وجوه فلورنسا وأخواتها.. مدن تصنع جمالها من إلهام عشاقها

لا تزال جسور روما العتيقة تتشبه بالرقي، وهي بالرغم من قدمها تبدو للناظر خفيفة بالتماثيل التي تقف على أسيجتها لتروي حكايات.
السبت 2020/09/26
أنت في عواصم الأناقة

قبل أن تلقي بعملتك المعدنية في حوض مياه فونتانا دي تريفي عليك أن تكون متأكدا من أمنيتك. ينصحك العارفون بأن تتواضع ولا تثقل على الكائنات الخفية المكلفة بتنفيذ الأمنيات. لذلك يفضل الكثيرون أن يتمنوا العودة إلى روما. وهل تلك أمنية متواضعة؟

غالبا ما يشعر المسافر في اللحظات الأخيرة أنه لم ير شيئا من المدينة. يلتفت إلى ماضيه البصري القريب فيراه فارغا. لقد أخذتك المطاعم والمقاهي والحانات عن التشرد في شوارع مدينة، تمتلئ منعطفات شوارعها بتفاصيل الحكايات التي ذهبت مسرعة إلى نهر التيبر لتختفي بين ثياب الجنيات. تلك فكرة يمكن أن تأخذك إليها مقطوعة يعزفها على الكمنجة موسيقي أعمى أنيق.

لقد كان عليك أن تقف أمامه مرتين في اليوم ما بين ساحتي فينيسيا وببوليو جيئة وذهابا لتنصت إلى مقطوعة موسيقية حية يعزفها بروح فنان متمرس على التسلل إلى أعماق الإلهام الموسيقي. ربما كان ذلك الموسيقي مدخلا إلى أناقة المدينة.  كل ما في هذه المدينة العتيقة أنيق بشكل لافت. هل صار السكن فيها محتكرا من قبل الأثرياء وحدهم؟

خطط لزيارة مقبلة

المدينة لا تزال كما كانت. مبانيها ودروبها وساحاتها وكنائسها وتماثيلها وأعمدتها والحجارة التي كسيت بها دروبها الضيقة. غير أنها ليست قديمة بما تحدثه من تأثير بصري وهي ليست ركاما أثريا بل هي مدينة للعيش
المدينة لا تزال كما كانت. مبانيها ودروبها وساحاتها وكنائسها وتماثيلها وأعمدتها والحجارة التي كسيت بها دروبها الضيقة. غير أنها ليست قديمة بما تحدثه من تأثير بصري وهي ليست ركاما أثريا بل هي مدينة للعيش

في روما ما من شيء يذكّر بالسياحة الفقيرة التي كانت نهجا مقدسا بالنسبة للشباب المتمرد قبل عقود. كل خطوة يلقيها المرء على أرصفة هذه المدينة لا بد أن تكون مدفوعة الثمن. عليك إذاً حين تعود مرة أخرى أن تكون مستعدا على الأقل لتنتحل دور صديق ثري.

ولكن المدينة نفسها لن تكون هدفا للزيارة المقبلة. سأفتح قوسين لأجد أخطائي بينهما. وهي أخطاء ثقافية سيكون علي في الزيارة المقبلة إن وقعت استدراكها. كأن امتنع عن دخول أي كنيسة حتى لو كانت تلك الكنيسة تضم بين مقتنياتها لوحة لروفائيل. علي إذاً أن أوجه أمنيتي إلى الجهة التي لم أصل إليها من روما. ذلك الجزء الذي اخترق القرن العشرين بحداثته ووضع دور الأزياء الإيطالية في المقدمة دائما. ذلك ما حرص الإيطاليون على العناية به. فأنت لا ترى إلا عددا قليلا من المخازن التجارية التي تروج لملابس أجنبية.

جاري دانتي وجارتي حبيبته

قالت لبنى المان “عليك أن تلتقط صورة مع بيت دانتي اليغيري” كنت أفكر في عنوان للصورة “جاري دانتي”. كان بيته يقع قريبا من الفندق الذي أقمت فيه. أما حين ذهبت إلى فلورنسا وصرت أمر بجسرها العتيق الذي لا أعتقد أن هناك جسرا يشبهه في العالم صرت أفكر في بياتريس، حبيبة دانتي التي ماتت صغيرة والتي كانت تسكن قريبا من ذلك الجسر. “جارتي بياتريس” لقد جئت إلى فلورنسا من أجل بياتريس.

أشياء خفية كثيرة تأسرك عاطفيا وتجعلك لا تنسى. هذه مدن بُنيت لكي تكون مؤهلة لاستقبال كل العصور ولاحتضان البشر من كل جهات الأرض. إنها عواصم لإمبراطوريات حالمة

لم أكن راغبا في زيارة متحف المدينة لولا أنه يضم لوحتي “الربيع” و”فينوس” لبوتشيلي. كان ذلك حلما شخصيا. كنت أشعر بالنقص لأنني لم أر اللوحتين. رأيت “الربيع” أولا فانتابتني رغبة في البكاء. قررت أن أقف بعيدا عنها. صرت بعدها أقترب منها شيئا فشيئا. تلك نعمة ينبغي الاستغراق فيها تدريجيا كما الغرق. ليتني أتعلم درس الغرق على يد بوتشيلي. لم أكن غريبا عليه. وكنت أود لو قبّلت كل جزء من لوحته. يفيض الحب من كل جزء من تلك اللوحة وأختها. لقد كدت أصرخ “أصدقك. إنه الربيع” ولكنني أجلت جنوني إلى الشارع. سأقع في غرام بياتريس مرة أخرى. أعود إلى التفكير بصاحب الكوميديا الإلهية الذي وقع في الحب مثلي. ذلك الرجل الذي حُرم من أنثاه فيما تظل عيني مصوبة إلى أنثاه.

سأحصي الدقائق التي أمضيها على الجسر العتيق من أجل أن أتحرر من دانتي وحبيبته وأفكر في أصحاب الدكاكين والبيوت التي بنيت على الجسر. ما الذي دفع بهم على أن يقضوا حياتهم على الجسر. يعملون ويعيشون محلقين بين ضفتي النهر، هناك حيث ينظر إليهم بقية السكان كم لو أنهم يتدثرون برقية سحرية تحفظ المدينة من غضب النهر.

فكرة أن تكون سائحا تدفع بك أحيانا إلى ارتكاب حماقات من نوع التصوير من أجل الذكرى. فمن أجل أن تؤكد أنك كنت في إيطاليا تذهب إلى المدرج الروماني والفاتيكان من أجل التقاط الصور ليس إلا
فكرة أن تكون سائحا تدفع بك أحيانا إلى ارتكاب حماقات من نوع التصوير من أجل الذكرى. فمن أجل أن تؤكد أنك كنت في إيطاليا تذهب إلى المدرج الروماني والفاتيكان من أجل التقاط الصور ليس إلا

طبقات من العيش المختلف

لا تزال جسور روما العتيقة تتشبه بالرقي. وهي بالرغم من قدمها تبدو للناظر خفيفة بالتماثيل التي تقف على أسيجتها لتروي حكايات، لن يكون المارة معنيين بتفاصيلها. فهي غالبا ما تكون حكايات دينية. هل جئت لترى القلعة القريبة من الفاتيكان أم لتسمع أصوات فرسان مالطا أم لتشم روائح الثياب الملقاة على الحبال أم لتلمس الحجارة التي تجرح؟ في فلورنسا تبدو العلاقة أشد تعقيدا. فعاصمة عصر النهضة لا تزال كما كانت عليه قبل قرون. يمكنك أن تتخيل أن أفرادا من عائلة ميديشي ما زالوا يبسطون سيطرتهم على أجزاء من المدينة.

المدينة لا تزال كما كانت. مبانيها ودروبها وساحاتها وكنائسها وتماثيلها وأعمدتها والحجارة التي كسيت بها دروبها الضيقة. غير أنها ليست قديمة بما تحدثه من تأثير بصري وهي ليست ركاما أثريا بل هي مدينة للعيش.

لقد تصالحت العصور المتلاحقة، بعضها مع البعض لآخر لتخلق مدينة تتعايش فيها المجتمعات المتتالية كما طبقات الأصباغ على اللوحة الواحدة. فلو عاد ليوناردو دافنشي لما شعر بالغربة وهو يتنقل بين مخازن فرساتشي وبرادو وكوتشي وفندي وشانيل. فلورنسا التي انبعث فيها عصر النهضة الأوروبي لم تكن إلا وعدا بولادة العصر الحديث.                      

حماقات الصور للذكرى

فلورنسا التي انبعث فيها عصر النهضة الأوروبي لم تكن إلا وعدا بولادة العصر الحديث
فلورنسا التي انبعث فيها عصر النهضة الأوروبي لم تكن إلا وعدا بولادة العصر الحديث

فكرة أن تكون سائحا تدفع بك أحيانا إلى ارتكاب حماقات من نوع التصوير من أجل الذكرى. فمن أجل أن تؤكد أنك كنت في روما تذهب إلى المدرج الروماني والفاتيكان من أجل التقاط الصور ليس إلا. كذلك الأمر بالنسبة للـ”دوم” في فلورنسا. هناك تجد نفسك محشورا بين الآلاف من المسافرين العابرين وعليك أن تتحمل الإنصات إلى جمل لا معنى لها “من أين أنت؟” “هل تتكلم الإنجليزية؟” “سأكون مفيدا لك لساعتين” “هل ترغب في شراء تذكرة؟” وسواها من الجمل التي يرددها شباب كما لو أنها ليست موجهة لأحد بعينه. لقد صرت هدفا لعمل عبثي بعد أن قررت أن تضيع وقتا ثمينا من أجل أن تلتقط صورة.

ستندم لأن ذلك النوع المتاح من الصور لن ينفع في شيء.

لا يحتاج المرء إلى صور من ذلك النوع السياحي من أجل أن يؤكد أنه أقام لإيام في روما أو فلورنسا. فالمدينتان تتركان أثرا عميقا في النفس من خلال المشي في شوارعهما والعبور عل جسورهما والجلوس في مطاعمها. يكفي أن تتذكر الطعام الإيطالي الذي قد لا يحبه الكثيرون منا لتعرف أنك كنت هناك.

عصر الباروك لا يزال حيا في إيطاليا. الموسيقي الأعمى كان باروكيا فقد كان يعزف بأناقة مقطوعات من باخ. سيُقال لك دائما "هذه من صنع برنيني"

هناك أشياء خفية كثيرة تأسرك عاطفيا وتجعلك لا تنسى. هذه مدن بُنيت لكي تكون مؤهلة لاستقبال كل العصور ولاحتضان البشر من كل جهات الأرض. إنها عواصم لإمبراطوريات حالمة. أليس علينا أن نفكر دائما بالإسكندر المقدوني الذي حلم ببابل عاصمة له ومات شابا قريبا منها؟

هناك يحضر الرومان دائما. لا يعني في شيء أن عصر النهضة كان مسيحيا. ولا تحضر القرون الوسطى إلا من خلال مبانيها المتجهمة. أما عصر الباروك فإنه لا يزال حيا. الموسيقي الأعمى كان باروكيا فقد كان يعزف بأناقة مقطوعات من باخ. سيُقال لك دائما “هذه من صنع برنيني”.

لا بأس. كل العصور العظيمة موجودة من أجلك وعليك أن تعيش الإلهام كما لو أنت المحظوظ الوحيد في الكون. أنت في عاصمة الأناقة.

12