العناد والتصعيد، بما يعني أن يخسر البلد والمشروع التجديدي جهود ودور الأزهر لصالح جماعات الإسلام السياسي.

الجماعات المتشددة التقطت الخيط سريعا، وصارت تقدم نفسها كمدافعة عن الأزهر في وجه ما يطلقون عليه “الهجمة العلمانية الشرسة”، وترفض الاستسلام لسيناريو تسليم ملف التجديد لجهات وكيانات أخرى.

مشاركة شكلية

رغم أن عامة المصريين غير مستعدين للاستجابة لمقولات تكتسي بمضامين التجديد ولا تحمل توقيع الأزهر، إلا أن تماهي الأزهر، ولو دون قصد، مع جماعات الإسلام السياسي يعزز من حضور هذه الجماعات ويمنحها شرعية لا تستحقها ما يمكنها من تمرير رؤاها المنغلقة والمتشددة عبر بوابة الأزهر.

وأكد البعض من المحللين أن مشاركة الأزهر شكلية ومجرد ذر للرماد في العيون، ويدللون على هذا بأن علماءه لا يحاججون من يطالبون الأزهر بالتجديد بالحديث عن تلك الوثائق على أهميتها الكبرى، كما أن تلك الوثائق لا تحظى باستحضار دائم ضمن فعالياته العديدة.

وفسروا الصعوبات التي واجهت الوثائق السابقة المتعلقة بالشراكة مع المثقفين منذ 2011 بأن المشيخة، أو قطاعا بداخلها، ليست حريصة على تصدير تلك الوثائق كعنوان رئيس دال على دورها في هذا السياق.

ورجح البعض من المثقفين أن خروج الوثيقة بهذه الأطروحات التنويرية يرجع إلى الشراكة التي لا يرغب فيها كثيرون، داخل الأزهر وخارجه، خاصة من جماعات الإسلام السياسي، ويربطون بين تأخر الأزهر في إطلاق الوثيقة النهائية، رغم مرور سنوات على إعدادها والانتهاء من مناقشتها وصياغتها شبه النهائية، وبين تمدد التيار المحافظ داخل الأزهر الذي يميل بحكم تكوينه إلى الجمود.

وشكك البعض في إمكانية أن تصدر هذه الوثيقة الجديدة أصلا عن مشيخة الأزهر، وتحدثوا عما جرى في العام الماضي عندما نفد صبر المثقفين من تلكؤ الأزهر بعد مناقشات وتعديل وإعادة صياغة استمرت لأكثر من سنة، فاضطروا إلى نشرها بالصحف في يونيو 2016، وخرج الأزهر ببيان يُكذّب صدورها عنه بدعوى أنه لم يتحقق التوافق الكامل حولها، ومنذ ذلك التاريخ لم يُثر أمر الوثيقة ما اعتبروه إيذانا بالنكوص والعدول وعدم التصدي للقضية إيثارا للسلامة.

ويعتقد البعض من المحللين أن الأزهر لم يعد يملك رفاهية التلكؤ، وليس أمامه سوى أخذ الأمر على محمل الجد مهما كانت الاعتراضات داخله، لتزايد الحاجة إلى التوافق العام حول رؤية تجديدية موحدة لقطع الطريق وسط صراعات لن يستفيد منها سوى المتطرفين وجماعات الإرهاب. علاوة على أن الاستقطاب بلغ حاليا أقصى مستوياته بعدما خرج البعض من علماء الأزهر يقولون إن الهجوم عليه هذه الأيام “مؤامرة” من قبل الملحدين، بينما خرج الطرف الآخر الناقد للمؤسسة يقول إن الأزهر صار مفرخة للإرهابيين.

13