وثيقة حماس الجديدة: إصرار على الرؤية الإخوانية

الأحد 2017/04/09

بوثيقتها السياسية الجديدة التي لم تعلن رسميا بعد تحاول حركة حماس الفلسطينية تسويغ تموضعها في الحركة الوطنية وفق تصوراتها الإسلامية الإخوانية وتدعو الجميع للالتحاق بمشروعها.

ولأنّ التاريخ عند الإسلاميين يبدأ بهم وعند تجربتهم، فحماس تتناسى عن عمد كل التجربة الفلسطينية المريرة والخيارات الصعبة التي أجبرت عليها منظمة التحرير في صراعاتها مع المحيط الإقليمي والبيئة الدولية.

وإذا ما أخرجنا النصوص المتعلقة بهوية الحركة الإسلامية من سياق الوثيقة الجديدة، فإننا إزاء برنامج حركة القوميين العرب وذراعها العسكري الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في نهاية ستينات القرن العشرين، دون النظر إلى المآلات السياسية والفكرية والسياسية التي وصلها التنظيم.

والتنكر للتاريخ يتمثل في تجاهل تجربة الزعيم التاريخي للفلسطينيين ياسر عرفات ورفاقه المؤسسين، أبوجهاد وأبوأياد الذين خلعوا رداء حركتهم الأم الإخوان المسلمين وأسسوا حركة فتح التي ظلت العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية وصمام أمان وحدتها واستمرارها رغم كل التناقضات والتداخلات الإقليمية .

تتجاهل حماس في وثيقتها التي تسمّى جديدة الظروف التي سمحت لمنظمة التحرير وفصائلها من العيش والتسلل من شقوق الانقسام الدولي والحرب الباردة بين معسكرين وامتداداته الإقليمية حيث خاضت المنظمة حروبا دموية بالوكالة في إطار الصراع الدولي-الإقليمي، ومع انهيار المعسكر الاشتراكي في نهاية ثمانينات القرن الماضي لم يعد المحيط الإقليمي قادرا على احتمال مثقلات المنظمة العسكرية والسياسية والتي ظلت تندرج في سياق المشروع التحرري والتغييري للواقع العربي، فكان اتفاق أوسلو هو الملاذ الأخير للحفاظ على ما اعتبر المنجز الأبرز لمنظمة التحرير وهو تحويل قضية الشعب الفلسطيني من قضية إنسانية إغاثية للاجئين إلى مشروع سياسي تحرري ينشد الاستقلال والتحرر وله سمات هوياتية وثقافية راسخة.

في عالم آخر

وهذه السمات هي التي جعلت من المنظمة وطنا معنويا للفلسطينيين أجمعوا وتوافقوا عليه، واجتهدوا لتجسيده على جزء من أرضهم لا في المنافي التي لم تعد تحتمل مشروعهم. أمام هذه التجربة الفلسطينية الدامية والطويلة يطرح السؤال: على ماذا تراهن حماس في مسعاها لقيادة السفينة الفلسطينية برؤية إسلاموية إخوانية؟

في السياق يسجل لتجربة حماس أنها لم تسع لشراكات وطنية إلا وفق شروطها وتصوراتها. وكل اللغو والخطاب الذي يبدو تصالحيا في الوثيقة الجديدة يخفي في الحقيقة فكرة “المغالبة” تجاه الآخرين والتي إن لم تحقق بالقوة والعنف بهدف “التمكين” فلا بأس بلعبة الديمقراطية الشكلية في ظل التشتت والتوزع الجغرافي للفلسطينيين وشروط وجودهم القانوني.

فقد حكمت حماس قطاع غزة طيلة عقد من الزمن دون أن تتمكن خلاله من تقديم تجربة تشاركية أو توافقية مع القوى الاجتماعية والسياسية التي تشاركها ذات الرؤية السياسية وأحيانا العقائدية، وقربت أهل الثقة على حساب أهل الكفاءة، وقمعت المعارضين والمختلفين مع نهجها وثقافتها السياسية والثقافية المتزمتة تحت ذرائع حماية المقاومة وسلطتها.

فساهمت إلى جانب استمرار الحصار الظالم والعدوان الإسرائيلي التدميري في مضاعفة آثار الكارثة الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية وصولا إلى وضع يفضل فيه نحو 37 بالمئة من شباب القطاع من عمر 18-29 الهجرة النهائية من الوطن (اتجاهات الهجرة لدى الشباب، مركز الإحصاء الفلسطيني).

يحسب لوثيقة حماس الجديدة أنها بعد نحو نصف قرن من نشوء الحركة الوطنية المعاصرة تقترب من برنامج المنظمة وتعترف بها كممثل شرعي وحيد. فالمنظمة باتت اليوم “إطارا وطنيا للشعب يجب المحافظة عليه، مع ضرورة تطويره وإعادة بنائه على أسس ديمقراطية تضمن مشاركة جميع مكونات الشعب”.

ويحسب لحماس أيضا أنها تقر رسميا بـ”بقيام دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس على خطوط الرابع من يونيو 1967 مع عودة اللاجئين والنازحين إلى منازلهم التي خرجوا منها”.

وتؤكد الوثيقة أن ذلك ليس اقتناعا أو قبولا باتفاقيات أوسلو والقرارات الدولية ذات الصلة ولا تنازلا عن أيّ شبر من أرض فلسطين التاريخية ولا اعترافا بإسرائيل وإنما هي صيغة توافقية وطنية مشتركة.

كما أن حماس تعرّف ذاتها في هذه الوثيقة التي ينتظر أن تحدث اختراقات دولية وإقليمية بأنها “حركة تحرر ومقاومة وطنية فلسطينية إسلامية” وللتمايز الاختلاف عن الحركة الوطنية تعيد حماس التأكيد بأن”الإسلام مرجعيتها الفكرية التي تحكم منطلقاتها وأهدافها السامية”. ولا ندري من أين خرج البعض باستخلاص أن هذه العبارة تعني التخلي عن ارتباط الحركة بالتنظيم الدولي للإخوان.

يبدو واضحا أن الوثيقة بحلتها الجديدة لا تستهدف الداخل الفلسطيني ولا الكتلة الوطنية الواسعة في إطار المنظمة وإنما هي موجهة للخارج وتسعى للقاء في منتصف الطريق مع الطلبات والضغوطات الدولية والإقليمية التي تسعى لتأهيل حماس وإخراجها من دائرة التهديد بإضافتها على قوائم الإرهاب وهو السيف المسلط على رقبة التنظيم الدولي للإخوان في أوروبا وأميركا وبعض الدول العربية.

ولا يخفي مهندسو هذه الوثيقة طموحهم المشروع لوراثة منظمة التحرير التي عملت قيادة السلطة الفلسطينية على تهميشها وإضعافها وتحويلها إلى أداة طيعة تستدعى وقت الحاجة لدعم الرئيس محمود عباس.

فمخطط حماس منذ حوارات المصالحة الأولى يشابه لعبة ياسر عرفات تماما عام 1968 لانتزاع قيادة المنظمة من سيطرة القوميين العرب، ومع تآكل المشروع الوطني وضعف تيار الوطنية الفلسطينية وانحساره في سلطة هزيلة في الضفة الغربية تتقدم حماس وتحت عناوين الحفاظ على حق العودة والمقاومة لإنشاء مؤسساتها التمثيلية البديلة في الخارج وتبني منظماتها ومؤسساتها السياسية والمالية والإعلامية الخاصة انتظارا للحظة قطف الثمار في هذه اللحظة المريضة، وكما فعل ياسر عرفات بين أعوام 1965-1968 حين استخدم ورقة المستقلين والخارجين من تجاربهم الخائبة في تنظيمات البعث والقوميين والشيوعيين والإسلاميين، تعود حماس إلى ذات السيناريو لكن بمفارقة تاريخية أن عرفات استخدم ثقل هذه الفئات من المستقلين لدعم مشروعه في بناء إطار الوطنية الجامعة ولمواجهة امتدادات الأنظمة العربية من خلال الفصائل المختلفة، فهذه القوى والشخصيات ارتضت خلع أقنعتها الأيديولوجية لصالح فلسطين، في حين تدعو حماس كل التيارات الأخرى والمستقلين إلى الالتحاق ببرنامجها ورؤيتها السياسية والفكرية، إذ تعلن ابتداء من السطر الأول في الوثيقة هويتها ومرجعيتها الإسلامية وأن هدفها هو الدفاع عن إسلامية فلسطين ووسطية مشروعها الديني الذي يتطابق مع البرنامج الإخواني.

يقينا أن حماس بهذه الوثيقة البرنامجية تعيش في غربة عن التحولات الدولية الجارية وهي لم تصل بعد إلى الاستخلاصات الهامة التي خرج بها إخوانهم في تونس والمغرب بالعمل الجدي على التحول إلى حزب مدني سياسي يفصل الدعوي الديني عن السياسي، فالخلط والتشابك أثمر تجارب سياسية كارثية في أكثر من بلد عربي حين صدّق الإخوان أن الولايات المتحدة ستدعم “الإسلام السياسي المعتدل” في تسلم السلطة في العالم العربي كممر إجباري نحو الديمقراطية.

كاتب فلسطيني

5