وجوه متورطة في أزمات الجزائر

الخميس 2014/06/12

ما دلالة سماح هيئة الرؤساء المشرفة على انتقاء المدعوين وتحضير برنامج ندوة ما يسمى بالمعارضة الجزائرية لعناصر تنتمي عقائديا وتنظيما سياسيا إلى حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية الممنوع من العمل السياسي للمشاركة في ندوة التنسيقية التي انعقدت الثلاثاء الماضي (10 يونيو 2014) بفندق مزفران الواقع قرب الجزائر العاصمة؟

وكيف يمكن تفسير الدعوة الموازية التي تقدم بها أحمد أويحيى رئيس ديوان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة المكلف بإجراء المشاورات من أجل تعديل الدستور إلى عناصر من هذا الحزب نفسه؟

وهل يعكس هذا توافقا متزامنا ومبطنا بين هذه الأطراف بخصوص جبهة الإنقاذ، أم أن هذه الحركة المزدوجة والمتزامنة تعني أن كلا منهما يسعى بطريقته الخاصة إلى استخدام ورقة بعض المحسوبين على جبهة الإنقاذ في الصراع السياسي مستقبلا.

علما أنَ موقف نظام بوتفليقة قد أعلن يوم الثلاثاء الماضي على لسان الوزير الأول عبد المالك سلال أن جبهة الإنقاذ لن تعود أبدا إلى الممارسة السياسية؟ هل يعني اجتماع موزاييك هذه التنسيقية أن في البلاد معارضة ائتلافية لها قواسم مشتركة وسند شعبي في الجزائر العميقة؟ أم أن هذا الموزاييك لا يمثل في الجوهر إلاَ تناقضاته فقط؟ وما معنى عودة هذه الوجوه القديمة التي احتكرت الحكم لسنوات طويلة، ومارست أدوارا أساسية سلبية في خلق وتفجير الأزمة الجزائرية التي تحولت إلى صراع مسلح على مدى العشرية الدموية بعد إلغاء المرحلة الثانية من الانتخابات التشريعية عام 1992؟

ينبغي علينا تقديم بعض المعلومات الضرورية عن أبرز الوجوه التي شاركت في هذا الاجتماع، حتى تتضح صورة التناقضات والبراغماتية السياسية الفجة في الجزائر.

لنبدأ برئيس الوزراء السابق مولود حمروش الذي كان في عهد الرئيس هواري بومدين مجرد بروتوكول برئاسة الجمهورية مكلف بحمل المظلة ليغطي بها جسم الرئيس من الشمس صيفا، ومن الأمطار شتاء. بعد وفاة بومدين ارتبط هذا الرجل بالرئيس الجديد الشاذلي بن جديد الآتي من الثكنة العسكرية، وساهم في سيناريو الإطاحة بالعناصر القيادية المحسوبة على التيار «البومديني» اليساري أمثال العقيد محمد صالح يحياوي والمقربين إليه في اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني، فضلا عن تصفية بقايا رجال الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بلة. إضافة إلى ما تقدم فإن حمروش قد تقلد منصب رئيس الوزراء، وفي عهده تم اغتيال الرئيس محمد بوضياف وهو يلقي خطابا في مدينة عنابة شرق البلاد.

الشخصية الثانية التي يصفها الإعلام الجزائري بأنها من الوزن الثقيل أيضا فتتمثل في علي بن فليس الذي شغل منصب وزير العدل، وبعد ذلك منصب الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني بعد الإطاحة بأمينه العام المنتخب الراحل عبد الحميد مهري الذي يعد شخصية فذة ونظيفة في المشهد السياسي الجزائري المعاصر، ومن ثم تولى منصب رئيس الوزراء في ظل حكم عبد العزيز بوتفليقة.

في ذلك الوقت كانت التسريبات تفيد بأن بوتفليقة كان يعد علي بن فليس لخلافته في منصبه بقصر المرادية في الوقت المناسب، ولكنه لم ينتظر دوره وقام بدلا من ذلك بمعارضة بوتفليقة جهرا ورشح نفسه للرئاسيات عام 2004 ومني بهزيمة مما أدى به إلى الانسحاب من الساحة السياسية لمدة 10 سنوات دون أيّ مبرر معقول.

أما أحمد بن بيتور ومقداد سيفي فقد شغلا بدورهما في فترة العشرية الدموية منصب رئاسة الحكومة، وبعد تنحيتهما ظل الأول يعارض بمقالاته التي كان ينشرها في صحيفتي الجزائر نيوز والخبر. أما الثاني فقد انزوى بعيدا عن الأنظار حتى هذه المرة ليظهر مجددا في هذا الاجتماع.

هذا بالنسبة إلى ما يسمى بالأسماء السياسية الثقيلة، أما الأحزاب التي شاركت بقيادة رؤسائها أو بوفد مرخص له في اجتماع الثلاثاء الماضي فأبرزها «حزب حمس»، وحزب الجيل الجديد، وحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وحزب القوى الاشتراكية «الأفافاس»، إلى جانب قياديين سابقين في حزب جبهة الإنقاذ المحظور وهم عبد القادر بوخمخم وكمال قمازي وعلي جدي وعلي بن حاج الذي منع في اللحظات الأخيرة من الدخول إلى الاجتماع، فضلا عن بعض ممثلي الأحزاب الصغيرة وبعض المدعوين بصفة مشارك أو مراقب. هنا يجب تسجيل مجموعة من الملاحظات منها:

1 - إن حضور عناصر من جبهة الإنقاذ الإسلامية كان بصفة شخصية فقط، وليس لتمثيل حزبهم الممنوع من العمل السياسي رغم أن علي جدي القيادي السابق في جبهة الإنقاذ المشارك في هذه الندوة صرح للصحافة الوطنية بقوله: «سنحمل معنا مطلب عودة الفيس (جبهة الإنقاذ الإسلامية) إلى الساحة السياسية». ولكن رئيس حزب حمس الإسلامي علق بنحو غير مباشر على تصريح علي جدي بقوله: “لن نتدخل في مطالب المشاركين وكل طرف حر في مواقفه”، الشيء الذي يعني أنه لا يتبنى موقف السيد جدي.

2 - الشخصيات السياسية التي شاركت كأفراد، والشخصيات الممثلة لأحزابها في هذه الندوة تحت شعار «الانتقال الديمقراطي» قد كانت جزءا من النظام الحاكم وعملت معه في إدارة شؤون الحكومة أو البرلمان أو مجلس الأمة هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هؤلاء قد لعبوا دورا مفصليا في إجهاض المرحلة الثانية من الانتخابات التشريعية وفي إقصاء جبهة الإنقاذ، ومن ثم طردها بشكل نهائي من الحياة السياسية، وبناء على ذلك فإن القاعدة الشعبية تنظر إليهم بارتياب وعدم ثقة، بل تعتبرهم جزءا لا يتجزأ من تركيبة النظام الحاكم وصدى لثقافته الإقصائية.

3 - إن عدد ونوعية المدعوين بصفة مشارك أو مراقب إلى هذه الندوة قد تمت معاملتهم كمجرد ديكور و «كومبارس»، وأغلبهم لا يمثل أطياف المجتمع المدني المتنوعة، وأكثر من ذلك فإن احتكار ما يسمى بالشخصيات الثقيلة والأحزاب الرسمية المنظمة للندوة لقرار “انتقاء” المشاركين وفق هواهم ومصالحهم في هذه الندوة قد كرس مجددا وكالعادة السلوك الديكتاتوري الذي تتميز به الحياة السياسية الجزائرية منذ الاستقلال.

من اللافت للنظر هو أن اجتماع التنسيقية لم يتأسس على برنامج واستراتيجية ومنهج عمل، بل اكتفى المشاركون فيه بالظهور التلفزيوني وبمناشدة النظام الحاكم لإقناعه بالمضي قدما نحو ما يعرف بالانتقال الديمقراطي السلمي. إن موقف هذه التنسيقية يذكّرنا بأحد نقاد الأدب العربي القائل بأن الشاعر العربي يكتب قصيدتين اثنتين في حياته فقط: واحدة في مدح الملك، وأخرى في طلب عفوه.


كاتب جزائري

8