وجود "الولي المطلق" يدمر أي معنى للديمقراطية والجمهورية

السبت 2016/03/05

مثلت نتائج انتخابات البرلمان الإيراني ومجلس الخبراء انقلابا في موازين القوى داخل مؤسسات الجمهورية الإسلامية، وذلك بإنهاء سيطرة تيار المحافظين وتعزيز قوة تيار الإصلاحيين. مع ذلك، يبقى “التغيير الديمقراطي” الذي أدت إليه تلك الانتخابات شكليا إلى حد كبير، ولا يظهر أي أمل في أن سياسة الانفتاح التي أطلقها الرئيس حسن روحاني مع العالم الخارجي سوف تمتد لتشمل الحياة السياسية في إيران. وهي حياة قاحلة جدا رغم كل ما يشاع عن تجددها واخضرارها.

يعزى الفوز الكبير لتيار الإصلاحيين إلى نجاح الرئيس حسن روحاني في التوصل إلى اتفاق بخصوص الملف النووي ورفع العقوبات الغربية على كاهل الاقتصاد الإيراني. يأمل الجمهور الذي صوت للإصلاحيين في أن يؤدي فوزهم إلى تنشيط عجلة الاقتصاد الإيراني وتحسين مستوى معشية شريحة واسعة من الإيرانيين ممن تآكلت مداخيلهم بصورة حادة خلال سنوات العقوبات، وفي ظل قيادة سياسية واقتصادية فاسدة.

لا تغيير من خارج الصندوق

كما عبر جمهور الإصلاحيين عن رغبته في حدوث انفتاح داخلي وإنهاء قبضة المحافظين على السلطة من خلال التصويت للإصلاحيين، وذلك في ظل غياب وجود معارضة سياسية وقوى اجتماعية يمكن أن تحتشد الجماهير خلفها من أجل التغيير. هي إذن محاولة للتغيير من داخل مؤسسات الدولة يشارك فيها مؤيدون تاريخيون للتيار الإصلاحي، فضلا عن تيار ليبرالي عريض طامح إلى التغيير من خارج مؤسسات الدولة من دون أن يجد الطريق إلى فعل ذلك إلا مرة واحدة انتهت إلى الفشل.

كان ذلك عام 2009 في ما عرف بـ”الحركة الخضراء” في إيران، وهو التحرك الشعبي الذي اندلع في أعقاب ما اعتقد أنه تزوير لنتائج الانتخابات الرئاسية ومنع المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي من الوصول إلى السلطة.

في ذلك الوقت، اندفع التيار الليبرالي الإيراني لدعم موسوي الذي قرر مواجهة النظام السياسي الإيراني وذلك على الرغم من أن سقف طموحاته بقي مقتصرا على الوصول إلى السلطة، وليس تغيير مجمل النظام السياسي أو حتى الدعوة إلى تغييره. هكذا، كان قرار التيار الليبرالي الواسع، خارج النظام السياسي والذي يمتلك طموحات تتجاوز بكثير طموحات الإصلاحيين، ليس دعم برنامج موسوي بقدر ما هو دفع الحركة التي يمثلها الرجل المعارض خطوات إلى الأمام لتحدي النظام السياسي ومحاولة تغييره، أو بالأحرى إسقاطه، إذ كان الشارع هو ساحة المواجهة الرئيسية.

ولكن الحركة الخضراء تحطمت تحت ضغط آلة العنف للنظام الإيراني، وعاد التيار الليبرالي ليواجه معضلة غياب مؤسسات وأحزاب تنظم صراعه مع السلطة بما يسمح بتعبئة الجماهير من أجل التغيير السلمي الديمقراطي، وهو ما يجبر شرائح واسعة منه، في كل مرة، على العودة لمحاولة التغيير من الــداخل كما جرى في الانتخــابات الأخيرة.

لكن التغيير من الداخل يبقى مستحيلا، إذ أن النظام الإيراني ناجح جدا في ضبط القوى الاجتماعية المسموح لها بالعمل وإلزامها بالإطار المحدد للنظام السياسي، وبطبيعة الحال بأيديولوجيا الدولة. الدستور الإيراني شديد الوضوح في تأكيده على أن السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وإن تكن منفصلة ولكنها غير مستقلة، إذ يتوجب أن تمارس صلاحياتها بإشراف “ولي الأمر المطلق وإمام الأمة”. وجود “الولي المطلق” وصلاحياته الكبيرة يدمر تماما أي معنى للديمقراطية والجمهورية ويحولها إلى مظهر خارجي نافر العيوب. المرشد الأعلى للجمهورية هو القائد العام للقوات المسلحة، ويحق له عزل كل من أعضاء مجلس صيانة الدستور ورئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية ورئيس قوى الحرس الثوري ورئيس قوى الأمن الداخلي، وصولا إلى رئيس الإذاعة والتلفزيون. وعلى الرغم من أن “مجلس الخبراء” المنتخب من قبل الشعب والذي يسيطر عليه الإصلاحيون في الانتخابات الأخيرة، يتمتع بصلاحية تعيين المرشد الأعلى للجمهورية وعزله عند الحاجة، ولكن المرشد هو من يحدد المرشحين لشغل منصب في هذا المجلس. وهو ما يفسر استبعاد أكثر من ألف مرشح إصلاحي من السباق الانتخابي في وقت سابق.

هذا يعني، بوضوح، أن تيار المحافظين هو من يحدد مرشحي التيار المعتدل في إيران. وهو ما يثير شكوكا عميقة حول درجة اعتدال المرشحين “المعتدلين” أو الإصلاحيين. إذ يحرص المرشد الأعلى ومجلس تشخيص مصلحة النظام، الذي يختار أعضاءه المرشد، على أن يكون جميع الإصلاحيين المرشحين للانتخابات محافظين بصورة أو بأخرى.

انطلاقا من كل ذلك، فمن المؤكد أن نتائج الانتخابات الإيرانية ورغم هزيمة التيار المحافظ لن تقود إلى أي قدر من التغيير على الصعيد السياسي الداخلي، في حين ربما تقود إلى تغييرات محدودة على الصعيد الخارجي. سوف تهتم السياسة الانفتاح التي يتبعها الرئيس الإيراني بالانفتاح على العالم الخارجي وعلى الولايات المتحدة بشكل خاص، فضلا عن الانفتاح الاقتصادي بعد رفع العقوبات الغربية عن طهران. أما الانفتاح السياسي الداخلي فسوف يبقى مؤجلا، إلى أن تتمكن القوى الاجتماعية خارج مؤسسات النظام من إنجاز مهمة التغيير.

كاتب فلسطيني سوري

7