وجدان الهاشمي الأميرة التي انتصرت لفنها

رسوم الفنانة الأردنية  لا تقول كل ما تتضمنه من النظرة الأولى، فهي رسوم تأملية، مشفرة، ماكرة حين يتعلق الأمر بالمعنى، مراوغة حين يتعلق السؤال بالأسلوب.
الأحد 2019/01/20
الهاشمي راعية الجمال في تمرده

في ما يتعلق بمسيرتها، كان هناك دائما لقبان يتنافسان ليسبقا اسمها؛ الأميرة والفنانة. المرأة التي خدمت الفن في بلدها من خلال مؤسسات اخترعتها لتكون حاضنة للفنانين تفضل أن توصف بالفنانة. وهي فنانة حقيقية بقوة إنجازها الأسلوبي المتفرد.

أميرة الرسم في صفائه

ما إن يُقال “الأميرة وجدان” حتى يلتفت الأردنيون إلى الفن الحديث باعتباره واحدة من حقائق حياتهم اليومية. ما فعلته تلك الأميرة القادمة من بغداد لم يفعله أحد من قبلها على مستوى التأسيس لعلاقة متينة بين الجمهور والفن من جهة ومن جهة أخرى بين الفنانين والمؤسسات الفنية.

لديها مآثر كثيرة في ذلك المجال، غير أنها تميل إلى مأثرتها الحقيقية: الرسم ومن خلاله الحب الذي صنعت منه شعارا لحياتها وهدفا لفنها.

أميرة الرسم الحديث في الأردن لم تكن راعية فن وفنانين فحسب بل كانت تقف أيضا عند حدود البحث الجمالي، مغمورة بمعرفة عميقة بالفنون الإسلامية وبتحولات الفن الحديث في العالم.

فنانة عميقة في صدقها التعبيري، صافية في تجريدها
فنانة عميقة في صدقها التعبيري، صافية في تجريدها

مثل اللبنانية إيتيل عدنان تعلقت وجدان بالحرف العربي بطريقة تختلف عن الطريقة التي اتبعها الحروفيون العرب وبالأخص شيخهم شاكر حسن آل سعيد الذي أعجبتها فيه شخصية المتصوّف. غير أن وجدان كانت دائما أكثر عمقا من إيتيل في استنطاق الحرف ليكون صوتا ملتاعا.

سحر رسومها يكمن في شفافيتها.

لا تقول تلك الرسوم كل ما تتضمنه من النظرة الأولى. فهي رسوم تأملية، مشفرة، ماكرة حين يتعلق الأمر بالمعنى، مراوغة حين يتعلق السؤال بالأسلوب، عميقة في صدقها التعبيري، صافية في تجريدها.

لذلك لم تكن ريادتها الفنية محصورة بالجانب النسوي وهو جانب مهم في بلد مثل الأردن، بل انفتحت تلك الريادة لتشمل الفن الحديث في سياقه الشمولي حيث جسّد حضورها الدائم في الفعاليات الفنية باعتبارها رسامة نزعتها إلى تأكيد الاعتراف الاجتماعي بالفن.

ولأن الأميرة الهاشمية تعرف ما الفن بمفهومه الحديث فقد كانت حريصة على أن يضفي حضورها أهمية على تجارب فنية، تعتقد أنها تمثل خطوة متقدمة في سياق البحث الجمالي الحديث.

الأميرة وجدان هي الرسامة والمتخصصة بالفنون الإسلامية والدبلوماسية والمؤرخة، وقبلها جميعا هي راعية الفنون في بلادها.

ولدت الأميرة وجدان العام 1939 في بغداد وهي ابنة الشريف فواز مهنا الذي كان معماريا. درست التاريخ في جامعة بيروت وحصلت على البكالوريوس عام 1961. وحين عادت إلى الأردن درست الفن بشكل خاص بإشراف الفنانين مهنا الدرة وأرماندو بروني. تابعت دراسة الفن في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن إلى أن حصلت على درجة الدكتوراه في الفن الإسلامي وعلم الآثار عام 1993.

الأميرة وجدان استطاعت أن تبقي على توهج الفنانة وتمردها وعمق انتسابها للحداثة الفنية
الأميرة وجدان استطاعت أن تبقي على توهج الفنانة وتمردها وعمق انتسابها للحداثة الفنية

على صعيد عملي تعتبر وجدان أول امرأة أردنية تنتسب إلى السلك الدبلوماسي منذ عام 1962 حيث التحقت بوزارة الخارجية. فكانت أول امرأة تمثل الأردن في الأمم المتحدة، كما تولّت منصب سفير لبلدها في إيطاليا.

عام 1979 أسست الجمعية الملكية الأردنية للفنون الجميلة كما أسّست المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة عام 1980. عام 2002 أسست كلية الفنون والتصميم بالجامعة الأردنية وكانت أول عميدة لها. وهي اليوم الرئيسة الفخرية لرابطة التشكيليين الأردنيين.

ألّفت باللغتين العربية والإنكليزية تسعة كتب عن الفن الإسلامي التقليدي والفن المعاصر في العالم الإسلامي منها كتاب بعنوان “الفن الحديث في الأردن” نشرته عام 1997. كما ساهمت في تأليف الكثير من الكتب التي تقع ضمن اختصاصها.

ما بين عامي 1994 و1997 عملت بصفة أستاذ مساعد في الفن الإسلامي وعلم الجمال بالمعهد العالي للعمارة والفنون الإسلامية “جامعة آل البيت”. وكانت قبلها قد ترأست اللجنة المؤسسة للمعهد المذكور.

أقامت الفنانة العشرات من المعارض الشخصية في مدن عربية وعالمية، نذكر منها “عمان وبرلين ولندن وبيروت ولويفيل وواشنطن وكراتشي ومسقط والمنامة وروما”.

كما هو واضح فإن السيرة الفنية لوجدان كانت تتداخل وتمتزج دائما بالسيرة العملية للشخص الآخر الذي كان عليها أن تقوم بواجباته. فكانت المرآة لا تظهر الفنانة وحدها بل وأيضا الأميرة والدبلوماسية وأستاذة التاريخ والناشطة على صعيد تشييد البنية التحتية للفن التشكيلي في بلادها.

في ما يتعلق بالفن، فإن الفنانة لعبت دورا مزدوجا في الحياة الفنية. كانت داعية تحديث وصاحبة رؤية متقدمة في دور الفن في إعادة صياغة المجتمع على أسس معاصرة كما أنها نشطت في إقامة الأطر التي يمكن للفن من خلالها أن يتحرك محميّا بغطاء مؤسساتي.

غير أن مأثرتها الحقيقية تكمن في أنها استطاعت أن تبقي على توهّج الفنانة وتمردّها وعمق انتسابها للحداثة الفنية وشفافية صلتها بعالمها في خضم الصفات الأخرى التي كان عليها أن تستجيب لما تمليها عليها من واجبات، يتطلب القيام بها مزاجا صعبا بالنسبة لفنانة.

كما لو أنها لا ترسم 

شعور الهاشمي بلذة العمل ونشوة الاكتشاف يفوق في الأهمية ما يمكن أن تكون قد خططت
شعور الهاشمي بلذة العمل ونشوة الاكتشاف يفوق في الأهمية ما يمكن أن تكون قد خططت

تقول الفنانة “أهم عنصرين في لوحاتي هما الملمس واللون. فيهما أتفاعل بدرجة كبيرة مع اللوحة” تلك مقولة يمكنها أن تفسّر الكثير مما يجري على سطوح لوحاتها التي غالبا ما تكون من ورق ياباني أو هندي صُنع يدويا.

فالفنانة التي تعرف أكثر من سواها ما الذي تعنيه هوية الفنان في عالم يضجّ بالهويات المختلفة، تدرك في الوقت نفسه أن علاقتها بالرسم لا يمكن تحديدها بوصفات جاهزة تملى عليها من الخارج.

إنها تمارس الرسم من غير أن تكون على دراية بما ستتوصل إليه من نتائج، بالرغم من أن هدفها لن يكون بالدرجة نفسها من الغموض. هناك شيء اسمه غواية المواد. وهو ما يمهّد لقيام مختبر جمالي، تقيم الفنانة فيه تجاربها الشكلية بشعور عال من المتعة. وكما أرى فإن وجدان ترسم لتكتشف، من غير أن تكون قد هيّأت نفسها لمواجهة ما تكتشفه.

شعورها بلذة العمل ونشوة الاكتشاف يفوق في الأهمية ما يمكن أن تكون قد خططت له. وفي معرضها “شفافيات ـ ورق وزجاج” الذي أقامته في المنامة كان الموضوع مجرّد ذريعة. ولكن، يا لها من ذريعة هائلة القيمة على صعيد ما تبعثه في الروح من حميمية إنسانية في محتواها. أن يكون “الحب” ذريعة للرسم فذلك معناه أن علينا الاستعداد للقيام بمغامرة روحية تحتكم بطريقة وأخرى إلى ما نملكه من خزين لغوي غير قابل للنفاد.

في ذلك المعرض بدت الفنانة كما لو أنها تتعلم الكتابة من جديد. وفي تلك الحالة سيكون للرسم معنى مختلف.

ترسم الفنانة الكلمة وهي تقصد الحالة. وهي من خلال الملمس تطلق أصواتا ومن خلال اللون تخلق مشهدا هو أشبه بشهقة بين جمالين. جمال اللغة وجمال المعنى.

في الفتنة الغامضة

الأميرة وجدان راعية الفنون في بلادها
الأميرة وجدان راعية الفنون في بلادها

في معرضها “المعلقات” اقتفت الهاشمي أثر الشعر. كان غامضا كما وصفته. وهي تعرف أن ما يقع على سطوح لوحاتها ينتمي في الجزء الأكبر إلى شعور عميق بغموض اللغة.

تعرف الفنانة بحكم تخصصها الأكاديمي أن الإيقاع هو سرّ الجمال. لذلك بحثت في الشعر عن إيقاع خطوات الكائن الغامض الذي يتوارى خلف اللغة. فهي لا تؤثث رسومها بالمفردات باعتبارها أشكالا جاهزة بقدر ما تتبع تلك المفردات وهي تغيّر أشكالها كما لو أنها ترغب في أن تُبعث من جديد. ما ترسمه يفاجئها كما يفعل الشعر تماما. ترسم وجدان متأثرة بالشعر لا لتقيم في القصيدة بل لتغادرها إلى جمال يقع إلى جوارها. لذلك يمكن القول إنها لا تصف ما تشعر به بل تصنع له كيانا قابلا لأن يكون مصدر إلهام لشعر لم يُكتب بعد.

وجدان هي أميرة الرسم الحديث في الأردن غير أنها في الوقت نفسه مبشّرة بالحب الذي يخلق عن طريق الرسم دربا لفهم الشعر الذي يحيط بنا.

9