وجوه وأقنعة

السبت 2014/09/20

تحدث علماء النفس مراراً عن ازدواج الشخصية، باعتبارها تطوراً مرضياً للسلوك الذي يعتمد على التناقض؛ تناقض أفعال الفرد مع حقيقة ما يؤمن به من أفكار واتجاهات ومبادىء. الازدواجية في معناها البسيط قد تكون خياراً إرادياً مؤقتاً للخروج من مأزق آني؛ كأن يدّعي أحدهم تأييده لنظام سياسي معين، خوفاً من سيف الجلاد في لحظة معينة توضع فيها حياته على المحك، وربما يضطر بعض الرجال إلى المبالغة أو الإدعاء بما لا يمتلكون لكسب ود حبيباتهم قبل الزواج، بل يصح للمرأة أحياناً أن تفاخر بثقافة رفيعة لا تمتلكها لكسب ود الناس ولفت أنظار الخطّاب.

يمنح علماء النفس الاجتماعي هؤلاء، بطاقة مرور وتأييد بحسن سير وسلوك، شرط عدم تكرار هذا السلوك لفترة زمنية طويلة بطريقة تجعله جزءاً من شخصياتهم أو قناعاً، يرتدونه متى رغبوا فيغيرون به ملامحهم وفق الظروف والأماكن والأهواء. فإذا حدث هذا، يأخذ السلوك وصفاً مرضياً يتطلب الشفاء منه، جلسات علاج تطول أو تقصر بحسب درجة استيطان الشخصية الثانية (أو الثالثة) في جسد المريض.

كما أن بعض المجتمعات التي تتعلق بحبال المظاهر الكاذبة تشجع على هذا النوع من تعدد الشخصيات، فهي تضطر مواطنيها إلى التعبير عن أنفسهم بصور مخالفة لدواخلهم؛ فالبيئة التي تكبر فيها الهوة بين الأغنياء والفقراء، تشجع بعض الفقراء على إدعاء ما لا يمتلكون خوفاً من العزلة والاستهجان. أما المجتمعات المتدينة، فتقسر أبناءها على التطرف في الدين، لذلك يصبح البعض ضحية للتناقض بين السلوك الظاهري والقيم الذاتية.

يصح أن يتدخل الفشل كدافع مهم لتعليل السلوك الازدواجي؛ فالأشخاص الذين يخفقون في تحقيق أهدافهم يلجأون إلى الإدعاء بما لا يمتلكون، والأم التي تخفق في تربية أبنائها بسبب خلل في جانب من شخصيتها، تضطر إلى ارتداء قناع المرشد الاجتماعي في جلسات النميمة لتلقن الأمهات دروساً في أحدث وسائل التربية.

لا يجد بعض الناس صعوبة تذكر في تمييز هؤلاء، فالشخصية الازدواجية سرعان ما تفضح صاحبها من خلال (شطحة) سلوك لم يحسب لها حسابا، وسرعان ما نجد، مثلاً، مدعيّ التدين والمثل العليا وقد انساق لمشاهدة مقاطع (خارجة) من فيلم سينما، أمام أنظار الآخرين في خروج غير مألوف عن قواعد الأدب، وفي الحقيقة هو أكثرهم انغماساً في الملذات وتوافه الأمور. أما مدعيّ الثقافة والتعليم الرفيع، فيكفي استدراجه للإجابة عن معلومات بسيطة، وسرعان ما ينكشف المستور فينضح الإناء بما فيه وما ليس فيه.

في الآونة الأخيرة، ازداد قلق علماء النفس بسبب انتعاش سوق الأقنعة وسعي البعض (إراديا) لامتلاك أكثر من قناع لأكثر من شخصية؛ فقد نجد من يمتلك قناع الواعظ الناصح ليرتديه في المنزل وقناعا آخر للنزاهة ينتقي ألوانه بتناسق مع بذلة العمل وقناعا آخر ثالثا خفيف الظل خاصا بجلسات السمر. وربما نجد من السيدات من تمتلك أقنعة بعدد حقائب اليد أو أزواج الأحذية، حيث تستخدم أحدها في التسوق والآخر في المنزل والثالث في العمل أما الرابع فمزركش ومذهب ومصنوع خصيصاً لجلسات النميمة. ومن يدري، ربما تضطر إلى تبديل أكثر من قناع في الجلسة الواحدة!

21