وجوه طرابلس السياسية: ثورة جياع أم تصفية حسابات

أوساط أمنية مطلقة تبدي قلقها من المنحى الذي تتخذه التحركات الاحتجاجية في طرابلس.
الأحد 2021/01/31
لا يسمع لا يتكلم لا يرى

بعدما كان يطلق عليها اسم “الفيحاء” مدينة العلم والعلماء والسلام، أصبح اسم طرابلس مرادفًا للتظاهرات والتوترات الأمنية والنكبات التي تطال أبناءها جميعا، علما أن الضائقة المعيشية والاجتماعية والصحية لا تتوقف على أبناء طرابلس وحدها دون باقي مدن لبنان.

غير أن المتمولين وأصحاب الرساميل المكدسة في لبنان غالبيتهم من أبناء هذه المدينة تحديدا، ويأتي في مقدمتهم رئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي، والنائب السابق محمد الصفدي وسليل عائلة كرامي العريقة النائب فيصل كرامي، إلا أن أحدا من هؤلاء النواب وغيرهم ممن يتعاطون الشأن العام في عاصمة الشمال، لم يستطع أن يتقدم بمشروع إنمائي واحد يضمن لأبناء المدينة البعد عن البطالة ويزيل عن كاهلهم العوز وضيق الحال.

وما تشهده “الفيحاء” منذ مساء الاثنين الماضي من تظاهرات وأعمال شغب أدت مؤخرا إلى وقوع ضحية هو الشاب عمر طيبا الذي أُصيب برصاصة في ظهره أثناء المواجهات بين المحتجين والقوى الأمنية في محيط سرايا طرابلس، يتجاوز وفقا للعديد من المراقبين الانفجار الشعبي نتيجة الفقر والعوز، أو حتى الاعتراض على سياسة حكومة تصريف الأعمال برئاسة حسان دياب التي لم تشمل المدينة ببرنامج واضح للرعاية الصحية والحصول على حاجتها من اللقاح المنتظر وصوله لمكافحة جائحة كورونا.

انفجار ضد السياسيين

تركيا التي تتمدّد من عكار حتى طرابلس تقوم بتواصلٍ مباشر مع العديد من الأشخاصِ النافذين اليومَ على الأرض، لتنفيذ أجندتها الخاصة التي يهمس بعضهم بأن بهاء الحريري ليس بعيدا عنها في مواجهة شقيقه سعد.
تركيا التي تتمدّد من عكار حتى طرابلس تقوم بتواصلٍ مباشر مع العديد من الأشخاصِ النافذين اليومَ على الأرض، لتنفيذ أجندتها الخاصة التي يهمس بعضهم بأن بهاء الحريري ليس بعيدا عنها في مواجهة شقيقه سعد.

نزول المتظاهرين إلى شوارع المدينة يوميّا بحجة الاعتراض على قرار الحكومة بالإغلاق التام، لاسيما وأن العديد من الطرابلسيين هم من المياومين الذين يؤمّنون قوتهم ومعيشتهم من العمل اليومي، لا يتماشى مع واقع أن هذه الاحتجاجات تحوّلت إلى أعمال شغب وعنف دموي يسقط فيها يوميّا عدد كبير من الجرحى نتيجة لجوء قوى الأمن الداخلي وقوى الجيش إلى الردّ على المتظاهرين وإطلاق الرصاص الحي بهدف تفريقهم، بعدما كانوا يرشقون قوى الأمن والجيش بالحجارة قبل أن يلجأوا منذ مساء الأربعاء إلى استخدام قنابل المولوتوف الحارقة محلية الصنع وقنابل هجومية روسية الصنع ضدهم، واستهداف السيارات العسكرية ما أوقع وفقا لبيان قوى الأمن الداخلي عشرات الجرحى من بين عناصر هذه القوى.

الجدير ملاحظته هو قيام المحتجين بالتظاهر أمام منازل نواب المدينة وتحديدا منزل النائب كرامي والرئيس ميقاتي والنائب سمير الجسر ومحاولة اقتحامها، في إشارة ذات مغزى إلى الغضب الذي يكنونه تجاه من حازوا على أصواتهم في الانتخابات النيابية أملاً في أن يتقدموا بمشاريع إنمائية تنقذهم من حالة الفقر المدقع الذي يعيشونه، ومؤخرًا تفاقمت حالة الغضب نتيجة الخوف الكبير من انتشار فايروس كوفيد – 19 بين أبناء المدينة وعدم وجود ما يكفي من مستشفيات ومستوصفات تستطيع تقديم الحد الأدنى من الرعاية الطبية التي تبعد عنهم شبح الموت.

لم يبخل أبناء طرابلس عن المشاركة في جميع الاحتجاجات التي انطلقت عقب اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري وكان لمشاركتهم في ثورة 14 آذار 2005 الأثر الجلي الذي ساهم في إخراج الجيش السوري من لبنان، كما أن أبناءها لم يترددوا منذ انطلاق انتفاضة 17 أكتوبر 2019 في المشاركة الكثيفة في التظاهرات التي كانت تشهدها ساحة النور وسط المدينة، حتى اكتسبت معها طرابلس لقب “عاصمة الثورة”. كل ذلك كان يجري و”زعماء” المدينة غائبون عن معالجة هموم الطرابلسيين وبشكل يطرح معه علامات استفهام كبيرة.

التوغل التركي في طرابلس

بعض التظاهرات في لبنان يتجاوز، وفقًا للمراقبين، الانفجار الشعبي نتيجة الفقر والعوز، أو حتى الاعتراض على كيفية توزيع لقاح كورونا
بعض التظاهرات في لبنان يتجاوز، وفقًا للمراقبين، الانفجار الشعبي نتيجة الفقر والعوز، أو حتى الاعتراض على كيفية توزيع لقاح كورونا

وفي ما يشبه محاولة ذر الرماد في العيون، أصدر ميقاتي بيانا عبّر فيه عن “أسفه” لمقتل الشاب طيبا، وقدّم التعزية لذويه، سائلاً الله أن يحمي طرابلس ولبنان من كل من يريد استغلال حاجات الناس لتنفيذ مخطط سياسي وأمني.

ورأى ميقاتي أن “ما تشهده طرابلس من احتجاجات هو ترجمة لغضب كبير على إهمال ​الدولة​ وسياساتها الخاطئة، وما يستفز الناس أكثر هو اللامبالاة التي تتعاطى بها ​السلطة​ مع أوجاع اللبنانيين”.

وحذّر رئيس الحكومة الأسبق من خطورة أن يتحول هذا الغضب المشروع إلى مواجهات بين المواطنين ورجال الأمن الذين يتقاسمون معهم المعاناة. وأضاف “لذلك على الجميع أن يتنبه إلى الجهات التي تحاول حرف ​الاحتجاجات​ عن مسارها المطلبي لتحقيق​ مكاسب على حساب الفقراء”.

ولئن كانت الملامة لا تقع على عاتق ميقاتي دون غيره من “أثرياء” طرابلس في عدم الاهتمام بأحوال المدينة وأبنائها، فإن البيان الذي أصدره يحمل في طياته إشارات إلى وجود غايات سياسية “مجهولة ومعلومة في آن” تقف وراء تحريك هذه التظاهرات، ما يطرح السؤال: هل ما يجري في عاصمة الشمال هو “ثورة جياع” فعلية أم أنها معركة “تصفية حسابات” سياسية؟

البعض من المراقبين يرون أنه منذ بدء تدخل تركيا في الشؤون الشمالية عموما والطرابلسية خصوصًا، تواترت أخبار كثيرة وإشاعات عن استفادة عدد كبير من الطرابلسيين من الوجود التركي الذي قطع مرحلة التوغل في عاصمةِ لبنان الشمالي وأصبح في حالة تمكّن، حيث تمدَّدت تركيا من عكار حتى طرابلس، لتقوم بتواصلٍ مباشر مع العديد من الأشخاصِ النافذين اليومَ على الأرض، “رؤساء محاور” سابقين، لتنفيذ أجندتها الخاصة التي يهمس بعضهم بأن بهاء، ابن رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري، ليس بعيدا عنها، للولوج إلى السياسة اللبنانية في مواجهة شقيقه سعد من الباب الطرابلسي.

من ناحية أخرى، رأى عضو كتلة “المستقبل” النائب ‏‎محمد الحجار أن مجموعات تنتمي إلى تيار الرئيس ‎ميشال عون هي التي حرّكت الشارع في ‎طرابلس، فيما أشارت مصادر مواكبة لأحداث عاصمة الشمال لـ”العرب” إلى أن توتّر الأوضاع الأمنية في مدينة طرابلس تحت عناوين تفاقم الضائقة المعيشية التي يعانيها المواطنون ولاسيما ذوي الدخل المحدود والمحتاجين قد يكون أحد أسباب ما يحصل. ولكن يبدو أن هناك من يحاول استغلال هذه التحركات الشعبية والتلطي وراءها مِن أجل تأجيج التوتّر لغايات وأهداف خبيثة بعيدة كل البعد عن المطالب الشعبية المحقة.

ولفتت المصادر إلى أن الفراغ الحكومي جرّاء تعطيل تشكيل الحكومة الجديدة، ووجود حكومة مستقيلة وسلطة عاجزة عن القيام بالمهمات المنوطة بها، يتسبّبان في فراغ مميت تستغله الجهات المشبوهة نفسها للتحرك من خلاله أيضا لتنفيذ غاياتها الخبيثة على حساب مطالب المواطنين المحتجين ضد المسؤولين المتهاونين في الاهتمام بمصالح الشعب ومطالبه المعيشية التي تتدهور يوما بعد يوم من دون مبالاة، فلا همّ لهم إلا الاهتمام بمصالحهم ونفوذهم.

وفي الوقت الذي أبدت فيه أوساط أمنية قلقها من المنحى الذي تتخذه التحركات الاحتجاجية  في طرابلس، متخوفة من وجود خطة لتوسيع دائرة المواجهات الميدانية، ومعتبرة أن المعطيات الدقيقة التي يجري ترصدها تشير إلى تحريك مجموعات منظمة في الشارع لاستغلال المطالب الشعبية المحقة في طرابلس لتنفيذ أعمال مخلة بالأمن وتأجيج الوضع الأمني، تم اختيار عاصمة الشمال مركزا للتحركات بدلاً من بيروت، لأن البيئة الشعبية فيها تعاني أكثر من المناطق الأخرى.

الصمت هرباً من المساءلة

قيام المحتجين بالتظاهر أمام منازل نواب المدينة، كرامي وميقاتي وغيرهما، إشارة ذات مغزى إلى الغضب الذي يكنونه تجاه من حازوا على أصواتهم في الانتخابات.
قيام المحتجين بالتظاهر أمام منازل نواب المدينة، كرامي وميقاتي وغيرهما، إشارة ذات مغزى إلى الغضب الذي يكنونه تجاه من حازوا على أصواتهم في الانتخابات.

النائبان كرامي والجسر اللذان كانا في مرمى المتظاهرين بمهاجمة منزلهما وتحطيم كاميرات المراقبة الخاصة بهما، لم يعلنا أي موقف، وربما كانا بذلك يتداركان فعلاً غضب الناس الذين سيعترضون حكماً على أي موقف سيتخذه ممثلا المدينة في مجلس النواب.

أما الوزير السابق محمد الصفدي فقد اكتفى بالتغريد عبر حسابه على تويتر قائلاً “لسوء الحظ حدث ما كنا قد تخوفنا منه وشهدت طرابلس أعمالًا تخريبية تمثلت في إحراق مبنى البلدية الأثري ومحاولة إحراق دار المحكمة الشرعية ومواجهات أدّت إلى سقوط ضحايا وجرحى”. وأضاف ابن الشمال المستهدف أيضاً بالانتقادات التي واجهت السياسيين من المنطقة أنه بعدما “باتت النوايا مكشوفة وبات واضحًا أن المرتكبين لا يمتون بأي صلة إلى المدينة وأبنائها لذا نناشد القوى الأمنية والجيش اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية طرابلس وأهلها ولقطع الطريق أمام استغلال الناس في لقمة عيشهم”.

ولا يستبعد مراقبون أن تكون فعلاً التظاهرات التي تشهدها طرابلس هي نتيجة قرار الإغلاق العام الذي اتخذته حكومة تصريف الأعمال والمجلس الأعلى للدفاع الذي يرأسه الرئيس عون في محاولة لتجنب الارتفاع المخيف في أرقام الإصابات والوفيات بفايروس كورونا، وتأثير هذا القرار سلباً على الوضع الاقتصادي لعموم اللبنانيين والطرابلسيين بشكل خاص، إلا أنهم لم يستبعدوا بالمقابل أن تكون فعلاً هناك معركة تصفية حسابات سياسية يخوضها من يريدون الإمساك بقرار عاصمة الشمال الذين جلّهم من أبناء الطائفة السنية.

الوضع الاقتصادي السيء إلى هذه الدرجة التي فجّرت الشارع في طرابلس يدفع إلى التساؤل عن تقاعس أثرياء المدينة أقله السياسيون من بينهم، عن تنفيذ مشاريع تفتح أبواب فرص عمل أمام أبناء طرابلس، أو تطوير بنى الرعاية الصحية التي من شأنها أن تطمئنهم على صحتهم بالحد الأدنى، رغم ضرورة توجيه الاتهام مباشرة إلى الدولة اللبنانية التي أهملت المدينة رغم الوعود الكثيرة التي أغدقتها على أبنائها بعد التئام جروحهم التي نتجت عن الأحداث المؤسفة التي استمرت أكثر من ثلاثة أعوام بين “المحاور” الشهيرة في باب التبانة وجبل محسن، فلم تبادر إلى وضع خطط تنمية مستدامة حقيقية ولم تفعل إلا كل ما يمكن أن يدفع أبناء المدينة إلى التظاهر للمطالبة بأبسط حقوقهم المواطنية.

ومن جهته، كتب رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري عدة تغريدات على موقع تويتر يعبر فيها عن رأيه في ما تشهده طرابلس، وهي قاعدة رئيسية لأنصاره، اعتبر من خلالها أن “جهات تريد توجيه رسائل سياسية قد تكون وراء التحركات في طرابلس”.

وأضاف الحريري “قد تكون وراء التحركات في طرابلس جهات تريد توجيه رسائل سياسية، وقد يكون هناك من يستغل وجع الناس والضائقة المعيشية التي يعانيها الفقراء وذوو الدخل المحدود”، مضيفاً “أنبه أهلنا في طرابلس وسائر المناطق من أي استغلال لأوضاعهم المعيشية، وأطالب الدولة والوزارات المختصة باستنفاد كل الوسائل المتاحة لكبح جماح الفقر والجوع وتوفير المقومات الاجتماعية لالتزام المواطنين قرار الإقفال العام”.

وإذا كان لسان حال بعض السياسيين اللبنانيين الذين نبّهوا منذ اندلاع انتفاضة أكتوبر 2019 إلى ضرورة الحذر من الخطر القادم من الشمال، في إشارة إلى دور تركي مريب، فإن لسان حال القيادات الأمنية حالياً ينبّه إلى خطورة تطور الأوضاع في طرابلس والتي قد تتطوّر إلى مشروع فتنة إذا اندلعت لن يتمكن أحد من التنبؤ بكيفية إطفائها.

8