وجوه التشكيلي السوري خالد الخاني تنطق في باريس

الثلاثاء 2014/05/06
لوحات خالد الخاني حضور لذاكرة تشكيلية حية حول ما حدث في مدينته حماه

باريس - بعد أن أنهت ميليشيات سرايا الدفاع وشقيقاتها في جيش الأسد الأب مهمّتها في مدينة حماة السورية وغيرها، توجهت لإفراغ البلاد من كل مقدراتها وإمكانياتها الفكرية والسياسية والاقتصادية، والاجتماعية.

أطبق شبح الثمانينات على كل تفاصيل الحياة السورية، وبات الخوف والرعب في مملكة صمّاء، يقودها أفراد العائلة الحاكمة ورموز الإجرام فيها، مشيرين بذلك إلى أنهم قادرون على ارتكاب مثيلاتها في حال قرر الشعب الانتفاض عليهم، وهذا ما حصل بالضبط.

أسئلة وموضوعات عدة أبرزها الفنان التشكيلي خالد الخاني في معرضه الفردي في صالة “أوروبيا” بالعاصمة الفرنسية “باريس”.

التشكيلي السوري المقيم في باريس حضر كذاكرة تشكيلية حية حول ما حدث في مدينته “حماة”. فهو ابن السابعة الذي عاد بعد نزوحه الاضطراري إلى مدرسته بعيد مجزرة 1982.

واكتشف أن معظم طلاب صفه فقدوا أهاليهم، وكذلك صار لزاما عليه أن يبحث عن الفروق الطفيفة بين وجوه معلميه الجدد ووجوه من قضوا في المجزرة.

هذا الحدث الاستثنائي، سيأخذ ذلك الطفل في رحلة تخيلية مرعبة لاكتشاف مصير الموتى، في كل لحظة، في كل حديث يومي عابر، شأنه في ذلك شأن كل من نشأ في حماة في ذلك العصر، فصارت حكايا الثمانينات سماء وأرضا لذواكرهم. ينتمي الخاني إلى جيل كامل تربى في مدينة النواعير السورية، نشأ على حكايات الخوف تلك. جيل كامل انشغل طيلة عقود طفولته وشبابه بالتماهي مع حكايات الرعب تلك.

قد تكون المخيلة أشدّ رعبا وإيلاما، لأنها تقود مخيال صاحبه نحو ما ينقص الجريمة من كمال، وربما تبقى كندب دائم في الثقافة البصرية والسردية، واللغوية أيضا.

يستكمل الخاني في معرضه المنتهي مؤخرا بالعاصمة الفرنسية، ما بدأه منذ نهايات التسعينات في اشتغاله على رسم تلك الوجوه التي غيبت، فوجوه القتلى أضحت عيونها غائرة تماما، أو اقتلعت- كما فعلت ميليشات الأسد مع والد الخاني بعد قتله وتعذيبه-.

أما عيون من بقوا على قيد الحياة - كما في لوحات الخاني- أضحت هامشية، مهزومة، غير قادرة على إيصال المعاني، فرحها وحزنها، وخوفها وأمانها يُربكُ الرائي ويضعه أمام قضية واحدة فقط: مسؤولية الدم في الثمانينات. في لوحات الفنان الحموي يطل اللون الأبيض، بقسوته، بوحشيته، بقدرته على الإيلام، كضوء شحيح قادم من الماضي، لا ينافي حقيقته، بل يجاريها. فهذا اللون لا يشكل مجرد خلفية أو سطحا منفصلا عن مكنونات اللوحة، أو الجثة، فهو لا يفعل في لوحات الخاني أكثر مما يفعله الكفن بالذاكرة. الوجوه في لوحات التشكيلي السوري هي وجوه اكتساها الذعر، والخوف، حالت قتامة الاستبداد بينها وبين الضوء السقيم، لتبدو على هذا النحو: وجوه لطخت بصور الأشلاء، غير واضحة المعالم.

لا تملك سوى السخط على زمن أقل ما يمكن أن يقال عنه: زمن رديء. تعابير أفلتت من ذلك الزمن، ليحيلها الإيقاع اللوني، والمتسق مع كمية الرعب داخل اللوحة، إلى عوالم لونية تعتمل اليوم، بالتزامن مع الثورة السورية، في داخل كل من لم يكن شاهدا على ما حدث منذ ثلاثة عقود ونيف.

بمعرضه الفردي قادنا خالد الخاني إلى فصول الجريمة التي اكتملت هناك، حيث غابت فيها كل القرائن والدلائل، وبقيت الحكايات المروية التي تحكي عن الآلاف الذين انشغلوا بالبحث عن أمل طفيف في إيجاد جثث موتاهم.

حماة 1982، تعد وثيقة أو صورة فوتوغرافية تحكي عن واحدة من أكبر المجازر في التاريخ العربي الحديث، لكن الثابت الوحيد والأوحد هو أن هذا الإجرام البربري الذي يمارسه نظام الأسد اليوم على الأراضي السورية يستكمل، وبجدارة، تفوقه على تلك الجريمة المروعة.

16