وجه الزعيم العربي أمام المتغيرات في العالم

السبت 2015/08/15
الزعيم العربي موظف حكومي يظن أن نصفه بشر ونصفه إله

شكّل احتلال أميركا في 2003 للعراق بداية جديدة في منطقتنا، فمنذ بداية التسعينات من القرن العشرين كانت أميركا تتكلم عن نظام عالمي جديد يتشكل وقد تأسس ذلك بتفكك الاتحاد السوفييتي وفي 2001 احتلت أفغانستان، الزعيم العراقي صدام حسين لم يفهم ذلك ولم يتوقع الحرب حينها، ولم يدرك أن زمنه، كزعيم وليس كشخص، قد انتهى كلياً وأن الاتحاد السوفييتي لم يعد سنداً له ولأمثاله، وأن عليه أن يرحل منذ أن دخل إلى الكويت، وأُخرج منها بالقوة.

زعماء رؤساء وزعماء آخرون

لحق بالحرب على العراق، فرض منطقة آمنة داخله، استفاد منها زعماء الكرد بتأسيس دويلتهم. فأضاع صدام حسين العراق كله، بسياساته، وبذلك تحققت مقولة الكواكبي “الطغاة يجلبون الغزاة”. الهمجية الأميركية فككت الدولة العراقية وشكلت نظاماً طائفياً فيه وقتلت هي وإيران العلماء العراقيين ودمّرت بلد الحضارات القديمة، وما زال الزلزال يضرب ذلك البلد العريق بلا رحمة.

بعد احتلال العراق، هدّد كولن باول ورئيسه جورج دبليو بوش كل الدول العربية، وقال إنّ عليها أن تغيّر حالها وإلا فإننا سنغيرها بالقوة. تحدث عن تغيير المناهج وضبط أحكام القتل وأهل الذمة وسوى ذلك، وقال إن دول الخليج عليها أن تنتبه إلى هذه المسائل، ولكن معظمها لم يكترث كثيراً.

زار باول دمشق أيضاً وهدّد النظام فيها، ولم يفهم “زعيمها” بشار الأسد حينها المشهد العالمي الجديد هذا، وأن أميركا ساعية لفرض هيمنتها على العالم، ولعب النظام لعبة الاستخبارات، التي أهلكت أميركا وبالتنسيق مع إيران، وتمّ إيفاد آلاف الجهاديين إلى العراق عبر سوريا وإيران، ليشوهوا المقاومة العراقية ولكنهم أبعدوا الخطر الأميركي عن ديارهم.

استمرت سوريا محكومةً بالحديد والنار، أي عبر الأجهزة الأمنية إلى أن تفجرت فيها الانتفاضة. هنا من الصحيح تماماً القول إنّ نظامي سوريا وإيران ربحا معركة البقاء، ولكنهما فوّتا على نفسيهما التغيير الطبيعي؛ فأحمدي نجاد والحرس الثوري اضطرا إلى تزوير الانتخابات التي جرت لاحقاً في إيران تحت مسمى الثورة الخضراء 2009، ولا يزال حسين موسوي ومهدي كروبي وآخرون حبيسي الإقامة الجبرية، ولا يزال النظام السوري، يواجه ثورة شعبية طال أمدها منذ مارس 2011 قد تطيح به، ولولا الدعم الإيراني والروسي وحزب الله لسقط في منتصف 2012.

أقصد هنا أن الزعيمين السوري والإيراني لم يمتلكا مشروعاً للتغيير، ولم يتحسسا المشكلات المتراكمة، فكان الانفجار، وسيكون في إيران لاحقاً؛ فللشعوب حقوق ولا بد أن تتحقق.

الصراعات والسحق

بعد احتلال بغداد، خاف الزعيم الليبي القذافي بشدةٍ، وسلّم كل ما يخص النووي الليبي، وربما لو طلب منه أكثر لفعل، مقابل البقاء في الحكم؛ وتكرر الأمر ذاته في سوريا في العام 2012 حينما خاف النظام السوري من البوارج الأميركية التي اقتربت حينها من المياه الإقليمية السورية، فسلّم الكيميائي، وكانت سعادة أوباما وقادة إسرائيل لا توصف.

الزعيم اليمني علي عبدالله صالح يخوض ستة حروب متتالية ضد الحوثيين، وحالما يتطلب الوضع نهاية حكمه ورفض التوريث، يعود ويتحالف مع الحوثيين وإيران ويدخل اليمن السعيد بثورته السلمية في أتون حرب داخلية عنيفة ويؤقلم البلاد ويدولها

القذافي لم يفهم أن عليه إنهاء شكل حكمه، فدخل في مواجهة مع الشعب، أوصلته إلى نهايته الدموية، وأدخلت ليبيا في دوامة صراعات عنيفة. وفي سوريا لا يزال النظام يعاند رياح الشعب، ولكنه سيترنح لا محالة. القذافي والأسد، زعيمان فوّتا على نفسيهما اعتماد الديمقراطية وإطلاق الحريات والمعتقلين والعدالة الاجتماعية، وبالتالي اعتماد سنن الحياة بدل سنن الدكتاتورية في الحكم.

ملك المغرب والتدبير

في عالمنا العربي، المتخم بالزعماء الأبديين؛ ندر ظهور زعماء يسبقون الزمن، في تدبير شؤون الحكم، كما فعل ملك المغرب محمد السادس الذي تحسس الخطر الداخلي، فاحتوى الإسلاميين، وأشركهم في انتخابات نيابية وبلدية وغيّر في القوانين وأفرج عن المعتقلين، وأعطى فسحة من الحريات والديمقراطية، ولكن مشكلات المغرب لم تحل ولا سيما مشكلات الفلاحين والمفقرين، وبالتالي فإن التغيير المبادر السريع الذي تم، أخرج المغرب من انفجار كبير ولكنه لم يحل المشكلات كلها، بدا واضحاً في خطابه سعيه إلى إحداث تغيير استراتيجي على المدى البعيد، وليس فقط على مستوى احتواء المتغيرات في لحظتها.

قال الملك محمد السادس في خطابه مؤخراً “يجب تعزيز معاهد التكوين في مختلف التخصصات، في التكنولوجيات الحديثة، وصناعة السيارات والطائرات، وفي المهن الطبية، والفلاحة والسياحة والبناء وغيرها، وبموازاة ذلك يجب توفير تكوين مهني متجدّد وعالي الجودة، ولا سيما في التخصصات التي تتطلب دراسات عليا.

ولضمان النجاح للمنظور الاستراتيجي للإصلاح، فإنه يجب على الجميع تملّكه، والانخراط الجاد في تنفيذه، كما ندعو لصياغة هذا الإصلاح في إطار تعاقدي وطني ملزم، من خلال اعتماد قانون-إطار يحدد الرؤية على المدى البعيد، ويضع حدا للدوامة الفارغة لإصلاح الإصلاح، إلى ما لا نهاية”.

وعن السياسة الخارجية قال العاهل المغربي “إذا كانت السياسة الداخلية لبلادنا تقوم على خدمة المواطن، فإن السياسة الخارجية تهدف إلى خدمة المصالح العليا للوطن، ولهذه الغاية، عملنا على إعادة النظر في أسلوب وتوجهات العمل الدبلوماسي الوطني، مع الالتزام بالمبادئ الثابتة التي يرتكز عليها المغرب في علاقاته الخارجية، والمتمثلة في الصرامة والتضامن والمصداقية، ويأتي هذا التوجه استجابة للتطور والنضج الذي بلغه النموذج المغربي، ولمواكبة التغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، والاستفادة مما تحمله من فرص، ورفع ما تنطوي عليه من تحديات”.

غياب المشروع التاريخي

في الجزائر كان المشهد دموياً خالصاً في فترة التسعينات من القرن العشرين، وهدّد كل من الجنرالات وقادة الحركات الإسلامية بعضهم بتعليق رقابهم على المشانق، وغاصت شوارع الجزائر بلد المليون شهيد ضد فرنسا بالدماء الجزائرية، وكان السبب حينها الجنرالات، وفي مصر وتونس كانت مظاهرات الثمانينات من القرن الماضي ضد الفقر والجوع، ولكن المواجهة كانت دموية وإجرامية. أي لم يمتلك الزعيم العربي ونظامه المُعدّ على قياسه وقياس الموثوقين من قِبله كما سرير بروست، وأغلبيتها أنظمة عائلية، يشذّ عن ذلك لبنان والعراق المشكّلان طائفياً، نقول لم يمتلكوا مشروعاً تاريخياً شاملاً لإنقاذ البلاد، بل قادوها إلى الدمار.

في نهاية العام 2010، انفجرت تونس، وخلال أقل من عشرين يوما كان أغلب التوانسة في الشوارع، أي كان الفقر والجوع وغياب فرص العمل والفساد وعائلية الحكم سببا في تأزيم الوضع وكان لا بد من التغيير؛ المشهد كان واضحاً سيسقط النظام وكل أركانه، فكان قرار زين العابدين وهو على الأغلب قرار النظام حينها، ترك البلاد؛ هنا كان النظام ذكياً في تفادي الثورة، وعادت بعض وجوهه، بفضل خصومه، أي بفضل حركة النهضة، التي خشيت من السقوط بعد إزاحة إخوان مصر، فاضطرت للمساومة.

الزعامة العربية في السلطة والمعارضة هي من يجب أن تمتلك مشروعاً للحكم، وأن تطوّر كل مستويات البنية الاجتماعية

الإشكالية في أن حركة النهضة وحليفها المرزوقي لم يمتلكا حلولاً للأزمة، فأخاف وجود النهضة الإسلامية في الحكم المجتمع التونسي. إذ أن الديمقراطية وحدها، لا تكفي، وبقيت تونس تتطلب حلولاً لمشكلاتها، المرزوقي ضُرب في بلدة البوعزيزي، لأن الفقر الذي حرق الرجل نفسه بسببه لا زال قائماً، وتونس صدّرت آلاف الجهاديين إلى سوريا، وهناك خشية أن تتفجر مجدداً؛ كلام الزعيم عن ثورة الياسمين لا يشبع أحداً، والثرثرة عن الديمقراطية لوحدها لا معنى لها دون فرص العمل والإنتاج وإشراك الشعب في تقرير مصير مؤسسات الدولة على اختلاف أشكالها.

مصر وزعماؤها

حين أسقط التوانسة زين العابدين ارتعد مبارك، وقامت الثورة المصرية في يناير وأسقطته، ولكن النظام المصري لعب مجدداً وعزل مبارك ليتفادى سقوط الدولة العميقة، وليعيد بسط سيطرته مجدداً؛ ومجدداً كان الإسلاميون الذريعة، فالرئيس المعزول محمد مرسي ذاته حاول وفي زمن قصير التحول إلى دكتاتور، فقد رفض التعاون حتى مع السلفيين؛ ونصّبَ حكومة غالبيتها من أتباع الإسلاميين، وراح يؤخون الدولة؛ هذه الممارسات هي التي سهّلت عودة الجيش باسم الثورة الشعبية للحكم؛ وعادت القبضة الحديدية مجدداً إلى مصر، ولكنها ستواجه الأزمات بدورها ما لم تتوسع الحريات وتمارس الديمقراطية وتؤمّن فرص العمل لملايين العاطلين عن العمل وتتحقق العدالة الاجتماعية؛ ويمكن ملاحظة عودة الاحتجاجات العمالية لتقوى وتشتد كما كان الحال في مصر قبل 2011 ولسنوات طويلة.

معارضات بلا زعامات

كانت الزعامة السورية تقول عن سوريا إنها ليست كتونس ومصر واليمن، وبالتالي لا خوف من تفجّر الوضع؛ كانت تعتقد أن مجرد الكلام عن مقاومة إسرائيل وأميركا والممانعة كافية لتتفادى الثورة الشعبية، وطبعاً في حقيقة الأمر كانت تحكم البلاد بأجهزة الأمن وتعتقد أن الشعب لن يجرؤ على الثورة أبداً. كان الوهم عظيما؛ أغشى العيون كليّة، ولكن وحينما اقتربت ساعة الحقيقة، وبدأت المدن السورية تموج بالتظاهرات، أفردت الزعامة كل أسلحتها وخبراتها منذ الثمانينات في القرن العشرين، واختارت الخيار الأمني العسكري لمواجهة الشعب.

ذلك الخطأ الكبير، هو الذي سمح بأقلمة وتدويل الوضع السوري؛ فالسلطة لم تستجب لحقوق الشعب، بل وتحالفت مع إيران وروسيا والصين وحزب الله ضده. قبالة ذلك لم يفهم قادة المعارضة أن عليهم أن يكونوا وطنيين وألا يخضعوا لأيّ دول أو توافق على أيّ مشاريع غير وطنية؛ فسقطت المعارضة بدورها في لعبة الأقلمة والتدويل. ما يحدث في سوريا، يؤشر أن لا زعامة تستحق هذا الاسم موجودة ولا مشروع ينقل السوريين إلى دولة للجميع.

صالح والنوم مع العدو

اليمن المليء بالأسلحة، أعطى مثالاً للعالم على ثورته السلمية، وفاقت سلميّته كل ثورات أوروبا الشرقية الملوّنة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي. ولكن الرئيس الذي خاض ستة حروب متتالية ضد الحوثيين وبدعم من إيران وحالما تطلب الوضع نهاية حكمه ورفض التوريث، عاد وتحالف مع الحوثيين وإيران وأدخلوا اليمن السعيد بثورته السلمية في أتون حربٍ داخلية عنيفة وأقلم ودوّل اليمن.

القذافي الذي يعتبر مثقفا قياسا بنظرائه من الزعماء العرب، مطلعا على أنماط الحكم على مر التاريخ، لم يفهم أن عليه إنهاء شكل حكمه في مرحلة ما، فدخل في مواجهة مع الشعب، أوصلته إلى نهايته الدموية، وأدخلت ليبيا في دوامة صراعات عنيفة

ساهم ذلك كله في تدخل عسكري عربي بقيادة السعودية، وبالتالي قضى علي عبدالله صالح، الرئيس المحروق على كل تميّز للثورة اليمنية، وحوّلها إلى مجزرة ودمار هائلين. هنا المسمى زعيم ينحط إلى مستوى الرعاع، أي المساهمة في تدمير كل شيء في سبيل الحصول على المال والسلطة مجدداً؛ ملياراته المخزنة في البنوك الدولية وكارثية الفقر وغياب الخدمات في اليمن تدل كم أنّ هذه الزعامة رعاعية، و”موتها حلال”.

الزعامة العربية في السلطة والمعارضة هي من يجب أن تمتلك مشروعاً للحكم، وأن تطوّر كل مستويات البنية الاجتماعية. الاختلاف على شكل الحكم وعلى كيفية تطوير مستويات المجتمع أمر آخر تماماً. كل ما وجد كان عقلية تهتم بالتوريث والفساد والنهب، وبالتالي كانت كمّا فائضاً عن الحاجة.

زعماء أسسوا للكوارث

أدخلت الأنظمة العربية المُقادة سياسياً بزعماء خالدين البلدان العربية في جملة أزمات، ودفعت بها نحو الحروب الطائفية أو المناطقية أو القومية، ومارست جميعها كل أشكال العنف ضد أبسط أشكال الحريات، وحينما اعتمدت خياراً ديمقراطياً لم تتخل عن سلطات واسعة.

كرّست الأنظمة ما يشبه القطيعة بين دول المنطقة وشعوبها؛ ولم تسمح بأيّ صلات قائمة على المصالح أو الثقافة المشتركة أو التاريخ الواحد. الزعامة العربية اهتمت بتأبيد نفسها فقط، وكان سبيلها في ذلك الدكتاتورية وسلطة أجهزة الأمن فقط، وحتى حينما تمارس شكلاً من الدمقرطة يظل لأجهزة الأمن دورها، وهم في ذلك لا يشذون عن دول العالم الغربي، وإن كانت الأخيرة ولأسباب متعددة تستبعد دور أجهزة الأمن، ولكنها تبقيها وتطورها دون كلل ولا ملل، وقد تتدخل حالما يكون الخطر عظيماً على النظام، وإلا فما مبرر الجيوش وأجهزة الأمن متعاظمة الشأن في تلك الدول؟

يعتقد الزعيم العربي أنّه يشارك الله في الخلود والأبدية، وأن السلطة لأولاده من بعده وأن البلاد مزرعته الخالصة وأنّه الانتداب على الشعب لتمدينه، وأن التخلي عنها ليس من موجبات الحياة. الأمر عينه تمارسه المعارضات العربية. الزعيم والمعارضات يفتقدان للحس الوطني، وللمشروع الوطني، وبدلاً من أن يفهما أن العولمة والعالم الجديد طوراً في النظام الرأسمالي، ويهدفان للتحكم الواسع بالعالم، ويزيدان من النهب للدول الكبرى ذات المصالح، وبالتالي مواجهة ذلك تتطلب مشروعاً ينصف الشعوب ويطور الاقتصاديات وتأسيس أنظمة ديمقراطية والاستجابة لحقوق الثورات الشعبية.

الزعيم ونظامه لم يفهما ذلك، ويساهمان بسياساتهما الدكتاتورية والليبرالية في تعميم العولمة ودمار الدول العربية، وتلغيم الشعوب بالطائفية والإقليمية والنزعات القومية والإسلام السياسي والجهادي وإقامة الحروب على أساس هذه النزعات.

12