وجوه وأجساد

الولع بتقاسيم الوجه وتفاصيل العينين والتجاعيد والانحدارات وكنه النظرة والكلام المكتوم، لا يبدو شأنا روائيا، لهذا في محاورة بالغة الدلالة جمعت بين الروائي التركي يشار كمال ومواطنه الرسام عابدين دينو.
الأربعاء 2018/05/02
لوحة فان غوخ الذاتية بملامحه النحاسية

غالبا ما أتخيل أن الرسامين كيانات رأسية، وسيرها تختصر في مآلات العيون والأنوف والأفواه واللحى والشوارب،… وحين تتمادى فإنها تلتقط اليدين، ألم يتحدث أغلب الرسامين عن ذاكرة اليد، تلك المسماة مهارة… بينما تتيه سير الروائيين في الأجساد الكاملة المركبة، وتحولات الدواخل والخيالات والطرز والبلاغات المظهرية المغرية بالتأويل.

في لوحة فان غوخ الذاتية، بملامحه النحاسية، ومسامّه الصفراء، وضمادة الأذن المندلقة من القلنسوة الزرقاء، يتهيأ للناظر وكأنما الرسام ينكر وجهه، لم تكن تلك الصورة هي الوحيدة للفنان الهولندي التي تولّد هذا الإحساس، لقد أدمن هذا الانطباعي السقيم تخيل ملامح وجهه، مثلما أدمن مئات آخرون ذلك، من رامبرانت إلى بول غوغان الذي صور نفسه مع المسيح الأصفر؛ ثمة في كل مرة إيحاء بإنكار النفس، وسعي لفهم شيء ملغز، ورغبة في تأويل الملامح، وإخراج ما لا تظهره المرآة، أو ما تظهره بشكل غامض وحافل بالأسرار مثل مرآة بيلاسكيس في لوحة الوصيفات.

هذا الولع بتقاسيم الوجه وتفاصيل العينين والتجاعيد والانحدارات وكنه النظرة والكلام المكتوم، لا يبدو شأنا روائيا، لهذا في محاورة بالغة الدلالة جمعت بين الروائي التركي يشار كمال ومواطنه الرسام عابدين دينو حملت عنوان “الوجه والقفا”، سيتحدث بتحسر عن “إهمال الروائيين للوجه البشري لحساب الجسد والهيئة وتعالقاتهما مع الفضاءات المتنامية”، فلم تؤخذ التقلبات التعبيرية للملامح المساحات التي تستلزمها، وهي التي لا تكف عن التبدل والانزياح.

لهذا لا يمكن أن نتحدث عن بورتريهات روائية إلا بكثير من التجاوز، أما في النصوص التي يسعى فيها الروائيون لتخيل ذواتهم فإن وجوههم لا تكف عن الانزواء، أذكر دوما أن الأساليب تنصرف إلى توصيف الكتلة العامة وعمقها الداخلي، وما يتصل بها من خطاب كلامي، وأحيانا بتفاصيل الماكياج والعطور، والنظّارات، القسمات وحدها لا تحظى بعناية.

لا أذكر كثيرا من الصور السير ذاتية التي تشخص وجوه كتابها، ومن ضمن تلك المقاطع التصويرية النادرة تبرز صورة هشام شرابي في مطلع سيرته “صور الماضي”، حيث يطل علينا الوجه المرسوم لفظيا من المرآة ليقاس فعل الزمن، لكن سرعان ما يختفي الأثر المتداعي للمحيّا الهرم أمام طوفان الأحاسيس المتصلة بالزمن والأمكنة والأقارب والأصدقاء، فيتحول إلى شبه بذرة بلحاءات خارجية سميكة لا تنكشف بسهولة. وحتى حينما يستعمل الروائي الألوان للوصف فهو يحصرها في مقامات صافية، ولا يهوشها لتبيين الأثر، يبدو غير معني باستيضاح التقلبات الحسية للعواطف، إلا بما هي درجات في سلم السواد والحمرة.

15