وثيقة ثقافية وتاريخية

السبت 2017/12/02

كانت بدايات الدكتور عبدالأمير الأعسم المبكرة، مقترنة بالنص الأدبي، وكانت مبشرة حقا، ومن المؤكد أنه لو واصل تلك البدايات لشكل حضورا أدبيا متميزا.

لكنه ومنذ الدرس الجامعي الأول، كسبته الفلسفة، ولم يكن في اختياره الفلسفة، إلا أنه قد أفصح عن توجّه فكري وقدرات في التفكير ومواجهة الأسئلة ومحاولة التوسع فيها، والبحث من خلالها عن إجابات، هي الأخرى تنفتح على أسئلة جديدة.

وحين أكمل خياره الفلسفي في جامعة كمبريدج ببريطانيا، لم يكتف بأن تسبق اسمه مفردة “الدكتور” أو تلحق به جملة، دكتوراه في الفلسفة، بل رافقته نزعة البحث والكتابة والتوسع في المعرفة، ومثل هذه النزعة، تعني أن الدراسة عنده، حاجة معرفية، أكثر منها مجرد الحصول على عنوان أكاديمي، حيث ينتهي البحث العلمي، في تاريخ نيل شهادة الدكتوراه، فيدخل في مجال التكرار، بعيدا عن البحث والاجتهاد والتوسع المعرفي والكشف والإضافة.

لقد كان الأعسم، في صميم العمل الأكاديمي، أستاذاً وإدارياً، على امتداد أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، ظل فيها جميعاً في ذرى النشاط الفكري على صعيد التأليف والنشر، إذ أنجز أكثر من عشرين كتاباً مطبوعاً، وله عدد كبير من الأبحاث والدراسات، قدمها في مؤتمرات وندوات فكرية وفلسفية، في جامعات وملتقيات عربية وأجنبية، مثل جامعة كمبريدج والسوربون وميلانو وغيرها، كما أشرف على مجلات فكرية مهمة أو أسهم في تحريرها، ومنها دورية الاستشراق ومجلة الرواد ومجلة دراسات فلسفية.

غير أن الأعسم في كتابه الجديد بعنوان “من أعلام الفكر العراقي المعاصر”، الصادر عن دار دجلة بعمان، يدخل فضاءً معرفياً جديداً، إذ يكتب في مجال ثقافي لم يكتب فيه من قبل. فينحو منحى جديداً، إذا نظرنا إليه من منظور ما قرأنا من قبل من كتاباته وتآليفه، إذ سجَّل انطباعاته وقراءاته وذكرياته في آن، عن مجموعة ممن عدَّهم أعلاماً في الفكر من العراقيين، سواء ممن تتلمذ عليهم أم ممن رافقهم وزاملهم في نشاطه الفكري وعمله الأكاديمي، ومما يلفت النظر، أنه اختار بينهم بعض من تتلمذوا عليه، وهذا الاختيار دليلُ موضوعيةٍ وموقف أخلاقي، ليس في هذا الاختيار فحسب، بل في جميع من اختارهم وكتب عنهم من الأعلام.

إن جميع الذين كتب عنهم في هذا الكتاب، من الراحلين، وهذا خيار ذهب إليه كثيرون ممن كتبوا عن الآخر، علماً أو صديقاً، ومن الطبيعي أن تكون لهذا الخيار مسوّغات عند الكاتب، أي كاتب، لكن الدكتور الأعسم، كان مدققاً إلى حد كبير في ما كتب عنهم، فلم يخبط خبط عشواء وما ادّعى معرفة بشخص ما كان على تماس به، حياتياً أو فكرياً، ولم يعتمد على روايات الآخرين، وكان منفتحاً فكرياً وأخلاقيا، وهو يكتب عن هؤلاء الأعلام، وفيهم من كان على خلاف معه، فكراً أو موقفاً.

كما أنه لم يقيد خياراته بأي قيد، سوى حدود موضوعيته، فالأعلام في كتاب الدكتور عبدالأمير الأعسم “من أعلام الفكر العراقي المعاصر” من أجيال مختلفة ومدن عديدة وانتماءات فكرية متباينة، وقد تكون متناقضة.

وبعد هذا كله، فالكتاب وثيقة ثقافية وتاريخية، ترسم بوضوح صورة حقيقية مشرقة عن الحياة الفكرية في العراق، بكل ما فيها من حيوية وتنوّع، قبل أن يحلّ وباء الغزو والغزاة منذ العام 2003، ونتائجه الكارثية على جميع الصعد ومختلف مناحي الحياة، حيث كانت عاصفة مدمرة أضرّت بجميع صفحات الحياة وكل مفرداتها.

لذا فإن مثل هذه الكتابات، بقدر ما تجلو الحقيقة وتدافع عنها، فهي تدين خراب الجهل وتفضح جهل الجاهلين.

كاتب عراقي

15