"وجه مارغريت القبيح" عالم يتهاوى لتستقر أشلاؤه على الصفحات

ارتبط مفهوم الاغتراب بحياة المنفى التي يعيشها الإنسان عند الكثير من الأدباء والكتّاب، والحقيقة أن هذا المفهوم يبقى غامضا لدى الكثيرين نظرا لثراء محتواه وتشعبه وتعدد مجالات استخدامه، ونظرا لتنوع الأطر والمنطلقات النظرية لمن يتحدثون عنه، إذ يكاد يمثل ميدان بحث مشترك للكثير من العلوم الإنسانية التي تتخذ من الإنسان محورا لها، فقد استخدمه علماء الفلسفة والاجتماع والتربية وعلم النفس والطب النفسي والأدباء بمختلف أدواتهم التعبيرية من شعر وقصة ونثر، ولتعدد مجالات استخدامات الاغتراب تعددت معانية وكثرت تعاريفه.
السبت 2016/01/16
أي وجه للقمر بعد رحيل مارغريت

فعل الكتابة الممارس في مجموعة قاسم مرواني “وجه مارغريت القبيح”، الصادرة عن دار نوفل- هاشيت أنطوان، هو مزيج من المراقبة لما يحدث الآن والانفلات في المخيّلة بوصفها جريمة تنتهك الواقع، وتتركه ينهار ويتداعى ليكون مادة نصية تملأ فراغ الصفحات البيضاء، ليكون مراقبا وشاهدا على هذا الانهيار، بوصفه عاجزا عن تغيير أي شيء فيه، وهذا ما يعترف به مرواني في البداية لمارغريت “أتعرفين كم هو حقير أن يسرق الإنسان حياة الناس وآلامهم لكي يكتب فقط”، ففي مجموعته القصصية الأولى يترصّد الكاتب اللبناني الحيوات الهامشيّة وانهيارها.

مارغريت السؤال

مارغريت تحضر في المجموعة دائما، وتدور حولها التساؤلات منذ أولى الصفحات، بوصفها شخصية المخاطب التي يوجه إليها الراوي قصصه. نرى في البداية أن الراوي ينعت وجهها بالقبيح، كما العنوان، في إحالة للقمر -كما نكتشف لاحقا- ووجهه القبيح، لنقرأ في منتصف المجموعة حكاية “وجه مارغريت القبيح”، الفتاة التي تموت بالسرطان، الذي يختطفها لتبقى ذكراها حاضرة لدى الراوي، بوصفها حبه الأول.

عشقه الذي اختطف منه دون أي سبب سوى عيب بيولوجي قدري، السرطان، القبلة الأولى، الجنس الأول، كل ذلك اختفى مع مارغريت، ووجهها الملائكي تحول إلى ما يشبه وجه القمر، قبيحا، مليئا بالبثور. وتكون هذه الحادثة فاتحة للخسارات، فكل ما يحدث من بعدها مجرد فشل، عالم يتهاوى لتبقى أشلاؤه على الصفحات، مارغريت هي المعادل المُتخيل عن اللاقلق والذاكرة المثالية.

ترصد مجموعة مرواني الخسارة، وبصورة أدق ما بعدها، ما بعد رحيل مارغريت، والشلل الذي يصيب الفرد/ الراوي إثر قدريّة هذه الخسارات، التي لا يمكن الوقوف في وجهها، فيكتفي فقط بالمراقبة، ومحاولة رصد التغيرات التي تصيبنا، بوصفنا كائنات ملعونة بالجغرافيا، لبنان الذي تدور فيه أغلب القصص، يحوي تاريخا طويلا من الحروب والمنافي والاختلاطات العرقية والمذهبيّة، لتكون مفاهيم الهوية فيه هشّة، وغير واضحة أحيانا.

المجموعة تتسلل إلى حيوات مختلفة تعاني الاغتراب نتيجة ما خسرته؛ أميرة القادمة من أفريقيا تتحول من سيدة وأميرة إلى خادمة في أعين الناس، مارغريت ترحل بالسرطان، الجندي البسيط يساهم في اغتيال القائد أنطون سعادة الذي كتب له قصيدة مرّة وألقاها أمامه، بل حتى القارئ نفسه، متورط في التخييل والعوالم التي يخلقها مرواني، إذ يُتهم القارئ ويوصف بالكذب في قصة “ليلة في سجن 13”، ليس إلّا لأنه يقرأ أو يستمع لهذه القصة.

الحاضر في المجموعة يغدو هلاميا بلا معنى واضح أو سيرة محددة

فالخيال يحاكي الواقع لدى مرواني، وأحيانا يصعّده إلى حدّ اللامعقول، مخترقا به الفيزياء، لكنه يبقي ما يحدث قابلا للتصديق، ففي سجن 13 تتضخم أعضاء المحكومين بوصفها الفاعلة في الجريمة التي ارتكبها كلّ منهم، أعضاء ذكريّة منتفخة للمغتصبين، وأيدي منتفخة للصوص، إلا أن الراوي هو ذو التهمة الأشدّ، المخيّلة، فنرى رأسه ينتفخ دائما، عدا رجل الدين، الذي تنتفخ شفتاه دائما لكنه لا يُحاكم، كذلك قصة القنّاص، الذي يقتل كل من يمرّ أمامه، حرفيا قد لا تبدو حقيقية، لكن لم لا؟ ما يحدث في المنطقة العربية وما شهده لبنان وما حولها قد يفوق الخيال أحيانا، السؤال هنا، أيهما أكثر منطقيّة الخيال أم الواقع؟

تحضر في المجموعة ثيمة المنفى، وبصورة أدق الاغتراب سواء داخل الوطن أو خارجه، أن تفقد الصلة مع الماضي يعني أن يغدو الحاضر هلاميا بلا معنى واضح أو سيرة محددّة، ما يجعل المستقبل ليس غامضا فقط، بل مجهولا لا ملامح له، ففي قصة “أميرة كينشاسا” كان اللون عاملا لخلق الاغتراب، أما في قصة “بواسير وبطاطا وأشياء أخرى”، فالاغتراب ناشئ من النفي على أساس التمييز، الشخص الذي يوسم بصفة ما يصبح غريبا، مجتمعات مشوّهة ومغمورة بالخرافة الشعبية والدعابة البذيئة لأنها مشلولة، عاجزة عن التغيير، عاجزة عن الفعل، شخصيات تقع فريسة أدوار اجتماعية تحتّم عليها الوحشية بوصفها جزءا من حياتها، وهذا ما يتضح في قصة “فلسفة محارب”، قناص يقتل ويغتصب ويرتكب أقسى الجرائم، فقط لأن الحرب تحتّم ذلك، ووجه مارغريت لا يزال قبيحا، خسارتها هي الأشدّ، هي أول الأمل، وفقدانها هو أشدّ السقوط.

الجسد والحكاية

الجسد لدى مرواني هو الفاعل الديناميكي للعنف إذ يتلقّاه ويصدّره، في حين أنه في قصتي “رواية لم تكتمل” و“أما آن للعجوز أن يترجّل” كان الانتصار للحكاية، للسرد، سواء مشافهة أو كتابة، فالحكايتان السابقتان تدوران حول مفهوم الحكاية ودورها، سواء تلك التي تحدث في الماضي كقصة العجوز، أو الرواية التي من المفترض أنها لو كُتبت لتغيّر كل ما يحصل الآن وهنا.

في “وجه مارغريت القبيح” كأننا نحضر في عوالم ما بعد تراجيدية، فالمأساة حدثت وبقي أن نتحسسها أو نحاول تجاهلها، والحكاية تحاول تفسير ما يحدث، بوصفها انتصارا أخيرا للمأساة حتى بعد انتهائها، وما دامت الحكاية حاضرة فاللعنة ما زالت موجودة، ووجه مارغريت مازال حاضرا، كأن الراوي يتأمّله وهو يكتب، مناجيا إيّاه بمقاطع قصيرة ينزلها بين كل قصة وقصة.

16