وحدة الدولة السورية وهاجس التقسيم

الثلاثاء 2014/05/20
نازحون سوريون فروا إلى مخيم باب النور إثر اشتباكات مسلحة بين النظام والمعارضة

أفضى طول فترة الصراع على السلطة بين الثورة والنظام القائم في سوريا، إلى تعقيدات كبيرة باتت لا تطرح اليوم، بصورة ملحة، على بساط البحث والنقاش، وهي مسألة الهوية والفدرالية والتقسيم.

أظهر الصراع في سوريا أن لا وطنية سورية جامعة، وأن النظام والمعارضة مستعدان لكل أشكال اللعب بالهوية وبالدولة الواحدة وبتوظيف البيئات ما قبل الوطنية في هذا الصراع. تأبيد النظام الشمولي لنفسه لعقود طويلة، كان يقتضي منه توظيفا للتشكيلات ما قبل الوطنية في إطار الدولة والمؤسسات، حيث كانت تخصّص مناصب محددة وفقا للتركيبة الطائفية والعرقية، بما يعطي للعلويين القيادات الرئيسية في الأمن والجيش، وهذا لا يأتي من زاوية أن النظام طائفي، بل من زاوية أن النظام شمولي ويوظف كل ذلك من أجل تأبيد نفسه ومنعها من تهديده.

هذا النظام، أعطى المجال واسعا لأجهزة الأمن للتحكم المطلق بكل شؤون السوريين، وولّدت لديهم كرها غير محدود لها، وقد زاوج بين الأمن والطائفة العلوية، ليظهر أن الأمن من اختصاصهم وكل الطائفة مع السلطة، طبعا هذا وهم كبير ساد وتعمّم. ويأتي غياب أيّة حريات صحفية أو سياسية مانعا للكشف عن سبب ارتفاع عدد أفراد الطائفة العلوية العاملين في الأمن والجيش، ومن الذي استفاد فعليا من حالة الاستقرار التي عمّت بسوريا، وهل هي فعلا الطائفة العلوية، ثم ألم تكن مناطقها معدومة التنمية كما حال كل سوريا تقريبا باستثناء مدينتي حلب ودمشق، ولماذا كان الأمر على هذا النحو؟

بعيدا عن الغرق في هذه القضية، فإن السوريين وبعد عقود من الشمولية، نزعت عنهم بذور الميل نحو الوطنية الواعية والقومية كهدف والدولة كانتماء وطني أعلى من بقية الانتماءات، وعلا مقابل ذلك الميل نحو التشكيلات العائلية والدينية والطائفية كذلك والمناطقية والعرقية. وبالتالي كانت هناك بذور للذهاب نحو أفكار فدرالية أو إقامة تجمعات محلية مستقلة، وذهب الكرد نحو التمايز داخل الدولة أو الاستقلال عنها.

في عام 2005 عُمّم مصطلح مكونات الشعب السوري من قبل إعلان دمشق، وقد جاء المصطلح من العراق حين حدث الاحتلال الأميركي في 2003، وكتبت ضمن بنود ذلك الإعلان مصطلحات الأكثرية الدينية والأقليات الدينية، وترافقت معه وقبله أفكار ومفاهيم تضع الريف مقابل المدينة وترييف المدينة وضرورة عودة أهالي الريف إلى أريافهم، وكثر الحديث عن المدن السنية والريف الأقلي، وكذلك كان الحديث يجري عن أن النظام علوي وسوريا سنية.

162 ألف شخص على الأقل قتلوا في الصراع السوري
بيروت – قال المرصد السوري لحقوق الإنسان المؤيد للمعارضة إن 162 ألف شخص على الأقل قتلوا في الصراع السوري المستمر منذ ثلاث سنوات وإن آلافا آخرين في عداد المفقودين بعد أن احتجزتهم قوات الرئيس بشار الأسد أو مسلحون يحاولون الإطاحة به.

وقال المرصد، ومقره لندن، إن الخسائر في صفوف المقاتلين التابعين للحكومة أعلى من خسائر الجماعات المسلحة المؤيدة للمعارضة، مضيفا أن ما يقدر بنحو 54 ألف مدني على الأقل قتلوا منذ بدء الصراع.

وتشير تقديرات المرصد السوري إلى أن 62800 شخص قتلوا في صفوف الجيش والميليشيات الموالية للأسد ومقاتلي حزب الله ومسلحين أجانب آخرين من الشيعة. ويقارن هذا بنحو 42700 قتلوا في جانب المعارضين وبينهم مقاتلون من جبهة النصرة التي لها صلة بالقاعدة والكتائب الإسلامية الأخرى والجنود الذين انشقوا على جيش الأسد. وقال المرصد إن نحو 3000 شخص من هويات أو انتماءات مجهولة قتلوا. وذكر أن كل أطراف الصراع تقلل من خسائرها وأن اجراء إحصاء دقيق شبه مستحيل وربما كان العدد الإجمالي للقتلى أعلى بنحو 70 ألف شخص ليقف عند 230 ألف شخص.

وقال المرصد إن إحصائياته لا تشمل 18 ألف شخص احتجزتهم السلطات ولا يعرف مصيرهم، إضافة إلى آلاف الأشخاص في عداد المفقودين بعد مداهمات لقوات الأمن. وأضاف المرصد أن 8000 جندي آخرين وأفراد ميليشيات موالية للأسد في عداد المفقودين أيضا بعد أن احتجزهم مسلحون وأن مئات الأشخاص تعرضوا للخطف. كما خطف 1500 مسلح آخر خلال الاقتتال بين المسلحين المتناحرين.


دور الاقتصاد


انهيار الوضع الاقتصادي ودمار الزراعة والصناعة وظهور القلة الاحتكارية للاقتصاد ووصول الفقراء إلى أكثر من ثلث السكان دفع بالسوريين نحو الثورة التي اندفعت وبسرعة كبيرة لتعمّ كامل سوريا، لكنها تركزت، بالخصوص، في مناطق يغلب على سكانها الطائفة السنية باستثناء دمشق وحلب، لكن مع تطور الوضع بدأت الأقليات الأخرى تعبر عن حضورها في الثورة من خلال أعمال الإغاثة والخروج في المظاهرات وحتى المجال العسكري وإن بشكل هامشي. ترافق هذا وبدءا من درعا وبقية المحافظات بشعارات تؤكد أن الشعب السوري واحد واحد، وبقي ذلك لأكثر من نصف عام، ولم تظهر النزعة الفدرالية أو التقسيمية.

لكن النظام السوري كان، ومنذ اليوم الأول، يشير إلى وجود إمارات سلفية وفتنة طائفية، وأكمل هذا الدور وبنفس السياق الإخوان المسلمون، حينما بدأ نشاطهم يتضاعف عبر مؤتمرات بروكسل واسطنبول وعبر هيمنتهم على المجلس الوطني والدعم القطري الواسع لهم، وكانت رؤيتهم السياسة تقول بالأكثرية والأقلية الدينيتين، ووفقها ستتشكل الدولة القادمة، ومسألة الدولة المدنية كانت دائما تقرأ من زاوية الشريعة. النظام لم يكتف بما قلناه، بل قاد حملة سياسية طائفية مركّزة في كل من حمص واللاذقية وطرطوس وبانياس وحتى دمشق، ومفادها أن السنّة قادمون لاجتثاث الأقليات وتحديدا العلويين، فتشكلت اللجان الشعبية وبعدها الشبيحة ولاحقا الجيش الوطني للدفاع عن مناطق الموالين. كان يتم كل ذلك عبر آليات تطييف واستقطاب للشباب للحرب، حيث تبيّن له أن الجيش سينقسم وهو غير مضمون الولاء، وبالتالي لابد من قوات جديدة تساعده في معركته.


مشروع التقسيم


ترى دراسة نشرها مركز البوصلة بعنوان “التقسيم حين لا ينتصر المحارب” أن أول أسفين دق بجسد الوطنية الجامعة هو ثلاث قضايا، هي التدويل والتطييف والعسكرة، وهي أسست للتفتت المجتمعي والانقسام الأفقي، ومع تطور العسكرة تصاعدت الأسلمة، وشكل خروج مدن ومناطق، واستنقاع الوضع ضمن هذا الإطار بدايات مرحلة التقسيم الواقعي غير المعلن، وهو ما يردده بعض المحللين الأوروبيين.

الحقيقة أن تصاعد الجهاديات السورية والقادمة من الخارج، دفع بالكرد إلى نوع من الإدارة المحلية، أي شكل من التقسيم، وجاءت هيمنة تنظيم الدولة الإسلامية داعش على الرقة وبعض الأماكن كنوع من الاستقلال، وكذلك ميل جبل العرب إلى الحياد رغم أن أسلحة الجيش تدك درعا، في الوقت ذاته.

في ذات السياق نشر راتب شعبو وحسين يعقوب، دراسة بعنوان: ‘عن احتمالات الفدرالية في سوريا’، وكانت خلاصتها أن “المخرج الوحيد من الصراع الدائر، هو تقاسم السلطة وفق اعتبارات مذهبية، ومع إعطاء الأقليات القومية حقوقا ثقافية وإدارية’. ويضيفا أنه ‘لا يبدو ثمة بدائل عملية” أخرى. ولكنهما يعتبراه حلا مؤقتا، وأن سوريا “على موعد مع انتفاضات وتحركات جديدة. إذا لا تقسيم واقعي، ولكن هناك تغيير في طبيعة الحكم والاعتماد على المذهبية في تشكيله”.

قضية التقسيم يثيرها مؤيدو النظام وبعض الغربيين بينما المعارضة ترفض ذلك تماما

وفي دراسة بعنوان “التقسيم المستحيل” يؤكد مصطفى خليفة أن من يثير قضية التقسيم هم “مؤيدو النظام وبعض المعلقين الغربيين” بينما المعارضة ترفض ذلك تماما، وينفي خليفة إمكانية التقسيم، بسبب أن “التركيبة العرقية والطائفية للمجتمع السوري وتوزيع السكان في جميع أنحاء البلاد جعلان تقسيم البلاد أمرا مستحيلا” وكذلك لأنه سيشكل خطرا على استقرار الدول المجاورة، كتركيا والعراق ولبنان. وينهي دراسته بنقاط توضح أن التقسيم لن يكون ممكنا. أما جورج كدر، فيشير في دراسته، “سوريا وديمغرافية ما بعد الثورة”، إلى أكثر من احتمال، فهو يؤكد أن “العنف وبث الأحقاد المذهبية قد يجعلان من خيار التقسيم خيارا واقعيا من الناحية السياسية” وإن لم يكن التقسيم أمرا واقعيا” فـ”التداخل الإثني – الطائفي، قد يجعل من أهواء التقسيم أمرا عسيرا”. ما تقدم من أبحاث، يشير إلى أن التخوفات قائمة من التقسيم، ولكن عوامل كثيرة تؤكّد أنه أمر صعب التحقق، وسبب ذلك التنوع القومي والديني والتداخل الكبير، وخطر ذلك على استقرار المنطقة برمتها، عدا عن أنّ الثورة ورغم التعقيدات الحاصلة، فإن هدفها بناء دولة لكل السوريين. وما يمنع إظهار هذه الروحية، هو واقع الحرب، وظاهرة أمراء الحرب الطائفيين والنظام من ناحية أخرى، والهجرة الكبيرة للسكان. التقسيم غير ممكن إذا، وليس من مصلحة السورين الإيغال في تسويغه الإعلامي، وواقع الحرب لا يعبر مطلقا عن أن حلب لوحدها وكذلك الرقة وكذلك السويداء أو أن الكرد في طريقهم إلى الاستقلال، رفض السوريون ذلك في ثلاثينات القرن الماضي، والآن ورغم كل كوارث الحرب، فإن التقسيم لن يكون مستقبل سوريا.

6