وجه القباحة!

أحيانا، يتملكنا التعب ويباغتنا الملل ونحن نبدّل الأقنعة ونعاني أيّما معاناة لتتناسب مع مقاس المناسبة الاجتماعية التي سنتوارى خلفها.
السبت 2018/05/05
وجه القباحة؛ قناع لا يحتاج إلى تبديل

تعلمنا أن نسمع الكلام وننحني برؤوسنا مثل قطط مطيعة، حين ننصت لكبار السن وهم يرددون على مسامعنا قائمة بالمحظورات والصحيح والخطأ والعيب، وفق أمزجتهم. اعتدنا أن نردد كلاماً لا نفقهه وأن نرسم تعابير جامدة على وجوهنا، كلما شعرنا بدبيب ثورة صامتة في دواخلنا أو لاحت لنا بارقة أمل في فكرة متمردة. وكان يحلو لنا الخروج عن صف القطيع بين الحين والآخر، لولا أن تكاثرت علينا سكاكين الانتقاد وحاصرتنا نظرات اللوم وطاردتنا ابتسامات الاستخفاف.

في طفولتي كنتُ أسمع الكثير من الأمثال الشعبية الغريبة التي لا تشبه نفسها؛ فبعض الموروث بعيد كل البعد عن الواقع كبعد الأرض عن كوكب نبتون، وأسوأ ما فيه أننا اعتدنا على ترديده مثل الببغاوات حتى من دون أن نتأكد من مدى معقوليته أو جدواه.

الأمثال والحكم والمقولات الشعبية لا تعكس حقيقة واقعنا بقدر ما تعكس خوفنا من مقارعة التقاليد، ومعاندة نزوحنا المريب عن طريق مستقيم رُسم لنا كقدر محتوم لا ينبغي الحياد عنه، وهو في واقعه متاهة وأي متاهة.

لماذا يتعيّن علينا أن نبادل الآخرين ابتسامة مجاملة وفي قلوبنا تضطرم نار الغضب بسبب سلوك غير أخلاقي ارتكبوه بحقنا أو بحق غيرنا؟ ولماذا علينا أن نكتفي بالصمت إزاء شخص سليط اللسان لم يضع مشاعرنا في الحسبان؟ ولماذا علينا أن ندّعي رباطة الجأش أمام من يستبيح كرامتنا ويمتهن كبرياءنا؟ لماذا نشارك ثقلاء الظل في جلسة سمر وعيوننا تتابع بشغف مرور اللحظات الثقيلة على عقارب الساعة؟

كانت المناسبة الأولى التي خرجت فيها عن تقليد اجتماعي مزيف، حين واجهت إحداهن بزيف ما يقوله عنها الناس وبأن ما اعتادت على سماعه من مديح ما هو إلا نفاق ينبغي ألا ينطلي عليها، لأنها ببساطة لم تفعل ما تستحق عليه كل هذا الإطراء. كل ما هنالك أنها كانت في موقع قرار ولهذا استحقت الكثير من المجاملات والكذبات من أشخاص حرصوا على مداراة “خبزة” عيشهم ومصالحهم الشخصية.

خذلتها بالطبع، ثم خسرت صداقتها، لكنها المرة الأولى التي شعرت فيها بالتحرر وخفة الحركة. كانت هذه نقطة حاسمة في حياتي كلفتني في ما بعد الكثير من الصداقات وعلاقات القرابة المزيفة.

أحيانا، يتملكنا التعب ويباغتنا الملل ونحن نبدّل الأقنعة ونعاني أيّما معاناة لتتناسب مع مقاس المناسبة الاجتماعية التي سنتوارى خلفها؛ هناك قناع معدني بارد بابتسامة شاحبة يخفي وراءه وجها عبوسا، هناك قناع جلدي دبق ظاهره أنيق ومنمّق بينما باطنه يخفي دهشة وحيرة، وهناك قناع شفاف مراوغ مثل غيمة يمطر دموعا على الآخرين ويحتفظ لصاحبه بابتسامة استهجان، لا يراها سواه.

أما أفضل الأقنعة على الإطلاق فهو وجه القباحة؛ قناع لا يحتاج إلى تبديل ولا يتغير بتغيير الفصول الاجتماعية، كما أنه لا يضع حاجزاً بيننا وبين الآخرين. يسميه البعض “وجه القباحة” ليس لقبحه، بل لأن الصدق فيه يفضح قبح الآخرين ويكشف زيفهم.

يحلو للبعض أن يرتدي هذا الوجه بحرفية عالية، فنرى صاحبه مدفوعا من قبل أصدقائه ومعارفه ليكون وجها قبيحا يصدرونه لمواجهة وجوه أناس يمقتون سلوكهم وتنقصهم الجرأة لمواجهتهم، ليكون صاحبنا مقصداً لكل من يعرف جرأته وقباحته وعدم مبالاته في التعبير عن وجهة نظره، متجاوزاً بذلك تقاليد وأعرافا تصرّ على أن نداري جرأتنا من أجل ألا ينعتنا الآخرون بالقباحة!

21