وحدات حماية الشعب الكردي أو جناح الأسد الشمالي

الجمعة 2014/10/24

أخيرا أوشكت الدراما الإعلامية الكبرى التي دارت رحاها حول كوباني على نهايتها، حيث داعش المتوحشة تهاجم أكرادا شبه عزل لتذبحهم، وليس أمام هؤلاء سوى الموت أو الانتصار، لكن عدسات الميديا، كما جمهورها المتعطش للإثارة خاب أملهم جميعاً، فلا أكراد ذبحوا بالمئات، ولا داعش هزمت، وانتهت اللعبة كما أراد لها كتابها ومخرجوها رغما عن أنوف الممثلين فضلا عن الكومبارس الصغار، فقد وصلت طلائع بيشمركة البرزاني، منهية عهـد هيمنة واحتكـار ميليشيا صالح مسلم للمناطق الكردية شمال سوريا، والذي شكل مع حزب الله في الجنوب جناحي نفوذ نظام الأسد الميلشياوين في المناطق التي يعجز جيشه عن بسط نفوذه عليها.

اختارت تركيا العض على أصابعها كي لا تحترق، وصمدت للحملات الإعلامية والدبلوماسية التي استهدفت توريطها في صراع مزدوج مع الأكراد والإسلاميين من خلال زجها في مواجهة مباشرة مع تنظيم “داعش”، على أرض يقول الأكراد أنها لهم. ودفعت كافة الارتدادات المحتملة على أمنها القومي، بجعل الطرف الأقرب إليها كرديا وهو مسعود برزاني، واجهة لتدخلها، فهي تستطيع الآن أن تقدم الدعم الكافي، وربما التدخل من بعيد، لدفع داعش بعيدا عن عين العرب، و جعل قوات البرزاني تحقق أول انتصار لها على المسرح الكردي السوري، يكون منطلقاً لتدخلها في مناطق أخرى، مثل القامشلي ورأس العين، وبذلك ينتهي موضوع الحكم الذاتي، وهو مطلب تركيا الذي أعلنته منذ بداية العمليات على حدودها الجنوبية كشرط لتدخلها.

تدخل إقليم كردستان يوفر فرصة للبرزاني، الموصوف بالاتزان من معظم القوى الإقليمية، لنيل الشرعية والنفوذ، اللذين يستطيع بهما تصفية خصوم الثورة السورية في الشمال، ويفتتح بذلك صفحة جديدة أكثر توازنا في العلاقة بين الأكراد وجيرانهم العرب في تلك المنطقة، خاصة إذا ما كانت برعاية تركيا ذات الخبرة بالملف الكردي، وبرضا عربي لا يهمه من هذا الشأن سوى تصفية نظام بشار الأسد.

على أن هذا لا يعني نهاية نفوذ حزب العمال الكردستاني، فثمة فرق غير منظور حاليا بين حزب صالح مسلم المعتاش على أُعطيات بشار الأسد من جهة، وعلى الإرث النضالي لقنديل من جهة أخرى، والزعيم التاريخي للحزب عبدالله أوجلان لم ولن ينسى أن نظام الأسد باعه رخيصا ذات يوم، ولن يلدغ من هذا الجحر مرتين، وسيحافظ على الشعرة التي تربطه بالأتراك المتوددين له اليوم، لأنها أوثق بالنسبة له من الوشائج الواهية التي يحاول النظام السوري خداعه بها، وقد تشهد الساحة الكردية، مصالحة تاريخية بين الأوجلانيين والبرزانيين تضع القضية الكردية على سكة الحل النهائي.

أما الأميركان فهم على وشك الانسحاب من مسرح كوباني وتركها لمن هم أدرى بشعابها، بعد أن نالوا مبتغاهم وهو تأمين الحدود الشمالية لداعش وضمان عدم تمددها، وقد بدا ذلك بتصريح وزارة الخارجية الذي انتقدت فيه تركيز الإعلام على معركة كوباني، فيما تجاهل نشاطات داعش الأكثر خطورة في سوريا والعراق.

ومع أن النظام السوري يعتبر الخاسر الأكبر في هذه اللعبة، إلا أن مشغله الأساسي وهو إيران، لم يخرج خالي الوفاض، فقد اقتطع لنفسه حصة من الكرد شمال العراق، ليسمح لتركيا القيام بعملها في شمال سوريا، فالإيرانيون يدعمون أنصار الطالباني في كردستان العراق، ويعدّهم قاسم سليماني ليكونوا ورقتهم الكردية القوية.

لن تسقط كوباني، ولن تهزم داعش، فمازال لديها مزيد من الأدوار، بل قد تتوجه شرقا باتجاه القامشلي، وسيبقى الجدال قائما بين القوى السياسية الصغيرة في المنطقة عمن فاز وعمن خسر.


كاتب سوري

9