وثيقة توحيد المعمودية هل تنهي الحرب الباردة بين الأرثوذكس والكاثوليك

من أهم نتائج زيارة بابا الفاتيكان فرنسيس الثاني إلى مصر نهاية الشهر الماضي ذلك الجدل الذي اشتعل إثر توقيع وثيقة تاريخية للمصالحة بين الكنيسة المصرية الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية في روما (الفاتيكان)، ومازال الغموض يحيط بتلك الوثيقة التي سميت “وثيقة توحيد المعمودية”، حيث أكد المهتمون بالشأن القبطي في مصر أن خلافا تاريخيا راسخا كالذي بين الكنيستين لا يمكن إنهاؤه بين يوم وليلة.
الخميس 2017/05/11
خطوة في طريق تخفيف الاختلافات

تصالح الكنيستين الأرثوذوكسية والكاثوليكية وحرصهما على التوافق والاعتراف المتبادل بصحة معمودية كل كنيسة، وعدم الحاجة إلى إعادة التعميد عند تغيير الكنيسة، في ما سمي ببيان “وحدانية المعمودية” يعد إنجازا مهما ينهي أحد أسباب الحرب الباردة بين الكنيستين.

الاتفاق الذي تم الجمعة قبل الماضي في القاهرة بين رأسي الكنيستين؛ الأرثوذكسية التي يمثلها البابا تواضروس والكاثوليكية التي يرأسها البابا فرنسيس، لم يكن ثمرة نقاش بين رجال الدين بالكنيستين، ومع ذلك فهو يشق طريقا لإنجاح الحوار بينهما، ويمهد لمناقشة قضايا لاهوتية أخرى معلقة للتوحيد بين الكنيستين الأرثوذكسية ذات الأغلبية العددية في مصر والشرق بصفة عامة، وشقيقتها الكاثوليكية المُسيطرة على أوروبا، لا سيما مع تجذر الخلافات العقائدية بين الطائفتين.

الخلاف بين الكنيستين قديم ويعود إلى القرن الخامس الميلادي ويدور حول طبيعة السيد المسيح، وهو ما نتج عنه انشقاق بينهما في المفاهيم الإيمانية أدى إلى عدم توحد “المعمودية” بين كل كنيسة، واعتماد كل منهما على معمودية خاصة به.

المعمودية وفقًا للمعتقد المسيحي هي أحد أسرار الكنيسة المقدسة، وهي اقتداء بمعمودية المسيح عليه السلام في نهر الأردن، ويتمثل طقسها عند الأرثوذكس في أن الآباء الكهنة يغطسون الأطفال ثلاث مرات داخل إناء ممتلئ بالماء مرددين دعاء (باسم الأب والابن والروح القدس)، ثم يلي ذلك تلاوة الصلوات الخاصة بالمعمودية وهي (تقديس الماء وصلاة الشكر وقانون الإيمان وصلاة تطهير الأم)، ثم يتم رش المولود بزيت الميرون (زيت زيتون مضاف إليه مواد أخرى لأن شجر الزيتون يشير إلى الأبدية فهو الشجر الوحيد الذي لا تسقط أوراقه أبدًا طول السنة).

أما في الكنيسة الكاثوليكية فيُكتفى بسكب الماء على رأس المولود ثم تلاوة الصلوات، ولأن طقوس التعميد تختلف بين الكنيستين فإن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تعيد تعميد الأشخاص الراغبين في الانضمام إليها من الطوائف الأخرى كشرط للانضمام إليها باعتبارها لا تعترف بطقوس معموديته الأولى، تطبيقا لمقولة “يجوز تعميد شخص مرة أخرى طالما لم يُعمّد بطقس أرثوذوكسي”.

الأنبا يوحنا قلتة، النائب البطريركي للكنيسة القبطية الكاثوليكية في مصر، قال إن اعتراف كل من الكنيستين بمعمودية الأخرى هو خطوة على طريق الوحدة وتنفيذ لتعاليم المسيح وخير للشعبين، فالمعمد في أي منهما لن يضطر لأي إجراءات أخرى للاعتراف بالمعمودية عند الكنيسة الأخرى.

وأشار إلى أن توحيد سر المعمودية هو بداية لتوحيد سرين آخرين، هما الإفخارستيا والزيجة بين الكنيستين، وأوضح أنه بذلك ستتم إزالة جميع العوائق التي من الممكن أن تعرقل زواج طرف أرثوذكسي بآخر كاثوليكي ليُباح بذلك الزواج المختلط بين المذهبين.

أوضح مصدر كنسي لـ”العرب” وقوع حالة من التخبط بشأن إعلان البيان الذي تم توقيعه، إذ بينما خرجت البعض من المواقع تتحدث عن وجود تلك الوثيقة، نفى سكرتير المجمع المقدس في مصر وجودها، ثم عرض موقع الفاتيكان الإلكتروني الوثيقة.

الشقاق في العالم المسيحي، خصوصا بين الأرثوذكس والكاثوليك، هو شقاق عقائدي يغذيه المتعصبون المنتشرون بين أتباع الكنائس، والذين حتما سيرفضون اتفاق وحدانية المعمودية

وما عزز تلك الحالة من الارتباك والتخبط هو عدم وجود حوار لاهوتي ذي آليات واضحة، أو أسس معلنة من المنطقي أن تسبق مثل هذا الاتفاق التاريخي، فحسب التقاليد الكنسية كان يجب طرح بنوده على لجان المجمع المقدس، كما كان يفعل البابا شنودة الثالث من قبل، لا أن يتم فرضها كأمر واقع دون الأخذ برأي الشعب الأرثوذكسي.

إن الكنيسة “مجمعية” وليست “بابوية”، وبالتالي لا يمكن صدور مثل هذه الوثيقة دون أن يوقّع عليها أساقفة المجمع، ودون الإجابة بوضوح عن سؤال “هل توحيد سر المعمودية يعني وجود إيمان واحد بين الكنيستين، أم أن التوقيع سيكون على بند المعمودية فقط دون التطرق إلى المفاهيم الإيمانية الأخرى”.

ويرى مراقبون أن الشقاق في العالم المسيحي، خصوصا بين الأرثوذكس والكاثوليك، هو شقاق عقائدي يغذيه المتعصبون المنتشرون بين أتباع الكنائس، والذين حتما سيرفضون اتفاق وحدانية المعمودية، وسوف تؤجج تلك الوثيقة غضبهم. فهل يمكن كبح جماحهم بهذه السهولة وصولًا إلى تحقيق المصالحة الدينية والمذهبية؟

وأكد كمال زاخر المفكر القبطي أن قرار السعي للوحدة وقبول الآخر كان صادما للبعض بسبب عزلة الكنيسة الأرثوذكسية، فعلى مدى 15 قرنا وهي تعلم أبناءها أنهم هم فقط من يسيرون على الطريق الصحيح وغيرهم طريقهم يشوبه البطلان والهرطقة.

وأرجع الجدل الدائر إلى تضارب ما نشر عما سُمي بالبيان الرسمي من جانب أجنحة بالكنيسة تدير معركة ضد البابا الإصلاحي تواضروس، ثم جاء الموقع الرسمي للفاتيكان ليحسم الأمر بنشره الوثيقة الرسمية بعدة لغات ومنها العربية. وأضاف أن الاتفاق لم يقل “سنوحد المعمودية”، وإنما قال “سنسعى لذلك”، وهو ما يدفع بالحوار اللاهوتي الأكاديمي إلى الأمام، ويفتح الباب لتقارب موضوعي يخفف من حدة الصراع البيني.

ويبدو أن اتفاق تواضروس وفرنسيس لا ينهي الخلافات العقائدية بين الملتين، لكنه يضع حجر أساس لتعزيز وحدتهما وخطوة على طريق التقارب المسيحي المسيحي.

13