وجع الحيطان

إنها لعبة المواسم في تاريخ الحيطان، التي أضحت واجهات تحاصر الناس بالصور والتصورات، وتبتز عواطفهم وقد تثير غضبهم.
الخميس 2018/05/10
حوار المارة مع الحيطان

في كل زمان، لحالتها وجهتان، حيث تولي تجد في الحيطان معنى ذلك الزمان، فقد تبتهج الحيطان حينا، بصور الانتصارات ونشر الإعلانات المبشرة بمنجزات، وقد تئن حين تعلق عليها صور اللافتات السود حين يودع الناس أحبتهم، صرعى أو شهداء أو ضحايا التفجيرات والموت الذي يطال الكثير من المدن المنكوبة.

وقد تفرح الحيطان حين تلون وتطلى بالزيت معلنة عن منجزات في الطريق إلينا، إليكم، وتعج بصور الوجوه التي تعلن عن نفسها للانتخابات المقبلة، مزدانة بسلسلة وعود وشعارات، وعبارات تستجلب عيون المارة التي قد ترى فيهم حينا أملا أو لعنة مقبلة، أو هي تستثير في الناس ما يحفزهم على الشتم والبصق على وجوه السراق والفاسدين الذين يستعطفون المارة، لأربع أو خمس سنوات قادمة، ليحكمونهم ويقول الناس للحيطان كلا، كفى، لن نكررها إنه حوار المارة كل لحظة مع الحيطان وما تستثيره كل يوم في الناس من مشاعر وأفكار وتستحث عطفهم وغضبهم وخبراتهم لتاريخ الأفراد أو الأحزاب والتكتلات والائتلافات، التي قد تكون صدمة أو نقمة.

وللحيطان مواسم تشح فيها المساحات، وتعز على محتاجينها الواجهات حين تنفق عليها الملايين من الدولارات، وتعلق عليها الآلاف من الصور، وتحتشد فيها الوجوه، والصور والنقوش، والشعارات، وتتبارى الألسن، وتحفز الناس، أو تستثير أساهم أو ازدراءهم، أو تعاطفهم أو استثمارهم حين يجبرون التحديق بوجوه المعلنين في السياسة والتجارة أو بضائع تروج بأموال طائلة.

وقد تختفي كل تلك الإعلانات، وتعود الحيطان لصمتها وهدوئها وعدميتها بعد أن ينتهي بازار السياسة وتباع الأصوات وتشترى، ويدخل المرشحون في صمت انتخابي وتمزق صورهم خلال ساعات ويباع الحديد المؤطر لها ويهجم الفقراء والمعدمون على لوحاتهم ليضعوها فوق بيوت الصفيح، أو يسّقفون فيها ملاجئهم منعا للحر أو القر أو درءا لتساقط المطر على رؤوسهم، وإذاك تكون لها فائدة عملية، في وقت تفرز فيه الأصوات ويذهب البرلمانيون الفائزون إلى أروقة رخامية تحت ثريات باذخة، ويكونوا نجوماً بعد أن انتزعوا الأصوات من حيطان المدن المنسية وخدعوا الفقراء والمعدمين بإعلاناتهم الباذخة.

وقد يتوارى أولئك الخاسرون فلم تشفع لهم الحيطان التي أجّروا مساحاتها الباهظة، إنها لعبة المواسم في تاريخ الحيطان، التي أضحت واجهات تحاصر الناس بالصور والتصورات، وتبتز عواطفهم وقد تثير غضبهم، لكنها تتوارى بعد حين خلف مواسم الصمت الانتخابي أو بيع المنتج، وانتفاء الحاجة لاستدرار عطف الجمهور المُعلن له لاستدراجه واستمالته، وتبقى النصيحة الذهبية المكررة، إن للحيطان آذان!

24