وجدي معوّض يكشف الوجه الآخر للشهرة

عمل مسرحي يعالج مكانة الفنان في مجتمعه، في ظل التطورات المعاصرة التي جعلت الفن أشبه بسلعة.
الاثنين 2020/01/13
عندما يتحوّل الفن إلى سلعة يموت الفنان

“موت فنان شعبي في مقتبَل العمر” هي مسرحية جديدة ألفها المغني المشهور أرتر هاش، بالاشتراك مع المخرج وجدي معوّض، الذي يدير أيضا مسرح الهضبة بباريس حيث تعرض المسرحية.

“موت فنان شعبي في مقتبَل العمر” هي ثمرة لقاء بين فنانَين من نفس الجيل، هما المؤلف والمخرج المسرحي الكندي من أصول لبنانية وجدي معوّض، وأرتر هاش (الحرف الأول من هيجيلان) وهو مؤلف أغان وملحن ومغنّ، يجمع في ألحانه بين موسيقى الجاز والروك والإلكترو، اتفقا على صياغة نص مسرحي حول فنان شعبي يدعى أليس بدأ ينأى شيئا فشيئا عن المثل الأعلى للبانك (وهي حركة احتجاج تجمع شبانا يرفعون علامات مستفزة كأنماط الحلاقة والزينة والأشناف، والعبارة هي الأحرف الأولى لـPeople Under No King) التي ينتمي إليها.

ولما بلغ الخمسين، أحسّ بفراغ قاتل وندم شديد، رغم الشهرة والنجاح، وصار ينقم على المنظومة التي تستغل الفن والفنانين وأنصارهم، وينقم أيضا على تضييعه معالم الطريق، التي سار عليها حتى غدا فنانا ذائع الصيت.

وفي يوم يقرّر أليس أن يوهم عشاق فنه بموته، عسى أن يوقظ أنصاره من سباتهم، ويوقظ نفسه من رتابة تقوده إلى القلق الوجودي والكآبة والخواء، فرتّب ذلك بطريقة أراد من خلالها الثأر لنفسه من المنظومة، والتمتع في الوقت ذاته بتبعات تلك الخدعة.

عندما يرفع الستار يجد المتفرجون أنفسهم في الناحية الأخرى من حفلة موسيقية، أي من مكان يطل على فضاء من تلك الأفضية الشاسعة التي يزدحم فيها عشاق الفنان. وثمة ستار معتم يفصل هذا المكان عن الكواليس الموجودة في الواجهة.

وهي حيلة سينوغرافية للدلالة على أن الأحداث تجري على خشبة لم ترفع بعد ستارتها، ولا يجيء من ورائها غير هتاف الجمهور وتصفيقه، وأن الموضوع هنا يخصّ أهل الصناعة، وكيف يستعدّون للقاء جمهورهم، هذا الجمهور الذي يمكن اعتباره هنا سرابا يولّد بدوره سرابا، لأن الشهرة تشبه إلى حدّ بعيد نابِذة تدور حول نفسها فتخلق الفراغ من حولها.

مسرحية "موت فنان شعبي في مقتبَل العمر" حكاية في شكل كوميديا موسيقية عن مسيرة فنان شعبي نحو توبته

هي حكاية في شكل كوميديا موسيقية عن مسير فنان شعبي نحو توبته، ولكن عوض تتبع بطل شاب يكد ويجد ويواجه صعوبات شتى حتى يحقّق حلمه كما جرت العادة في الجنس الموسيقي، اختار وجدي معوّض مسارا عكسيا، حيث بدأ من لحظة السقوط من القمة، ليواكب عبور بطله فترة جدباء من حياته، اكتشف خلالها أنه فقد رأسماله الأخلاقي، فما عاد مخلصا ولا نزيها ولا أمينا، وصار صدره يضيق بمن يلقاه إثر كل حفلة، ما دفع الملحقة الصحافية إلى تجنيبه مقابلة أي كان، ولكن صادف أن انشغلت بأمر آخر، فلم تمنع لقاءه بصحافي أراد أن يحاوره للمرة الأخيرة قبل أن يحال على التقاعد، فكان ما كان، وجاءت مقالة الصحافي مخيبة لانتظارات البطل.

من هنا تولّدت فكرة تظاهره بالموت، وإشاعة ذلك بين الناس، ليستغل المنظومة التي سوف تطلق أدواتها لنشر النعي والتعاليق والريبورتاج واللقاءات، ويندّد بها في الوقت ذاته.

يرسم الجزء الأول من المسرحية صورة قاتمة لعالم الفرجة في شكل كوميدي وكاريكاتيري، كشخصية الملحقة الصحافية ذات النظارة الطبية السميكة في خفتها ونشاطها المسعور، أو الصحافي الذي انتقم على طريقته كتعبير عن خيبته من فنان لم يعد يقبل الخضوع لقواعد اللعبة، واختار أن يجيبه إجابات لا ترضيه، إجابات مقتضبة يراد منها التخلص من إجراء الحوار، والاكتفاء بالقول: “أؤلف أغانيَ، ذلك ما يمكن أن أقدّمه، ليس لديّ ما أقول عن المجتمع..”.

يلي ذلك قدوم مدير أعمال الفنان، الذي سيتحوّل معه العرض إلى أضحوكة، بحكاية الموت الكاذب والدفن المصطنع والطقس الفودو المتكلف كي يعيده إلى الحياة بعد ممات، ويشفيه ممّا “أصابه من عمى”.. فهو صاحب فكرة الغياب ثم الانبعاث.

Thumbnail

ولكن من المفارقة أن الأقارب والمعجبين لم يستسيغوا فكرة انبعاث “الميت”، فأداروا له الظهر، وكادوا يتجاهلونه لولا قدوم إحدى المعجبات من كيبيك، لتأخذ بيده، وتقوده في تيهه، وتعيد إليه أصحابه وأحبابه، فيُبعث الفنان بفضلها من جديد.

لئن وفّق الممثلون والممثلات في أداء أدوارهم على الوجه الأكمل، وخاصة ماري جوزي باستيان في دور المعجبة بلهجتها الكيبيكية الطريفة، فإن أرتر هاش سجل حضورا لافتا، بفضل أدائه الركحي لا محالة، وبفضل أدائه الفني أيضا، وهذا ليس غريبا من فنان توّج ثلاث مرّات في مناسبات انتصار الموسيقى، كعازف بيانو ومغنّ بيعت أسطواناته بمئات الألوف.

أما عن اختياره اسما مؤنثا في هذه المسرحية، فكان وفاء منه لروح أمه التي كانت تعشق الممثلة الراحلة أليس سابريتش، لوقوفها مع الشعب الأرمني، الذي ينتمي إليه أرتر هيجلان، ابن المغني جاك هيجلان.

هي مسرحية تعالج مكانة الفنان في مجتمعه، في ظل التطورات المعاصرة التي جعلت الفن أشبه بسلعة، وكيف يمكن أن يحافظ عليها أمام النجاح ومتطلبات السوق وتنازلات أخرى تخالف ما عاهد نفسه عليه في بداياته، أحببنا فيها جمعها بين الهزل والجرأة والموسيقى، رغم ما شابها من تمطيط في جزئها الثاني.

16