وثيقة نادرة عمرها 66 عاما تكشف: أول رئيس لمصر دكتاتوري

كتاب يكشف الارتباط الوثيق بين حركة الضباط الأحرار وجماعة الإخوان المسلمين، فقد كان هناك تحالف بين القوتين اللتين التقيتا على رفض الديمقراطية والتعددية.
الأحد 2019/08/18
أول رؤساء مصر محمد نجيب مع جمال عبدالناصر

 في عالم السياسة، كل شيء متوقع وكل الاحتمالات واردة، ليس كل ما غادر الحكم منبوذ ولا كل من ظل مرغوب، بل على العكس نلاحظ عبر وقائع تاريخية والمستجدات السياسية حجم التعاطف الذي حظي به أغلب من غادر الحكم خاصة في منطقتنا العربية.

من هنا لم يكن غريبا أن يرى البعض إبعاد أحمد بن بلة (2012-1916) أول رئيس جمهورية جزائري على يد رفيقه في الثورة ووزير دفاعه هواري بومدين ردة عن مسار الوطنية، أو ينظر آخرون لتنحية الرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر(1914ــ 1984) على يد نائبه صدام حسين باعتباره سحقا لمشروع تنموي، فذلك لم يكن صحيحا البتة.

وبالمثل، راجت في مصر، خاصة بين الشباب، خلال السنوات الأخيرة تصورات تلقائية بأن محمد نجيب أول رئيس للجمهورية كان حاكما نموذجيا، ومثلا يحتذى في العدل والحكمة والإصلاح، وأنه كان ينتصر دوما للحريات. ووصل الأمر أن يقرر البعض أنه أبعد عن الحكم وحددت إقامته وضيّق عليه لأنه كان صاحب مشروع ديمقراطي.

المعروف أن نجيب كان برتبة لواء عند قيام حركة الجيش في 23 يوليو سنة 1952 واعتبره الضباط الأحرار واجهة لائقة، فاختاروه رمزا لثورتهم، ثُم رئيسا لمجلس قيادة الثورة، ورئيسا للجمهورية بعد ذلك.

شهادة غير مجروحة

ليس المقصود هنا تشويه محمد نجيب أو محاسبته بأثر رجعي، فهناك متخصصون قادرون على ذلك، لكن المراد قراءة واحدة من الوثائق والأسرار النادرة مثل الوثيقة الصادرة عام 1953، كي تكون الصورة كاملة، والتاريخ وحده الحكم النهائي على الأشخاص.
ليس المقصود هنا تشويه محمد نجيب أو محاسبته بأثر رجعي، فهناك متخصصون قادرون على ذلك، لكن المراد قراءة واحدة من الوثائق والأسرار النادرة مثل الوثيقة الصادرة عام 1953، كي تكون الصورة كاملة، والتاريخ وحده الحكم النهائي على الأشخاص

كطبيعة الثوار دب الخلاف بين نجيب وجمال عبدالناصر القائد الفعلي للحركة، وتم تنحية الرجل في نوفمبر 1954 وحددت إقامته حتى منتصف السبعينات من القرن الماضي حين سمح له بحرية التحرك، ليكتب مذكراته بعنوان “كلمتي للتاريخ” معتبرا إبعاده عدوانا على الديمقراطية والحريات قبل أن يرحل عن عالمنا في 28 أغسطس سنة 1984.

واللافت أنه كان هناك تعاطف شديد مع الرئيس المُنحى المُضطهد من رفاقه، ما دفع البعض إلى أن يطلق عليه “رجل الفرصة الضائعة” باعتباره كان يحمل فكرا وتوجها لتحديث ودمقرطة مصر بعد إسقاط الحكم الملكي فعليا في 26 يوليو 1952 بطرد الملك فاروق الأول، ورسميا في 18 يونيو سنة 1953 بإعلان الجمهورية.

وإذا كانت شهادات المعاصرين تختلف باختلاف مواقف أصحابها، ودرجات مكاسبهم وخسائرهم من مرحلة تاريخية محددة. وإذا كانت آراء المؤرخين اللاحقين تتباين بحسب توجهاتهم السياسية، ما يُصّعب الاقتناع المطلق بأمر ما، أو الارتكان إلى حكم نهائي تجاه أحد شخوص التاريخ، فإن الوثائق الرسمية تبقى أفضل شاهد، وأصدق راصد لزمان ولى، أو عصر أفل، إذا كانت تتزامن مع الحدث ولا يتصور صانعوها ما جرى لاحقا.

من هنا تأتي أهمية وثيقة “الكتاب الأول للثورة” الصادر في 22 يوليو سنة 1953 بعد نحو شهر من إعلان الجمهوية واختيار محمد نجيب قائد الحركة كأول رئيس جمهورية لمصر.

جمع الكتاب ضابط من المقربين لمحمد نجيب يدعى اليوزباشي محمود فوزي الوكيل (توفي سنة 1984) بمناسبة مرور عام على حركة يوليو، ورصد فيه كافة خطب وتصريحات وقرارات نجيب باعتبارها استقراء لعهد جديد يعتبره عهد إصلاح وتنمية.

ولما كان ذكر نجيب مُجرما بعد تنحيته، حينها جمعت نسخ الكتاب من الأسواق وأعدمت معظمها ونزع اسم نجيب من كتب التاريخ المدرسي ليُستبدل بسلفه جمال عبدالناصر باعتباره أول حاكم مصري وطني منذ الآلاف من السنين، ولم تبق من الكتاب سوى نُسخ نادرة بأيدي هواة الأوراق القديمة.

 سمات حكام مستبدين كثر مروا على مصر
 سمات حكام مستبدين كثر مروا على مصر

عادة عند موت مثل هؤلاء الهواة، لا يهتم الورثة بمقتنياتهم الورقية، فيبيعونها باعتبارها “روبابيكيا” (كلمة تطلق على الأشياء القديمة) بأبخس الأثمان، وهكذا وصلتني الوثيقة النادرة من أحد الباعة بسور السيدة زينب للكتب والأوراق القديمة في وسط القاهرة بعد أن اشتراها ضمن “روبابيكيا” من ورثة أحد هواة التراث الراحلين.

ذكرتني الواقعة بأحداث مشابهة، من أشهرها ما جرى قبل عشرين عاما عندما عثر الباحث والمؤرخ الراحل صلاح عيسى (2017-1939) بطريقة مشابهة على مشروع دستور مُجمد، كانت السلطة في مصر تنتوي إصداره سنة 1954 لكنها عدلت عن ذلك خوفا من قيام حياة ديمقراطية، ونشره عيسى في كتاب حمل عنوان “دستور في صندوق القمامة”. وكم من وثائق وأوراق نادرة تختفي لتموت معها حقائق، وتُدفن معها وقائع، وتتبدل بفقدانها صور وتتغير تصورات.

أهم ما في نسخة الوثيقة الصادرة سنة 1953، وهي بحالة رثة، أنها ترسم صورة حقيقية معاصرة لشخص محمد نجيب أول الرؤساء، وهي صورة شخص لا يؤمن بالتعددية ولا يقبل الآخر، مثل غالبية العسكريين في ذلك الزمان.

يرى نفسه الأول والأعظم والأكبر والأحكم ويستخدم نظرية المؤامرة دائما لكسب التأييد. هي صورة حاكم يتصور امتلاكه الحق المطلق، والعدل التام، ويرى أن كل مختلف معه عدو، وهو ليس عدوا له فقط، وإنما للوطن وأهله.

الفارق بين البلد والحاكم ينهار في تصور الرجل، فمن يختصمه يختصمه لأنه ضد البلد وأهله، ومَن يحبه ويتفق معه فهو أهل للوطنية. يرى الماضي كله بغيض، والسابق كله فساد، وتبدأ أفكاره وتصوراته كطلبات من الناس، ثُم تصبح أوامر والتزامات، وتتحول إلى وعيد وتخويف.

يبدو كارها للأحزاب تماما، وهي صورة من صور الانقسام والفرقة، ويؤمن أن الرأي يجب أن يكون واحدا، والصوت واحدا، والقرار واحدا، ما يناقض فكرة الديمقراطية تماما التي راجت عنه.

ليس المقصود هنا تشويه الرجل أو محاسبته بأثر رجعي، فهناك متخصصون قادرون على ذلك، لكن المراد قراءة واحدة من الوثائق والأسرار النادرة، كي تكون الصورة كاملة، والتاريخ وحده الحكم النهائي على الأشخاص.

يؤكد الكتاب أن الرجل لديه ولع شديد بالظهور، فلا يكاد يخلو حدث من وجوده، ولا تمر مناسبة دون حضوره ليظهر كمبادر وقائد وفاعل، ويلتقط التصاوير وهو يحمل فأسا في عيد الفلاح، ويرتدي ملابس العمال في يوم العمل.

للرجل خطاب في ذكرى الهجرة النبوية أيضا، وآخر في عيد الفطر، وغيره في عيد الأضحى، ورأس السنة، وكان حاضرا بقوة في كل فرصة للحديث والظهور. وفي كل مدينة يمر موكبه ليُحيي الجماهير على الطرقات بوقفة تعال كبطل منتصر.

أقوال تعكس أفكارا

وثيقة ترسم صورة حقيقية معاصرة لشخص محمد نجيب
وثيقة ترسم صورة حقيقية معاصرة لشخص محمد نجيب

رصد الكتاب أقوال وأفكار نجيب الدكتاتورية بعد أيام قليلة من استيلاء الضباط الأحرار على السلطة. ففي 30 يوليو سنة 1952 وبعد أربعة أيام فقط على طرد الملك فاروق من مصر، تحدث أمام وفد من الصحافيين والطلبة ليقول “إن التخلص من الثعبان لا يكفي فيه قطع ذيله”.

في اليوم التالي مباشرة طلب نجيب في بيان رسمي من الأحزاب القائمة في البلاد أن تعلن برامج محددة للشعب. ثم ترتفع نبرة الدكتاتور داخله لنجده في حديث مع صحيفة الأهرام في 9 أغسطس من العام ذاته يقول مهددا “إننا نحذر ثُم ننذر ثم يكون لنا شأن آخر”. ويكشر بعد ذلك عن أنيابه “إذا لم تطهر الأحزاب نفسها كما يجب سنطهرها بالقوة”.

في الكتاب أيضا سمات التبشير بالقوة العظمى للوطن والرخاء العظيم يتدفق عبر خطب متنوعة لنجيب، إذ يقول مثلا في عرض عسكري أقيم بالقاهرة يوم 22 أكتوبر 1952 “مصر يجب أن تتحول إلى دولة عظمى وليس هذا خيال. نحن لسنا أمة صغيرة ولا ينبغي أن نظل أمة صغيرة لأننا نملك من تاريخنا وموقعنا ما يؤهلنا لذلك”.

كانت تلك سمات حكام مستبدين كثر مروا على مصر، حيث يعدون بدولة “سوبر” ومكانة خيالية، ليخدروا الناس بمستقبل لا يجيء أبدا، ويتناقض مع معطيات الواقع.

وفي تبريره لقرار حل الأحزاب المصرية في 16 يناير 1953 قال نجيب في بيان رسمي “لقد اتضح لنا أن الشهوات الشخصية والمصالح الحزبية تريد أن تسعى سعيها ثانية بالتفرقة، فلم تتورع عن الاتصال بدول أجنبية ونسي هؤلاء أننا نقف بالمرصاد لكل من تحدثه نفسه بالخروج على الشعب أو العبث بمستقبله، لذلك فقد أمرت باتخاذ أشد وأعنف التدابير ضد كل مارق وخائن يسعى بالفتنة بين صفوف الأمة”، ثم يقول “منذ اليوم لن أسمح بأي عبث أو إضرار بمصالح الوطن وسأضرب بمنتهى الشدة على يد كل من يقف في طريق أهدافنا”.

وتكررت تبريرات نجيب بشأن إعدام الأحزاب في خطابه يوم 23 يناير 1953 قائلا “لقد رأيناها جريمة كبرى أن ندع هذه الحرب الطاحنة بين الأحزاب تطحن الأمة فعزمنا أن نضع حدا لها”.

وفي خطاب آخر بميدان التحرير في وسط القاهرة يوم 6 فبراير واصل نجيب لعن الأحزاب ليقول “لقد كان هم الأحزاب أن تخدع الناس بالكلام المعسول وأن تنيم بطونهم الخاوية وتملأ عقولهم بالأكاذيب”.

تسييس الدين

يكشف الكتاب الارتباط الوثيق بين حركة الضباط الأحرار وجماعة الإخوان المسلمين، ذلك الارتباط الذي حاول الكثير من المؤرخين نفيه، فقد كان هناك تحالف بين القوتين اللتين التقيتا على رفض الديمقراطية والتعددية، واستمر ذلك التحالف طوال العامين الأولين للحركة.

وليس أدل على الأمر من نشر الوثيقة لزيارة الرئيس محمد نجيب إلى قبر حسن البنا وإلقاء خطاب أمام ضريحه في 12 فبراير 1953. والغريب أن يتحدث نجيب ومعه جمال عبدالناصر خلال الزيارة باللغة نفسها التي يتحدث بها أعضاء جماعة الإخوان، إذ سُمي حسن البنا “الشهيد” واعتبر “رجل يعيش لأمته فيهب لها حياته ويحصر فيها آماله، لذا فإن الفجيعة فيه لم تكن فجيعة جماعة ولا فجيعة طائفة، لكنها فجيعة أمة، بل أمم غزى قلوبها جميعا”.

استخدام الدين لتجميل صورة الرئيس
استخدام الدين لتجميل صورة الرئيس

كان استخدام الدين واضحا لتجميل صورة الرئيس في عدة مواضع بالكتاب، فيرد قرار إسقاط الملكية وتعيين نجيب كأول رئيس للجمهورية مسبوقا بآية قرآنية.

هنا لا نستغرب أن تكون أول زيارة للرجل بعد توليه رسميا رئاسة الجمهورية إلى جامع الحسين بهدف استثمار محبة الحسين الطاغية لدى الناس لكسب تأييدهم. والمثير في الأمر أن يخطب في الناس الشيخ أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف وأحد قيادات الإخوان في ذلك الوقت.

تتكرر لعبة تسييس الدين في وثيقة الرئاسة المنسية لتنشر كلمات رجال الدين في مباركة تولي نجيب الحكم، لتبدأ بكلمة شيخ الأزهر وقتها الشيخ عبداللطيف السبكي، مسبوقة بالآية الكريمة “إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله. يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما”.

 ثم تتلوها كلمة الأنبا يوساب الثاني بطريرك الأقباط في مصر داعيا بحفظ الرئيس المحبوب وصحبه الكرام. وتأتي بعد ذلك كلمة حاخام اليهود حاييم ناحوم (وكانت توجد في مصر وقتها طائفة يهودية مؤثرة)، وفيها شبه رجال الثورة بالفرقة الموسيقية والرئيس نجيب بالقائد صاحب العصا التي تتحرك لتعزف الفرقة أبدع الألحان.

وشارك الرئيس نجيب نفسه في استغلال الدين في تعزيز مكانته السياسية، إذ استخدم في خطابه الأول الموجه للشعب باعتباره رئيسا للجمهورية آيات من القرآن وأحاديث نبوية واستشهد بخطبة الخليفة الراشد أبي بكر الصديق.

وكرر رجال الثورة الأسلوب ذاته ليهب جمال عبدالناصر، نائب الرئيس وقتها، مخاطبا ويطلب من الناس ترديد قسم مبايعة للرئيس نجيب قال فيه “اللهم إنا نشهدك وأنت السميع العليم أننا بايعنا الرئيس نجيب رئيسا لجمهورية مصر..”.

الغريب أن تفضح لنا الوثيقة مواقف وآراء متناقضة لأعضاء مجلس قيادة الثورة الذين قاموا بعد ذلك بخلع نجيب وتحديد إقامته، فبعد أيام قليلة من تعيين نجيب رئيسا للجمهورية يخطب عبدالحكيم عامر عضو مجلس قيادة الثورة وقائد الجيش وقتها في بلدته محييا القائد العظيم الذي استحق محبة الناس فصار أول رئيس منهم ولهم.

 وخطب صلاح سالم عضو مجلس قيادة الثورة في مدينة المحلة، شمال القاهرة فيقول “البعض كان يرى انتخاب رئيس الجمهورية انتخابا شعبيا وأعتقد وكلكم تعتقدون أن محمد نجيب نجح في أكثر من انتخاب. لقد سار في كل ركن من أركان البلاد والتف حوله ملايين البشر، ولقد سرت اليوم بينكم وتبينت حبكم. لذا فإن ذلك أكبر من أي استفتاء وأقوى من انتخاب تدفع فيه الأموال لشراء الذمم والنفوس”.

 وما يمكن استخلاصه أن هذه الوثيقة بمثابة سلاح ذي حدين، حيث تكشف مواقف الرئيس نجيب من الحريات والتعددية والديمقراطية. كما تكشف في الوقت نفسه نفاق ضباط يوليو لرجل شاءت الظروف أن يجعلونه رئيسا لهم، وقالوا فيه مدائح لم تلبث أن انقلبت لعنات عند خلعه وبعد إبعاده عن الحكم.

7