وجع القلوب

الاثنين 2015/01/19

كالمطر كانت دموعها تنهمر على ملامح خمرية ووجها يحمل بقية من جمال أنهكه المرض، صوت صراخها يعلو وتتصاعد وتيرته في صدمة المفاجأة الأولى، تسمّرت قدماي رغم أنني كنت في عجلة من أمري، حين سمعت نبراتها المتحشرجة تكافح من أجل الصراخ ثم تنقطع في أزمة تنفسية حادة، لتعود ثانية إلى صراخها.

أسرعت إلى غرفتها بالصرح الطبي الكبير المتخصص في جراحات القلب لعلها في حاجة للمساعدة، لم تنتبه لوجودي ولم تعر أحدا اهتماماً، فقط كانت تصرخ وأطباء وممرضات كثر يحيطون بها في محاولة فاشلة لتهدئتها، ووجوه المحيطين بها تفضح الحقيقة ولا تستطيع إخفاءها.

أنهيت ما كنت أفعله وفي طريق عودتي عرّجت للاطمئنان على الشابة المريضة بدافع إنساني. فإذا بها مستمرة في هستيريا بكائها تتساءل، كيف أعيش حياتي القادمة كزوجة وأم لأطفال وأنا مريضة قلب؟ كيف أتعامل مع الآخرين؟ هل أعود لحياتي كما كنت من قبل؟ تساؤلات كثيرة على ألسنة مريضات شابات.

لم تتمالك المرأة الثلاثينية نفسها من هول الصدمة، فإذا بقنبلة جديدة تلقيها إدارة المستشفى في وجهها، حين سألوها عن ملفها التأميني، ولكنها كربة منزل لا تنتمي لجهة ما وليس لها حق العلاج على نفقة هيئة التأمين الصحي، وبدأت رحلة الأهل والأصدقاء في استخراج قرار بالعلاج على نفقة الدولة، وبعد نجاح المحاولات واستخراج القرار لم تغط قيمته النفقات الباهظة التي تحتاجها الحالة المرضية الموصوفة حالتها بالخطيرة والمتدهورة، واحتارت المرأة ومن حولها، فمن يملك علاجا شافيا ونهائيا لحالتها ووزارة الصحة المصرية لا توفر إلا دعامات القلب العادية، والأطباء يطالبون بدعامات دوائية نظرا لصغر سن المريضة، أسقط في يديها ويد من حولها، فالجميع عاجزون أمام المبالغ الكبيرة المطلوبة لإنقاذ حياتها وإنقاذ أسرة كاملة من الضياع، والروتين القاسي ليس له قلب يستوعب عذابات البشر وآلام مرضى قد تفصل ساعة واحدة بينهم وبين الموت. نساء كثيرات يشتركن في مأساة واحدة وهي أمراض القلب التي تفتك بالنساء المصريات بصورة شبه كارثية.

هل غفل جميع الوزراء المتعاقبون على كرسي وزارة الصحة، وكان منهم أساتذة لأمراض القلب والصدر عن تغطية الدعامات الدوائية للمرضى صغار السن، خاصة النساء، حيث أنهن الفئة الأكثر عرضة لأمراض القلب والصدر والأوعية الدموية واحتياجهن للجراحات المتطورة عاجل جدا، ولا يطالب الطبيب بهذه الدعامة أو تلك إلا لحاجة طبية عاجلة.

بحق المرأة الشابة وغيرها الكثير الكثير من النساء وأطفالهن، باسم أسر كاملة لا تستطيع الحياة دون نسائها “عمود الخيمة”، وفروا العلاج المناسب لهن.فقد أثبتت الدراسات أن نصيب الأفراد من الخدمات الطبية والعلاجية في الدول المتقدمة تفوق أربعة أضعافها في الدول الأقل تقدما، وأن هذا النصيب هو حجر الأساس في بنية الشفاء التي نرجو لها عدم الانهيار.

21