وجع دماغ

الأربعاء 2015/06/03

الحديث عن وجود تونس فوق بحيرة بترول كالحديث عن العثور على ثروة القذافي في إسطبل خيول، كالحديث عن إرهابي متشدد وآخر وسطي معتدل، كالحديث عن تميز الإخوان بالاعتدال بين بقية الجماعات والملل، كالاعتقاد بأن الشيطان يمكن أن يعظ وأن للطيبة فيه حظا، وأنه يمكن أن يتخلى عن الوسوسة والغواية ليتحوّل إلى ملاك في النهاية ليست له حرفة ولا هواية غير التبشير بالحرية والسلام ونشر الحب والوئام بين الأنام.

إن ما نستمع إليه اليوم من إشاعات وأكاذيب وأباطيل وخرافات وتلاعب بالكلمات وفبركة للمعاني والأخبار والتصريحات والمعلومات في عالمنا العربي بات يتجاوز قدرة العقل على الفرز والتحليل حتى أن الواحد منّا فقد القدرة على غربلة ما يسمع ويرى، كهذه الخرافة التي تقول أن تونس توجد على بحيرة من النفط والغاز، وأنها تنتج ملايين البراميل يوميا في غفلة من شعبها، وأن الثروة كانت موجودة في زمن بورقيبة وفي زمن بن علي ثم في زمن الثورة والثوار، وأنها منهوبة من قبل قوى الاستعمار والاستكبار.

وعندما تسأل أحد المدافعين عن هذه النظرية: من أين لك هذا؟ سيجيبك مستنكرا: وهل يعقل أن للجزائر وليبيا ثروات نفطية وتونس بينهما خالية الوفاض من البترول والغاز. فترد عليه: ولكن ثروة الجزائر النفطية ليست في شمالها الموازي جغرافيا لبلادنا، ولا ثروة ليبيا في مناطقها المتاخمة لحدودنا، وأغلبها في الصحراء البعيدة عنا، فتكون النتيجة أن يخوض بك حوارا عربيا (وليس فقط بيزنطيا) عن مؤامرة دولية تشارك فيها أطراف محلية بهدف منع التونسيين من الثروة الوطنية التي يمكنها أن تعطيهم فرصة الاستغراق في الكسل وقبض المال دون متاعب العمل.

زمان كتب بيرم التونسي ولحّن وغنّى زكريا أحمد تلك الأغنية الشهيرة “يا أهل المغنى دماغنا وجعنا، دقيقة سكوت لله، داحنا شبعنا كلام ماله معنى، ياليل وياعين ويااّه”.

لو كان الرجلان، على قيد الحياة، وعاشا معنا ما نعيش، وكابدا معنا ما نكابد، لقدّما لنا أغاني كثيرة فيها اتجاهات مختلفة، ولكنها تصب في وجع الدماغ، مثلا “يا أهل التحليل كفاية تضليل اتقوا فينا الله” أو “يا أهل الإشاعات كفانا خرافات أحنا تعبنا والله” أو “يا أهل الأكاذيب كفاية ألاعيب مافيش بترول والله”.

وهناك احتمال ثان: وهو أن يكسر زكريا عوده ويصمت عن الغناء المباح وأن يهاجر بيرم إلى أميركا اللاتينية ليبيع ثمار الأناناس ويرتاح.

24