وحدة العرب من الرافدين إلى سلطنة عمان

الاثنين 2014/03/31
حصن "رأس الحد" يشهد العلاقات العميقة بين سلطنة عمان وبلاد الرافدين

مسقط- صدرت مؤخرا عن مركز الدراسات والبحوث في سلطنة عمان، نتائج الندوة الأخيرة التي عقدت في ديسمبر الماضي بمسقط، والتي تناولت تاريخ العلاقات بين العراق والسلطنة. وقد جمعت البحوث في كتاب حمل عنوان “جسر بين حضارتين”، ليكون حافظا لمجموعة من الوثائق المهمة حول الصلة بين الرافدين وأرض “الأزد”.

بقطع النظر عن امتدادات أهل الرافدين السومريين إلى منطقة الخليج العربي وخاصة على سواحل البحرين، فإن التواصل الحضاري بين العراق وسلطنة عمان كان أساسا عبر البحر.

فميناء “مغان” العماني القديم (والذي كان أساسيا في انتشار الإسلام نحو الهند وجنوب آسيا) كان مركزا للعلاقات التجارية بين الحضارتين العمانية والعراقية، إلى جانب الموانئ الأخرى مثل “كدلمون” و”دارين” و”فيلكه” في الكويت حاليا، مرورا بموانئ الإمارات أين تم اختراع أول شراع مثلث في التاريخ.

ويتحدث فصل “التواصل الحضاري بين عُمان والعراق”، والذي قدمه الباحث في التاريخ القديم إسماعيل بن صالح الأغبري، عن عُمق التاريخ الحضاري بين البلدين، على أن ما وصل مع الماء لم يكن حديثاً، فالعلاقات التجارية كانت قائمة لبني سومر وأكاد و”مجان”، وهو الاسم القديم لعمان، ويتألف من مقطعين “ما” بمعنى هيكي، وجان بمعنى السفينة، وهي تعني عُمان. فقد عُرفت عُمان بأسماء عديدة منها “مجان” و”مزون” وكان تعاملها مع بلاد الرافدين بهذه الأسماء.

وفي السياق ذاته، قدم الكتاب معلومات عديدة في محور العلاقات التجارية بين موانئ عمان والبصرة، بقلم المؤرّخ صالح بن عامر الخروصي، مؤكداً في بحثه على أن الحفريات في موقع رأس الحد بولاية صور كشفت عن مجموعة من المقتنيات الأثرية تعود للألف الثالثة قبل الميلاد، وترجع أُصول بعض هذه المقتنيات إلى بلاد الرافدين والتي قدمت عن طريق المواصلات البحرية.

وقد كشفت دراسات الندوة الموثقة في الكتاب عن قدم العلاقات وتجذرها بين سلطنة عمان المطلة على المحيط الهندي جنوب شرق شبه الجزيرة العربية والعراق الواقع شمال شرق منطقة الحجاز والمطل على بحر العرب من ناحية أم قصر. وقد قدم الباحث عبدالمنعم سلامة ورقة بحثية تحت عنوان “المهالبة العمانيون في حضارة البصرة إبان العصر العباسي الأول”. وفي هذه الورقة تم تعريف “آل مهلب” وهم قبيلة من جذور عمانية، كان القائد “المهلب بن أبي صفرة” أحد المنتسبين إليها، وهو الذي عرف بحربه الضروس التي خاضها ضدّ الخوارج. وقد حكم “المهالبة” العمانيون البصرة، ثم كامل العراق عندما خلف يزيد بن المهلب الحجاج بن يوسف الثقفي على إمارة العراق.

كما كتب الباحث سعيد حاسم الزبيدي في ورقته تحت عنوان “ثلاثة جسور شوامخ” عن ثلاث شخصيات هامة في التاريخ العربي من البصرة وترجع أصولهم إلى قبيلة الأزد التي تقع في عمان. وهذه الشخصيات هي ابن دريد (أبو بكر محمد بن الحسن) وهو لغوي بصري معروف، وأبو العباس محمد بن يزيد الثمالي، وخاصة النحوي العربي الخليل بن أحمد الفراهيدي واضع علم العروض الشعري وكاتب معجم “العين” المرجعي.

لكن الأكثر لفتا للنظر، أن العلاقة بين عمان والعراق لم تكن فقط عبر الأشخاص، الذين اختاروا البصرة مقاماً، وكان منهم الساسة والأدباء واللغويون، إنما على المستوى الفكري أيضاً، فمذهب الإباضية، وهو كان وما يزال مذهب العديد من العمانيين، كان قد تأسس في البصرة، وجابر بن زيد البصري، وهو رجل المذهب الإباضي الأول وجدّ هذا المذهب في البصرة، عُماني الأصل، والأكثر من هذا أن الرجل الذي سُمي المذهب باسمه، وهو عبدالله بن إباض التيمي، كان بصريا أصلاً ونشأة، من هذا نفهم عمق الصلات الفكرية بين عمان والبصرة، ناهيك عن اتخاذ مذهب أبي حنيفة النعمان، وهو عراقي أصلا ونشأة، في الفروع الفقهيّة.

لم يغب الأدب عن قراءة الصّلات بين العراق وعُمان، فقد قدم محسن بن حمود الكندي فصلا في الكتاب تحت عنوان “العراق في النص الشعري العُماني”، أتى فيه على قصائد شُعراء عُمانيين أبرزوا فيها دور العراق الحضاري، وكعمق استراتيجي للمنطقة بأسرها. وأول النصوص كان مديحا لثورة 14 تموز 1958، وقد ورد في هذه الورقة بعض مما قاله الشاعر عبدالله الطائي في قصيدته “تحية للعراق”. وأتى صاحب البحث على قصائد العمانيين في مهرجانات “المربد” التي تحتفي بالتاريخ المشترك بين العراق وعمان والذي أصبح في قلب الفولكلور الشعبي العماني.

ينطوي كتاب “جسور بين حضارتين” أيضا على بحوث أخرى في التاريخ والصلات التجارية والسياسية لمدى طويل من الزمن، منها: بحث ناهد عبدالكريم الذي تناول “المصالح العُمانية العراقية عبر مدى تاريخي طويل”، ومحمد رياض حمزة الذي تحدث عن “تاريخ التعاون الاقتصادي بين عمان والعراق”، وفتحي عبدالعزيز الحداد عن “العلاقات والتأثيرات الثقافية بين عُمان والعراق القديم” وأخيرا بحث “تاريخ العلاقة بين البصرة وعُمان” لعلي بن سعيد الريامي.

12