وجادلهم بالصبر

السبت 2013/12/21

فأمّا نحن ، وقد جعلنا الربُّ من أوادمه التي تمشي فلا تستتر بحائط، وتقول قولةَ صدقٍ فلا تكترث للومة لائم لئيم ، حتى قالت عنّا الناس، إننا من صنف حَمَلَة السلّم بالعرض . ديننا وديدننا، هو أن لا نشدَّ لحيةَ زيدٍ، بشاربِ عمر، وما كنّا بحاملي حطب ولا بساكبي زيت فوق نار الوقيعة. وقد لعبتْ بنا الأيامُ طوبةً مطوّبة، فعِفْنا معامعها وزهدنا في مصارعها، وسرنا صوب صوامعها آمنين خاشعين، حتى حطّتْ ببُطين يميننا، عركةٌ بين اثنين من رعية بلاد ما بين القهرين العظيمين، أوّلهما كنّا شتلناه بمُخيخنا، كما فلتة مقامية مجيدة مجددة، اسمه محمد ويكنّيه العوام بالأخرس، وأزيد الظنِّ أنَّ الخرس هنا، حمّال أوجه وتأويل، فمنهم من أرجعه إلى تأتأة ومأمأة وفأفأةٍ، ومنهم من قال بعسرة في تنميق الكلم، وذهب آخرون إلى ما يحطُّ من قدْر الفتى، ويردّهُ مردَّ أخرسٍ أطرشٍ في زفة عرس، وتلك لعمري كلُّها روايات مجروحة، إذ كنّا عشنا وطرأ من رصيف الشتات، صحبة الولد التحفة، فما لقينا منه غير علم ينفعُ وخفر يرتع.

وأما ثانيهما وقد سمّاه أبوهُ صالحا، فقد تبلبلتْ كثرة كاثرةٌ من أهل البلاد، في ردّهِ وكنيتهِ إلى ضلع فوارس بني حمدان، فقالوا فيه ما ليس به، وأنكروا عليه ما هو قائم عليها من خصال مخصولات، وقد عرفناهُ متأخرين عند أعتاب برائد الالكترون الجديدة، فشفنا منه ما شاف منّا، ورضينا عنه فرضتْ عنه ناسٌ، وما كنّا بِرضانا هذا من القومِ البطرين المتبطرين، إنما هي مطرة طرائف ولطائف ضحّاكة، يغزلها الحمداني على منوال الأيام السخماوات، فنطُقُّ ضحكاً، ونتميّز راحة، وتلك كانت من حسناته البائنات الراسخات على بينونة، وحيث دَعْبَلَنا الرحمن القادر، عند بعيثات تصاوير ترسمُهُ رسْما، من قوة وضوحا تكاد تصيح، حتى رأينا من أثاث الوجه، أنَّ صالحا هو ليس من الأوادم التي تلاحق بعيونها الشرهات، لقمةَ ضيفٍ نازلٍ بليل، ولا خزنة خازنٍ إذا خزن، فقَنَعَ بالقليل مما تطبخُ الزوج، فتأكلُ العيال وترضى وتوصوصْ، ولو كانت مرقتها من ماءٍ وحصى، فعفونا عنه بعد أن كان قاب قوس أو أقلّ، من مدفنِ حقٍّ في ثنيةٍ من ثنياتِ كتابنا الشارد نحو الكمال، والموسوم حتى الليلة المبروكة “بخلاء علي السوداني”.

ربَّنا أتمم علينا نعَمِكَ وآلائكَ وجمالك من قبل ومن بعد، واخلعْ علينا برْدة الحلم والحكمة، وعاونّا على فضّ هذه المعمعة بين صاحبين مزروعين بين الضلوع، ولا تجعلهما فرجةً لنظارةٍ، تسفي فوق صُفيحات صائحات مثل دكّة مزاد، تريد للبلد العزيز، ما لا يشتهيه الأخرس والحمدانيّ، وما لا تشتهون.

24